"كورونا" يمنح الحكومات سلطات مطلقة.. نعمة أم نقمة؟

"كورونا" يمنح الحكومات سلطات مطلقة....

المصدر: أبانوب سامي-إرم نيوز

اتخذت العديد من الحكومات قرارات جذرية وسنت قوانين جديدة تمنحها المزيد من السلطات التي تتراوح بين الضرورية والمبالغ فيها في الكفاح لكبح انتشار فيروس كورونا، ومع إصدار قادة العالم مراسيم الطوارئ والتشريعات التي وسعت نطاق سلطاتهم خلال الوباء، يتساءل المراقبون هل سيتخلون عنها بعد مرور الأزمة؟.

المتخوفون من ”سلطة كورونا“ استندوا إلى إجراءات استغلتها حكومات وزعماء للحصول على هدنة من مواجهة الشارع، ففي تشيلي نزل الجيش إلى الساحات العامة التي كان يحتلها المحتجون ذات مرة، وأجلت بوليفيا الانتخابات، وأغلق رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاكم، في وقت يواجه اتهامات، وبدأ مراقبة صارمة على المواطنين، وفي المجر، بات رئيس الوزراء ”فيكتور اوربان“ يحكم بمرسوم ملكي، ولدى الوزراء في بريطانيا ما سماه أحد الناقدين بسلطة ”محزنة“ لاحتجاز الناس وإغلاق الحدود.

وبينما يتسبب الفيروس التاجي في توقف العالم، ويطالب المواطنون القلقون باتخاذ إجراءات، يستحوذ القادة في جميع أنحاء العالم على سلطات تنفيذية، يمكن اعتبارها ضرورة ملحة و“نعمة“ للتحكم في الأمور والسيطرة على الوباء، أو طوق نجاة للبعض.

إجراءات قانونية

وبحسب صحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، تتفق الحكومات وجماعات الحقوق على أن هذه الأوقات الاستثنائية تتطلب اتخاذ إجراءات استثنائية، إذ تحتاج الدول إلى سلطات جديدة لإغلاق حدودها وإنفاذ الحجر الصحي وتعقب المصابين، ويقول محامون دستوريون إن العديد من هذه الإجراءات محمية بموجب القواعد الدولية.

إلا أن المنتقدين يقولون إن بعض الحكومات تستخدم أزمة الصحة العامة كغطاء للاستيلاء على سلطات جديدة لا علاقة لها بالوباء، ودون تقديم ضمانات بعدم إساءة استخدامها.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه القوانين تترسخ بسرعة عبر مجموعة واسعة من الأنظمة السياسية في الدول الاستبدادية، والديمقراطيات المتعثرة، أو التقليدية مثل بريطانيا، وليس هناك ضمانات تذكر لإلغاء هذه السلطات الجديدة بمجرد أن يمر التهديد.

وباء الإجراءات القمعية

وقالت ”فيونوالا ني أولين“، مقرر الأمم المتحدة الخاص لمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان: ”يمكن أن يكون لدينا وباء موازٍ متمثل في الإجراءات الاستبدادية والقمعية بعد الإغلاق إن لم يكن في أعقاب الوباء الصحي“.

وبينما توسع القوانين الجديدة من رقابة الدولة، وتسمح للحكومات باحتجاز الناس إلى أجل غير مسمى، من الممكن أيضا أن تشكيل الحياة المدنية والسياسة والاقتصاد لعقود قادمة.

أعاد الوباء تعريف القواعد، وتمت الإشادة بأن أنظمة المراقبة الغازية في كوريا الجنوبية وسنغافورة، التي كانت ستواجه الانتقادات في الظروف العادية، ساعدت على تباطؤ العدوى، وقد اتبعت الحكومات التي انتقدت الصين في البداية لوضعها الملايين من مواطنيها تحت الحصار، حذوها.

وأذن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوكالة الأمن الداخلي في بلاده بتتبع المواطنين باستخدام مجموعة سرية من بيانات الهاتف المحمول التي جرى تطويرها لمكافحة الإرهاب، ومن خلال تتبع تحركات الناس، يمكن للحكومة معاقبة أولئك الذين يتحدون أوامر العزل بالسجن لمدة تصل إلى 6 أشهر، كما أمر نتنياهو بإغلاق محاكم إسرائيل، مما أجل ظهوره المقرر لمواجهة اتهامات بالفساد.

الأحكام العرفية

وفي بعض أنحاء العالم، أعادت قوانين الطوارئ الجديدة إحياء المخاوف القديمة من الأحكام العرفية، حيث وافق البرلمان الفلبيني على تشريع الأسبوع الماضي يمنح الرئيس ”رودريغو دوتيرتي“ سلطات طوارئ و5.4 مليار دولار للتعامل مع الوباء، وخفف المشرعون من مقترح قانون سابق من شأنه أن يسمح للرئيس بالاستحواذ على الشركات الخاصة.

وقالت جماعة حقوقية فلبينية تدعى ”المحامون القلقون من أجل الحريات المدنية“ في بيان: ”إن سلطات الطوارئ هذه لا حدود لها وخطوة استبدادية“، وأشار المحامون إلى أن دوتيرتي قارن دستور البلاد ذات مرة بـ ”قصاصة ورق تواليت“.

وتستخدم بعض الدول الجائحة للقضاء على المعارضة، ففي الأردن، بعد أن أعطى ”قانون الدفاع“ الطارئ مساحة واسعة لمكتبه، قال رئيس الوزراء ”عمر الرزاز“ إن حكومته ”ستتعامل بحزم“ مع أي شخص ينشر ”الشائعات والتلفيق والأخبار الكاذبة التي تثير الذعر“.

وتولى رئيس الوزراء التايلاندي ”برايوث تشان أوشا“ سلطة فرض حظر التجوال والرقابة على وسائل الإعلام، وتمت مقاضاة الصحفيين لانتقادهم رد فعل الحكومة على تفشي المرض.

لا احتاجات ولا انتخابات

وفي حين أن الفيروس نفسه قد ثبط إرادة المتظاهرين في التزاحم في الساحات العامة، أسكت إعلان تشيلي عن ”حالة كارثة“ ووجود الجيش في شوارع المدينة، المعارضة الشديدة التي هزت البلاد لعدة شهور.

وهذا الشهر، علقت بوليفيا الانتخابات الرئاسية المنتظرة التي كان من المقرر إجراؤها في أوائل مايو، بعد أن أثارت الانتخابات المتنازع عليها العام الماضي احتجاجات عنيفة، وأجبرت الرئيس ”إيفو موراليس“ على الاستقالة.

ومنذ ذلك الحين، عززت الرئيسة المؤقتة، التي وعدت بالتنحي لاحقا، سلطتها وأعلنت خطتها للترشح. وقالت المحكمة الانتخابية في البلاد يوم الخميس إنها ستجري الانتخابات بين يونيو / حزيران وسبتمبر/أيلول.

وفي الولايات المتحدة، طلبت وزارة العدل من الكونغرس سلطات جديدة، بما في ذلك خطة لإلغاء الحماية القانونية لطالبي اللجوء واحتجاز الأشخاص إلى أجل غير مسمى دون محاكمة، ولكن بعد رفض الجمهوريين والديمقراطيين، تراجعت الإدارة وقدمت اقتراحًا أكثر تواضعًا.

وتقول جماعات حقوقية إن الحكومات قد تستمر في جمع المزيد من السلطة بينما يتشتت مواطنوها بالوباء، وهم قلقون من أن الناس قد لا يعترفون بالحقوق التي تنازلوا عنها قبل فوات الأوان لاستعادتها.

وجرى الموافقة على بعض قوانين الطوارئ بسرعة كبيرة، لدرجة أن المشرعين وجماعات حقوق الإنسان لم يكن لديهم وقت لقراءتها، ناهيك عن مناقشة ضرورتها، كما شكك المدافعون عن حقوق الإنسان في السرعة التي صاغت بها الدول التشريعات الطويلة.

”قوانين الأزمة“

وقالت ”أولين“، المقررة الخاصة للأمم المتحدة، إن بعض الحكومات يكون لديها مجموعة من السلطات المطلوبة للتقديم في حالة الطوارئ أو الأزمات، مشيرة إلى أنهم يصيغون القوانين مقدما وينتظرون ”فرصة تقديمها في الأزمة“.

ولم يتضح بعد ما الذي سيحدث لقوانين الطوارئ عندما تمر الأزمة، بينما في الماضي تجاوزت القوانين التي تم تسريعها- مثل قانون ”باتريوت“ الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر- الأزمات نفسها التي كانت مخصصة لمعالجتها.

وقال ”دوجلاس روتزن“، رئيس المركز الدولي لـ ”القانون غير الربحي“ في واشنطن، والذي يتتبع التشريعات والمراسيم الجديدة خلال الوباء، إنه بمرور الوقت، تتغلغل مراسيم الطوارئ في الهياكل القانونية وتصبح طبيعية، فمن السهل منح سلطات الطوارئ، ولكن من الصعب للغاية نزعها“.

مطاطية المصطلحات

ويقول مراقبون إن الوباء يعد بمثابة نعمة للحكومات ذات النزعة الاستبدادية، بالنظر إلى استغلال القوانين ومطاطية المصطلحات. ففي المجر، منح قانون جديد رئيس الوزراء فيكتور أوربان السلطة لتجاوز البرلمان وتعليق القوانين القائمة.

وأصبح أوربان، الذي أعلن حالة الطوارئ هذا الشهر، منفردا بالسلطة على إنهاء حالة الطوارئ حيث يسيطر حزبه على ثلثي المقاعد، ووافق البرلمان على التشريع يوم الاثنين.

ويقول المنتقدون إن التشريع الجديد يمكن أن يسمح لحكومة أوربان بتقويض المؤسسات الديمقراطية واضطهاد الصحفيين وأعضاء المعارضة، وسيعدل القانون بشكل دائم مادتين من القانون الجنائي مما سيحد أكثر من حرية التعبير ويعاقب الأشخاص على خرق أوامر الحجر الصحي، كما ستعلق الحكومة جميع الانتخابات والاستفتاءات.

وبموجب أحد الإجراءات، يمكن لأي شخص ينشر معلومات تعوق استجابة الحكومة للوباء، أن يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات. ويمنح هذا التشريع مساحة واسعة للنيابة العامة لتحديد ما يعتبر معلومات خاطئة.

وقال ”دانيال كارساي“، وهو محام في بودابست، إن ”مشروع القانون مثير للقلق“، وخلق ”مخاوف كبيرة“ بين المجريين من أن ”إدارة أوربان ستكون ديكتاتورية حقيقية“، موضحا أنه ”ليس هناك ثقة كافية في الحكومة في هذا الصدد“.

وأشار آخرون إلى السجل الحافل للحكومة لإطالة أمد تشريعات الطوارئ بعد فترة طويلة من الأزمة، حيث لا يزال أحد المراسيم الصادرة في ذروة أزمة الهجرة في أوروبا قبل 5 سنوات، ساري المفعول حتى الآن.

الديمقراطيات القوية

كما تستخدم الديمقراطيات القوية الوباء لتوسيع نفوذها، ولدى بريطانيا تاريخ طويل من الديمقراطية وتتميز بعادات ديمقراطية راسخة. ومع ذلك، فإن مشروع قانون فيروس كورونا الذي تمت الموافقة عليه بسرعة في البرلمان يمنح الوزارات سلطة احتجاز وعزل الناس إلى أجل غير مسمى، وحظر التجمعات العامة بما في ذلك الاحتجاجات، وإغلاق الموانئ والمطارات.

قدم وزير الصحة البريطاني ”مات هانكوك“، مشروع القانون في البرلمان، وصفه بأنه ”خروج عن الطريقة التي نتبعها في وقت السلم“، وقال إن الإجراءات ستكون ”مؤقتة تماما ومتناسبة مع التهديد الذي نواجهه“.

لكن بعض البنود، والتي تسمى سلطات هنري الثامن، تيمنا بالملك سيئ السمعة في القرن السادس عشر، ستعطي الحكومة السيطرة دون رادع.

وقال منتقدون إن التشريع يمنح سلطات كاسحة لحرس الحدود والشرطة، الأمر الذي قد يؤدي إلى احتجاز لأجل غير مسمى وتعزيز سياسات ”البيئة المعادية“ ضد المهاجرين.

وتابع المحامي ”آدم واجنر“، الذي يعمل كمستشار للجنة برلمانية معنية بحقوق الإنسان: ”كان من الطبيعي أن يستغرق كل بند شهورا من النقاش، ولكن بدلاً من ذلك تتم مناقشته في غضون أيام قليلة“.

وقال عن التشريع الذي يأتي في 340 صفحة ”كان الجميع يحاولون اجتياز قراءته فقط، ناهيك عن التدقيق فيه بشكل صحيح“.

وذكرت ”سيلكي كارلو“، مديرة مجموعة ”بيج برازر ووتش“ الحقوقية: ”هذه سلطات محزنة لم يكن من الممكن تصورها في وقت السلم في هذا البلد من قبل“، واصفة الإجراءات بأنها ”قاسية“.

وحذرت كارلو من أن بريطانيا قد ”تنتقل من أزمة إلى أخرى، حتى تكتشف أنها ضلت طريقها، فنحن نخاطر بأن نجد أنفسنا في حالة طوارئ دائمة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com