بعد سبعة عقود على إنشائه.. ما الذي بقي من حلف الناتو؟ – إرم نيوز‬‎

بعد سبعة عقود على إنشائه.. ما الذي بقي من حلف الناتو؟

بعد سبعة عقود على إنشائه.. ما الذي بقي من حلف الناتو؟

المصدر: إبراهيم حاج عبدي-إرم نيوز

أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بشأن موت حلف شمال الأطلسي سريريًا، عاصفة من الانتقادات وردود الأفعال، ودفعت المتابعين إلى رصد طبيعة هذا الحلف وتاريخه، الذي يعود إلى سبعة عقود خلت، والتحولات الدراماتيكية التي شهدها العالم، وجدوى هذا الحلف في ظل تغيير التحالفات وانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، ومعه حلف وارسو الذي كان يجسد قدرات الشرق الشيوعي في مواجهة الغرب الرأسمالي.

وتبدو الصورة الجيوستراتيجية للعالم، حاليًا، شديدة التغيير عما كانت عليه قبل سبعة عقود، حين اندلعت فصول الحرب الباردة، وبدأ المعسكران الشرقي، بقيادة الاتحاد السوفيتي، والغربي بقيادة الولايات المتحدة، في تكديس الأسلحة وتعزيز القدرات الدفاعية من أجل الانقضاض على الخصم، غير أن لحظة الانقضاض تلك لم تأت قط، وهو ما يطرح أسئلة عن جدوى حلف الناتو، بعدما انخرطت موسكو وواشنطن، معًا، في ترتيب فوضى هذا العالم المضطرب.

وبحسب خبراء، فإن الرئيس الفرنسي كان محقًا إلى حد بعيد حين اعتبر في مقابلة مع ”الإيكونوميست“، بأن الحلف يعيش ”موتًا سريريًا“، في إشارة إلى عدم جدواه في ظل انفراد بعض أعضاء الحلف في اتخاذ قرارات فردية تنعكس سلبًا على أعضاء آخرين.

وأوضح ماكرون: ”ليس هناك أيّ تنسيق لقرار الولايات المتحدة الاستراتيجي مع شركائها في الحلف الأطلسي، ونشهد عدوانًا من شريك آخر في الحلف، وهو تركيا في منطقة مصالحنا فيها على المحك، من دون تنسيق“.

وتساءل ماكرون، ماذا سيحل بالمادة 5 إذا قرر الرئيس السوري بشار الأسد الرد على هجوم تركيا على شمال سوريا، فهل سنتدخل كأعضاء في حلف شمال الأطلسي، على اعتبار أن الهدف من إنشاء الحلف أصلًا، هو حماية دول الحلف وأمنها، إذ تنص المادة 5 على ”تضامن عسكري بين أعضائه في حال تعرض أحدهم لهجوم“.

لكن هذه المقاربة الفرنسية لم ترق للكثير من أعضاء الحلف، إذ انتقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تصريحات ماكرون ووصفتها بـ“الراديكالية“.

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس حذر من جانبه، اليوم الأحد، من تقويض الحلف، قائلًا في مقال نشرته مجلة ”دير شبيغل“ الألمانية: ”سيكون من الخطأ أن نقوض حلف شمال الأطلسي.. بدون الولايات المتحدة لن تتمكن ألمانيا ولا أوروبا من حماية نفسها على نحو فعال“.

وشاطر الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، الألمان رأيهم، إذ اعتبر أن الحلف ما زال ”قويًا“، مؤكدًا أن الولايات المتحدة وأوربا ”تتعاونان معًا أكثر مما فعلتا منذ عقود“.

وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إن ”حلف الناتو تاريخيًا من أهم الشراكات الاستراتيجية“، رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد قال في تصريح سابق أن الحلف عفا عليه الزمن، قبل أن يطالب دول الحلف بتقاسم عبء التمويل.

بدوره، أكد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو ”الدور بالغ الأهمية“ للحلف على الساحة الدوليّة، خصوصًا في العراق ولاتفيا.

موسكو، لوحدها، بدت مبتهجة بالتصريحات الفرنسية، إذ رحّبت المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة ماريا زاخاروفا بالقراءة الفرنسية، ووصفت كلمات ماكرون بأنها: ”كلمات من ذهب، صادقة وتعكس الجوهر. إنّه تعريف دقيق للواقع الحالي لحلف شمال الأطلسي“.

ويأتي هذا السجال قبل أقل من شهر على موعد انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي المقررة في لندن يوم الرابع من كانون الأول/ديسمبر المقبل.

بدايات الحلف وخطة مارشال

 ويعود تاريخ إنشاء الحلف الذي أطلق علي ”الناتو“ إلى عام 1949،  استجابة لضرورات الحرب الباردة النامية حينها، لكن نهاية تلك الحرب لم تنه الناتو، بل على العكس توسع الحلف ليشمل بعض دول الاتحاد السوفيتي السابق، ويصبح أكبر تحالف عسكري في زمن السلم بالعالم.

ووجدت أوروبا نفسها بعد الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، مدمرة، فكانت بحاجة إلى مساعدات هائلة لإعادة الإعمار، وإنعاش اقتصادها، وهنا جاء دور واشنطن التي وجدت، آنذاك، في أوروبا حاجزًا ضد التمدد الشيوعي السوفيتي، وبرزت خطة مارشال التي اقترحها وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال، وتنص على برنامج مساعدات اقتصادية واسعة النطاق لأوروبا، وهو ما أفضى إلى بروز فكرة المصالح المشتركة والتعاون بين أمريكا وأوروبا.

وإثر سلسلة أحداث أعقبت الحرب العالمية الثانية، تسبب بها الاتحاد السوفيتي، وأحدثت قلقًا لدى الأوروبيين، شعرت واشنطن أن مخاوف الأوروبيين قد تدفعهم إلى التفاوض مع السوفييت والتحالف معهم، ولمنع ذلك رأت إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان تشكيل تحالف أوروبي أمريكي من شأنه أن يلزم الولايات المتحدة بتعزيز أمن أوروبا الغربية التي كانت على استعداد لتطبيق سيناريو من هذا النوع.

ووفقًا لمصادر تاريخية اقترح السيناتور الجمهوري آرثر فاندنبورغفي أيار/مايو عام 1948، قرارًا يدعو إلى إبرام معاهدة أمنية مع أوروبا الغربية، لتنطلق المفاوضات المكثفة لعدة أشهر بين واشنطن وأوروبا إلى أن تم الإعلان عن إنشاء الحلف في الرابع من نيسان/أبريل 1949 والذي ضم، في البداية، الولايات المتحدة وكندا وبلجيكا والدنمارك وفرنسا وآيسلندا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج والبرتغال وبريطانيا، وفي عام 1952، انضمت اليونان وتركيا إلى الحلف.

وبانضمام ألمانيا الغربية عام 1955 إلى الحلف، سعى الاتحاد السوفييتي إلى المواجهة عبر توقيع معاهدة وارسو مع عدد من الدول الشيوعية التابعة للاتحاد السوفيتي في شرق أوروبا.

حلف الناتو الذي بدأ، عند تأسيسه، بـ 12 دولة، يضم في عضويته حاليًا 29 دولة، إذ انضمت إسبانيا للحلف عام 1982، وتبعتها كل من التشيك، والمجر، وبولندا عام 1999.

وفي عام 2004، انضمت دول بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، في حين انضمت كل من كرواتيا وألبانيا عام 2009، بينما كانت دولة الجبل الأسود (مونتينيغرو) آخر الدول المنضمة للحلف، إذ انضمت عام 2017.

ويقع المقر الرئيسي للناتو في العاصمة البلجيكية بروكسل، إذ يحضر المئات من المسؤولين بالإضافة إلى الخبراء المدنيين والعسكريين إلى مقر الناتو بشكل متكرر، لتبادل المعلومات ومشاركة الأفكار والمساعدة في إعداد القرارات عند الحاجة، وذلك بالتعاون مع وفود الدول الأعضاء والموظفين في مقر الناتو.

وبالإضافة إلى دوره التقليدي في الدفاع الإقليمي عن الدول الحلفاء، لعب الناتو دورًا في عدد من القضايا والنزاعات الدولية، ففي التسعينيات، أوقف إراقة المزيد من سفك الدماء في البوسنة وكوسوفو، كما تدخل في أفغانستان، وساعد في منع القرصنة قبالة القرن الإفريقي، وأسهم في محاولات معالجة أزمة اللاجئين والمهاجرين في أوروبا، وقام بتدريب القوات العراقية على محاربة داعش بشكل أفضل، وغيرها من المهام التي اضطلع بها الناتو.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح الدفاع الإلكتروني أولوية قصوى بالنسبة لحلف الناتو نظرًا لشيوع الهجمات السيبرانية، كما يساعد الحلف، الذي يملك خبراء دفاع إلكترونيين، الحلفاء على تعزيز دفاعاتهم الإلكترونية من خلال تبادل المعلومات حول التهديدات، أو عند التعرض لهجوم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com