ترامب ضد ”الحروب الأبدية“ لكنه ليس حمامة سلام

ترامب ضد ”الحروب الأبدية“ لكنه ليس حمامة سلام

المصدر: أبانوب سامي – إرم نيوز

يكافح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لتوضيح منطق قراراته المربكة في الأيام التي أعقبت إعطاء البيت الأبيض الضوء الأخضر للغزو التركي على شمال شرق سوريا.

فمن ناحية، قرر ترامب أن الجيش الأمريكي لن يقف في طريق التوغل التركي، ومن ناحية أخرى، غامر بأن يعتبر هذا التخلي عن الحلفاء الأكراد السوريين ”فكرة سيئة“ وهدد أنقرة بتدمير اقتصادها إذا تجاوزت أفعالها خطًا أحمر لم يحدده الرئيس، وفق ما جاء في تقرير لصحيفة ”واشنطن بوست“ الأمريكية.

إلا أن الارتباك والتضارب الواضح لم يتوقفا عند هذا الحد، فقبل عام، أشاد ترامب بالتضحيات والنضالات العظيمة للفصائل الكردية السورية التي قادت الكفاح ضد داعش واستولت على الأراضي التي استعادتها من المتطرفين، وقال ترامب إنهم ”شعب عظيم ولم ننس مساعدتهم“.

ثم اقترح ترامب أن فكرة ترك الأكراد في مهب الريح مقبولة لأنهم لم يقاتلوا مع الولايات المتحدة في حرب نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية.

وأدت التطورات الدراماتيكية إلى لحظة غير متوقعة في مؤتمر الأمم المتحدة، ففي يوم الخميس، بدا أن الولايات المتحدة وروسيا على نفس الجانب ويعملان على إحباط قرار مجلس الأمن بإدانة الهجوم التركي.

”الحروب الأبدية“

ورغم ذلك اعتمد ترامب تكتيكًا مختلفًا، وشرح هذا الأسبوع مرارًا وتكرارًا على تويتر وأمام كاميرات الإعلام أن أولويته هي إنهاء ”الحروب الأبدية“ الأمريكية في الخارج، وإعادة الجنود الأمريكيين إلى بلادهم والسماح للقوى الإقليمية الأخرى بالتعامل مع أزمات الشرق الأوسط.

ولا تتعلق هذه القرارات التي اتخذها ترامب باستراتيجيته الخارجية، بل بالسياسة الداخلية، إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين قد نفد صبرهم من التورط في صراعات دامت عقودًا في العراق وأفغانستان وغيرهما ويريدون تغيير المسار، وترامب يريد أن يظهر وكأنه يفي بهذا الوعد.

وأشار الصحافي ”ديفيد سانجر“ للصحيفة الأمريكية إلى أن ”ترامب أراد إظهار أنه لن يستثني أي قوة بغض النظر عن صغر حجمها من سعيه لإنهاء الحروب الأبدية الأمريكية“، موضحًا أن ”ترامب يستعد لسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط، وإنهاء عمليات نشر القوات الرئيسية في أماكن مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية“.

إلا أن هذا الأمر لا يتفق مع مبادئ حلفاء ترامب الجمهوريين في واشنطن، حيث أكد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ”ميتش مكونيل“، أن ”المصالح الأمريكية تخدمها القيادة الأمريكية، وليس التراجع أو الانسحاب“.

”أكبر خطأ“

وحذر السيناتور ”ليندسي غراهام“ من العودة لعقلية ما قبل حادث 11/9، حيث كان المبدأ الأمريكي هو أن الشرق الأوسط لا يؤثر على الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن قرار ترامب بإفساح المجال لغزو تركيا يمكن أن يكون ”أكبر خطأ في رئاسته“.

مع ذلك، لا يعكس تاريخ ترامب خطابه الحالي، فلم ينهِ ترامب حتى الآن أي عمليات نشر للقوات.

وعلى طول الحدود السورية التركية، غيرت إدارته مواقع حوالي 50 جنديًا من الخطوط الأمامية، كما أكد البنتاغون أن القوات المتمركزة في سوريا والتي يبلغ عددها حوالي ألف جندي، ليست على وشك المغادرة.

”نسخة جديدة أعلى صوتًا فقط“

وقال ”ستيفن فيرثيم“، المؤسس المشارك لمؤسسة ”كوينسي للسياسة المسؤولة“، في واشنطن، والتي تسعى إلى تغيير السياسة الخارجية الأمريكية بعيدًا عن التدخلات العسكرية الممتدة: ”تحدث العديد من الرؤساء الآخرين عن إنهاء الحروب الأبدية، وعندما حان وقت الوفاء بالوعد، لم يكونوا مستعدين“.

وأضاف لـ“واشنطن بوست“: ”ترامب هو نسخة جديدة أعلى صوتًا فقط، فقد صعد خطابه والاعتراض على الحروب الأبدية، لكنه لم يفِ بأي من وعوده بهذا الشأن حتى الآن، بل كثف معظم الاشتباكات العسكرية التي تشارك فيها الولايات المتحدة“.

هذا وأشار الصحافي ”أليكس وارد“ إلى أن الولايات المتحدة كثفت غاراتها الجوية في أيلول/سبتمبر الماضي، في أفغانستان مقارنة بأي شهر خلال السنوات الـ 6 السابقة.

وفي صيف عام 2017، أمر ترامب بتصعيد كبير في القصف الجوي في سوريا، مع هجوم قوات التحالف المكون معظمها من الميليشيات الكردية السورية التي تتعرض للهجوم من قِبل تركيا، على معقل داعش في الرقة. كما ارتفعت الخسائر المدنية أيضًا، وزاد من الإنفاق العسكري الأمريكي بشكل كبير.

”نزعة عسكرية حادة“

ولا يعد أي من هذا من شيم حمامة سلام أو سياسي ”مناهض للحرب“ كما يصف البعض ترامب. إذ يرى فيرثيم أن ترامب لديه نزعة عسكرية حادة، وقال: ”أعتقد أن ترامب لديه الرغبة في السيطرة على الآخرين، وإذا لم يستطع الوصول لمبتغاه منهم، يقطع علاقته بهم“.

وأضاف: ”أعتقد أن الذين ينتقدون قرار ترامب بالانسحاب في واشنطن يدركون هذا الأمر، ويعملون على تمديد المهمة في سوريا، وتكذيب أي دعوة للانسحاب أو ضبط النفس“.

وباستخدام المزيد من التغريدات يوم الخميس، قدم ترامب نسخته المثيرة للجدل على الوضع، إذ استولى على الفضل في هزيمة داعش بالكامل، دون ذكر الخسائر الفادحة والتضحيات التي قدمها الأكراد السوريون المتحالفون مع الولايات المتحدة، وصوّر النزاع التركي الكردي الحالي على أنه نتاج قرون من الصراع، ثم اقترح أن المضي قدمًا سيتطلب صفقة وساطة بين تركيا والفصائل الكردية.

وربما يكون الرئيس محقًا في الملاحظة الأخيرة، فمن الواضح أنه لن يمكن حل النزاع دون تسوية سياسية بين تركيا والأكراد، والتوصل لحل مجدٍ للحرب الأهلية السورية.

وقال ”بول بيلار“، وهو مسؤول سابق مخضرم في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية: ”إن تأمين مستقبل الأكراد السوريين يتطلب حلاً مدعومًا دوليًا للحرب الأهلية السورية، وعلى الراغبين في انتقاد ترامب بشأن سوريا ألا يركزوا على انسحاب القوات، بل على فشله في المشاركة الكاملة في المباحثات الدبلوماسية المتعددة الأطراف بدلاً من ترك هذا الدور لإيران وروسيا وتركيا“.

إذ ركز ترامب جهوده في سوريا على الانسحاب، وترك احتمالات التقارب بين أنقرة والأكراد تتضاءل حتى أصبحت بعيدة المنال مع تدفق الدبابات وتساقط القنابل.