الحرب على داعش.. نجاحات جزئية وتحديات منتظرة

الحرب على داعش.. نجاحات جزئية وتحديات منتظرة

المصدر: شبكة إرم ـ خاص

بعد مرور نحو خمسة أشهر على حملة التحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد داعش في سوريا والعراق ثمة سؤال يطرح نفسه حول جدوى ونتائج هذه الضربات.

وتشير تقارير عسكرية إلى أنه ومنذ أن أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأمر إلى القوات الأمريكية بمباشرة العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في السابع من آب/أغسطس الماضي، نفّذ التحالف أكثر من 5 آلاف غارة جوية، فضلاً عن 1700 مهمة استخبارات ومراقبة واستطلاع جوية وأكثر من 22 ألف رحلة جوية لإعادة التموين، وما يزيد عن 1300 عملية نقل جوي لتسليم نحو 6000 طن من المساعدات الإنسانية والعسكرية.

إلا أن هذه الأرقام تعتبر منخفضة بالمقارنة مع الحملات الجوية السابقة كما أنها قد توحي بالافتقار إلى الفعالية التكتيكية، ولكن عند دراسة هذه الحملة من المنظارين العملياتي والاستراتيجي، يتبين أنها حققت بعض النجاحات البارزة.

الحملة في العراق

وتفيد تقارير استخبارية أن التنظيم الذي حقق تقدما سريعا في العراق في يونيو الماضي راح يتراجع وأصبحت قواته تنتشر في حالة دفاعية في أغلب الأحيان لا تتخللها سوى عمليات هجومية في مواقع محلية.

ومع أن هذا الوضع لم ينتج عن الحملة التي تشنها قوات التحالف وحدها، إلا أن الضربات الجوية دمّرت أو ألحقت الضرر بما يزيد عن 300 آلية و 15 قذيفة هاون وقطعة مدفعية، وتسعة نظم قيادة وتحكم، وذلك في المرحلة الحاسمة الممتدة على الشهرين ونصف الشهر الأولين من العملية حينما كانت الجماعة لا تزال تشن هجماتها بصورة نشطة، هذا بالإضافة إلى قتل أو جرح عدد غير محدد من مسلحي التنظيم المتشدد.

وعلاوةً على ذلك، ساهمت هذه الضربات في إعطاء القوات العراقية وقوات ”البيشمركة“ الكردية وقتاً إضافياً للتحالف معاً، في الوقت الذي منعت فيه تنظيم ”داعش“ من حشد قواته لتنفيذ المزيد من الهجمات. كما أنها وفّرت دعماً حاسماً من حيث القوة النارية واللوجستية خلال العمليات الكبرى، بما في ذلك مساعي استعادة سد الموصل وسد حديثة والهجوم المضاد حول جبل سنجار والجهود التي بذلها الجيش العراقي لإحباط هجوم كبير شنه تنظيم داعش على بغداد في أكتوبر.

يضاف إلى ذلك أن الضربات أتاحت التعامل سريعاً مع حالة الطوارئ الإنسانية للاجئين اليزيديين في جبل سنجار فأنقذت الأرواح وأضفت طابعاً إنسانياً على عملية التدخل. وقد كان لهذا المسعى الأخير أصداءٌ إيجابية في كل من الولايات المتحدة وبلدان أوروبا وغيرها من الدول حيث تزايد الدعم الشعبي للعملية ومنحها الوقت اللازم لتتوج بالنجاح.

الحملة في سوريا

بدأت الضربات الجوية لقوات التحالف في سوريا بعد شهر ونصف الشهر على استهلالها في العراق ولكنها ازدادت حدةً مع ابتعاد تنظيم داعش عن الجبهة العراقية المتصفة بالركود واتجاهه نحو ما يعتبره أهدافاً أسهل في سوريا.

وساعدت القوة الجوية للتحالف على إيقاف هجوم داعش على مدينة كوباني الكردية السورية حيث تسببت الضربات الجوية التي فاق عددها 470 ضربة بأضرار جسيمة في صفوف قوات تنظيم داعش وأدت إلى خسارة العديد من الأسلحة الثقيلة والآليات التي يصعب استبدالها.

ولعل الهزيمة التي مني بها التنظيم في كوباني تعد الانتكاسة الأبرز له خلال العام المنصرم ومن الممكن أيضاً أن تنفي عنه صفة التنظيم الذي لا يقهر.

وفي المقابل ركزت الضربات في المناطق الأخرى من البلاد على استنفاذ قوة القيادة العليا لدى الجماعة وخفض إيراداتها غير المشروعة الناتجة عن تهريب النفط وإضعاف مرافقها التدريبية واللوجستية.

ويشيد خبراء عسكريون بأهمية الحملة، ويرون أنها اتسمت بدرجة بالغة من الدقة والانضباط، وأرقام الضحايا من المدنيين (نحو خمسين ضحية في كل من العراق وسوريا) لا تزال حتى الآن متدنية جداً نسبةً إلى طبيعة الضربات ووجود مواقع لداعش ضمن مناطق سكنية مدنية.

ومع أنه يصعب التحقق من هذه الأرقام بسبب غياب أي وجود ميداني لقوات التحالف أو الصحفيين المستقلين في الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش»، يبقى واضحاً أنه تم بذل جهود ملحوظة للحرص على الحد من الأضرار غير المباشرة.

إن هذا الضبط، بحسب مراقبين، قد قلص على الأرجح من الأضرار التي ألحقت بتنظيم داعش غير أنه أتى بفوائد جمة من ناحية حشده لتحالف أكبر، حيث تضافرت ثماني دول غربية وست دول عربية على شن الغارات بينما ساهمت عشرات غيرها في توفير المساعدات الإنسانية أو التدريب أو الدعم العسكري.

التحديات

لم تخل الحملة من التحديات، فقد واجهت القوة الجوية القيود بسبب السياسات التي شرعها القادة السياسيون والعسكريون في الولايات المتحدة من أجل الحد من عدد الأهداف التي يمكن ضربها كل يوم.

أولاً، إنّ القرار بتجنب نشر الجنود الأمريكيين على الأرض عطّل التكتيك المثبت الذي يتمثل بجمع ”القوات الخاصة“ مع الجنود المحليين من أجل تحديد الأهداف التي ستستهدفها الضربات الجوية لدى العدو.

وللتعويض عن هذا القيد، تم تعيين مستشارين أمريكيين في مختلف المقرات العراقية سعياً إلى تحديد متطلبات الدعم الجوي وإيصال هذه المعلومات إلى“ مركز العمليات الجوية المشتركة“ في قطر الذي يشرف على الحملة الجوية.

لكن يبدو للأسف أن نظام القيادة والتحكم العراقي خاملٌ لدرجة تمنعه من نقل الأهداف إلى المركز المذكور بانتظام في الوقت المناسب.

ثانياً، تتعامل القيادة المركزية الأمريكية والبنتاغون مع الحملة على «داعش» باعتبارها مسعىً قائماً على مبدأ ”الاقتصاد في القوة“ الذي يأتي في المرتبة الثانية بعد العمليات الأخرى في سائر أنحاء المنطقة. ويصح هذا الأمر بشكل خاص فيما يتعلق بقوى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع التي لا تزال تركز بشكل كبير على دعم العمليات في أفغانستان.

وطوال فترة الحملة على تنظيم «الدولة الإسلامية»، استعانت ”القيادة المركزية الأمريكية“ بالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في أفغانستان بأكثر من ستة إلى عشر مرات ما استعانت بها في العراق وسوريا.

وفي غياب وحدات منتشرة على الأرض، تقع مسؤولية العثور على أهداف «داعش» وضربها على قوى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع بشكل يكاد يكون حصرياً. لكن نقص هذه الإمكانيات في العراق وسوريا لا ينفك يترك ”مركز العمليات الجوية المشتركة“ أمام أهداف يتدنى عددها كثيراً عن عدد الطائرات المعدة لضربها.

وتشتد حدة المشكلة بشكل خاص حين يشن تنظيم داعش عمليات هجومية متزامنة في موقعين أو أكثر، ما يشتت قوى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع إلى حدٍّ يمنعها من تلبية المتطلبات الأكثر أهمية بشكل كامل.

من المرجح أن تستمر قوات الجيش و“البيشمركة“ في العراق خلال الأشهر القادمة باستعادة المناطق الرئيسية المحيطة بأطراف الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش» لينتهي بها المطاف إلى بسط سيطرة الدولة على معظم المناطق الريفية الغربية من العراق. لكن بالنظر إلى سجل الجيش العراقي الماضي، من المستبعد أن يتمكن هذا الأخير من السيطرة على هذه المناطق الريفية بشكل كامل أو الأهم من ذلك دحر تنظيم «الدولة الإسلامية» خارج المراكز المدنية السنية. وهذا الأمر قد يؤدي مع مرور الوقت إلى جمود استراتيجي يتمثل بسلسلة من الجزر المدنية التي تخضع لسيطرة «داعش» وسط بحرٍ من خطوط التواصل المتنازع عليها في الصحراء والأودية النهرية.

أما في سوريا، فيواصل تنظيم «الدولة الإسلامية» منهج عملياته المعتاد الذي يقضي بتفادي مواطن قوة العدو والبحث في المقابل عن نقاط ضعفه واستغلالها. ومع إيقاف هجماته في العراق وإحباط مساعيه لتدمير معقل كوباني، باتت الجماعة تسيّر جهودها في اتجاهين: الأول نحو حلب، وذلك من أجل القضاء على المعارضة السورية الأكثر اعتدالاً، والثاني نحو جنوب سوريا حيث كان وجودها في السابق ضئيلاً أو معدوماً. ومن المحتمل أن يسفر هذا الواقع عن حالات إضافية مشابهة لحالة كوباني حيث تكافح جيوب معزولة من المقاومين للصمود بوجه هجمات «داعش» المكثفة. كما أنه سيقلل من عدد جماعات الثوار المعتدلين في الوقت الذي تنضم فيه الفصائل المختلفة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» إما سعياً للبقاء على قيد الحياة أم لضمان وقوفها إلى جانب المنتصر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com