هل فرض سلطان بروناي تطبيق الشريعة الإسلامية لتحسين صورة عائلته؟

هل فرض سلطان بروناي تطبيق الشريعة الإسلامية لتحسين صورة عائلته؟

المصدر: توفيق إبراهيم ومحمود صبري-إرم نيوز

أثار سلطان بروناي الجدل بتطبيقه للشريعة الإسلامية، حيث انتقد العديد من النشطاء الحقوقيين والحكومات الأجنبية سلوكه السابق المتعارض مع قراراته الحالية، وأشاروا إلى أن الأمر يبدو كمحاولة يائسة لتحسين سمعته ومحي ماضيه المشين.

وبحسب شبكة ”سي إن إن“ الأمريكية فإن سلطان بروناي الذي كان أثرى رجل في العالم لسنوات عديدة اشتهر بأنه ملك الإسراف، حيث يجيد إنفاق الثروات الهائلة التي يجمعها من بيع نفط دولته الصغيرة في جنوب شرق آسيا، والتي يسيطر عليها بقبضة من حديد.

والآن، سلطت الأضواء على سلطان المستعمرة البريطانية السابقة، والبالغ من العمر 72 عامًا، لسبب مختلف تمامًا، حيث يتعرض لانتقادات لاذعة من الحكومات والناشطين في جميع أنحاء العالم لتطبيقه الشريعة الإسلامية، والتي تتضمن عقوبات مثل الإعدام بالرجم كعقوبة للزنا أو الشذوذ الجنسي، أو بتر الأطراف كعقاب للسرقة.

وبحسب شبكة ”سي إن إن“، يشير النقاد إلى أن تطبيق الشريعة الإسلامية بهذا الشكل هو علامة على تزايد نفوذ الإسلام المحافظ في جنوب شرق آسيا، مرجحين أن الحاكم العجوز يريد ترك تراث ديني للتعويض عن الجدل الذي أثارته عائلته.

وقال مؤسس جماعة بروناي لحقوق الإنسان ،ماثيو وولف: ”سمعة عائلة السلطان ليست الأفضل، وبالتأكيد، يتحدث الكثير من الناس عن النفاق في تطبيق السلطان وحكومته لقوانين انتهكتها أسرته في الماضي، وبعض الناس يرون الأمر كوسيلة لتحسين سمعته أو ربما ترك إرث ديني“.

وخلال خطاب علني نادر للأمة الأسبوع الماضي، تحدث السلطان حسن البلقية عن اتباع شكل أكثر تحفظًا للإسلام، وقال لشعبه إنه يريد أن يرى ”التعاليم الإسلامية في هذا البلد تزداد قوة ووضوحًا“، مضيفًا أن ”نظام الشريعة يحفظ ويضمن حقوق جميع الناس بغض النظر عن عرقهم ودينهم“.

تبدو هذه الرسالة متناقضة مع أنماط الحياة التي اعتمدها السلطان وشقيقه الأمير جفري البلقية، فخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، اشتهر الاثنان بإقامة الحفلات الفخمة، وإنفاق ملايين الدولارات دفعة واحدة، ووجود حريم في قصريهما.

كما امتلك الاثنان فنادق فاخرة في لندن وباريس ونيويورك، واشتهر جفري أيضًا بتسمية يخته الفاخر العملاق ”TITS“ (الثديين) وسفينتين صغيرتين باسم Nipple 1 (الحلمة 1) و Nipple 2 (الحلمة 2)، ووصفت مجلة فانيتي فير الأخوين بأنهما ”رفيقان ثابتان في مذهب المتعة“.

وقالت خبيرة جنوب شرق آسيا وأستاذة مشاركة في كلية العلوم السياسية بجامعة جون كابوت ، بريدجيت ويلش: ”عُرف سلطان بروناي وشقيقه الأمير جفري بامتلاكهما الحريم والإفراط في شراء السيارات ونزواتهما الجنسية، وكانت النساء تتوافد على بروناي في الثمانينيات، ولذلك كانت سمعة السلطان والأمير السيئة ذائعة على كل لسان“.

”الحريم“

نشرت الأمريكية جيليان لورين، سيرتها الذاتية بعنوان ”بعض الفتيات: حياتي ضمن الحريم“، وزعمت فيها أنه قد تم تجنيدها عندما كانت ممثلة صاعدة تبلغ من العمر 18 عامًا، في نيويورك في أوائل التسعينيات، لتكون جزءًا من حرملك مكون من 40 امرأة خاصة بالأمير جفري.

وكشفت لورين أنها قضت 18 شهرًا في الحرملك، وكانت ثاني أفضل عشيقة لدى الأمير جفري لمدة عام، وقالت لشبكة سي إن إن عام 2011: ”إنه مجنون، ومنحل، وآنذاك كانت هذه الصفات تجذبني، فكنت منجذبة لثقته بنفسه وجاذبيته وتهوره“، مشيرة إلى الأمير جفري.

وعام 2015، كشفت لورين في فيلم وثائقي ضمن برنامج 60 دقيقة أستراليا، بعنوان ”ذا بلاي بوي سلطان“ (السلطان زير النساء)، أنها مارست الجنس مع الأمير جفري ”مئات“ المرات، ومارست الجنس مع السلطان نفسه، موضحة أن كتابها محظور في بروناي.

وقالت في أيار/مايو 2014: ”أنا شاهدة على حقيقة أن السلطان كان يشرب الخمر ويزني، ولم يكن يعيش على الصراط المستقيم“.

وأوضحت أنها شعرت بضرورة رواية قصتها عندما شاهدت إعلانًا عام 2013 يقول إن بروناي تخطط لتطبيق الشريعة.

وقالت: ”يشير هذا إلى الطريقة التي يتصرف بها الكثير من أصحاب السلطة، فهم يتبعون قواعد تختلف عن بقية الناس الذين لا يملكون المال أو السلطة“.

وردًا على طلب الشبكة للتعليق على هذه الادعاءات، قالت حكومة بروناي في رسالة بالبريد الإلكتروني: ”إننا ننفي بشدة هذه المزاعم“.

وحاولت مجندة مزعومة أخرى في الحرملك، وهي ملكة جمال الولايات المتحدة الأمريكية السابقة شانون ماركتيك، مقاضاة السلطان والأمير جفري في محكمة أمريكية عام 1998، مدعية أنها تعرضت لمعاملة مهينة وسُجنت 32 يومًا في قصر السلطان.

وكشفت وثائق المحكمة أن شانون قالت إن القصر كان يحتوي دائمًا على ما يتراوح بين 30 و100 امرأة في أي وقت؛ وبعضهن كن يعلمن أنه قد تم تسخيرهن للجنس، ولكن البعض الآخر بما في ذلك شانون اعتقدن أنهن هناك لأداء أعمال ترويجية مشروعة براتب حوالي 3 آلاف دولار في اليوم.

وورد في الوثائق أن موظفي القصر أمروا شانون بحضور الحفلات الليلية، حيث سيختار السلطان وجفري وأصدقاءهما الرجال من يرغبون في ممارسة الجنس معه من النساء.

من جانبهما نفى الأخوان هذه المزاعم، وقال السلطان إنه لم يلتق بشانون قط، وذلك وفقًا لوسائل الإعلام الحكومية في بروناي.

وفي نهاية المطاف، منحت محكمة الولايات المتحدة الأخوين الحصانة من الإجراءات القانونية، بسبب وضعهما المشترك كرئيسين لدولة أجنبية.

حياة الترف

في ذلك الوقت، بدى أن الإخوان لا يمكن المساس بهما، وفي العام 1996، أقام السلطان حفلًا أسطوريًا ليحتفل بعيد ميلاده الخمسين.

وتوافد الضيوف من جميع أنحاء العالم لحضور الاحتفال الفخم الذي دام أسبوعين، والذي شمل مأدبة عشاء لـ 3 آلاف ضيف، وعرض خاص لمايكل جاكسون في استاد تم بناؤه لهذا الغرض، ومباراة بولو مع الأمير تشارلز، لتبلغ بذلك التكلفة الاجمالية للحفل 25 مليون دولار، وهي مجرد مبلغ زهيد بالنسبة للسلطان.

جاء الحفل ليعبر عن ذروة عقود التفسخ والإسراف من جانب العائلة المالكة، إلا أنه سبقه أيضًا بدايات جدل علني ومشين بين الإخوة.

في ذلك الوقت، كان الأمير جفري وزيرًا لمالية بروناي ورئيسًا لوكالة الاستثمار التابعة للحكومة، والتي تعرف اختصارًا بـ (BIA)  ولكن بعد الأزمة المالية التي اجتاحت آسيا عام 1997، خضع أسلوب حياته المترف لمراجعي حسابات وكالة الاستثمار الحكومية(BIA). وفي تلك الأثناء، اتهم السلطان الأمير باختلاس حوالي 16 مليار دولار من الخزانة الملكية – وهو ما أنكره.

وبحسب سي إن إن الأمريكية، تم تجريد الأمير جفري من منصبه الوزاري وإدارة وكالة الاستثمار الحكومية، فيما فرض على نفسه عزلة وحاول خوض معركة قانونية بدعم من السلطان لأجل الأصول المتبقية لوكالة الاستثمار الحكومية.

وفي نهاية المطاف، انتهت القضية بتسوية خارج المحكمة.

وسعيًا لتعويض جزء من الخسائر، أجري مزاد علني للمدينين في آب/أغسطس 2001 ، حيث عرضت 10 آلاف قطعة من ممتلكات الأمير جفري للبيع على مدار ستة أيام، وتضمنت هذه القطع تمثال حصان طروادة البرونزي، والذي يبلغ ارتفاعه ثمانية أقدام، وتم بيعه مقابل 1470 دولارًا، وجاكوزي مطلي بالذهب ، وتماثيل فلامنغو بورسلين، وأجهزة محاكاة لمروحية كومانشي وطائرة إيرباص وسيارة سباق فورميلا 1.

وبحسب تقديرات فوربس، فإنه رغم الخسائر التي تفيد المزاعم بأن الأمير ألحقها بالخزائن الملكية ، ومع تراجع احتياطيات النفط والاقتصاد المتعثر في بروناي، لا يزال السلطان يتمتع بثروة شخصية تقدر بـ 20 مليار دولار.

إن حياة السلطان حافلة بالمبالغات، حيث كان أغنى رجل في العالم لسنوات عديدة- قبل تجاوز بيل غيتس له في التسعينيات. ويعد قصره  ”إستانا نورول إيمان“ الكائن في عاصمة مملكة بروناي ”بندر سيري بيغاوان“،  أحد أكبر المساكن الخاصة في العالم ، حيث يضم 1788 غرفة و 257 دورة مياه، واسطبلات مكيفة تتسع لـ200 حصان.

كما يمتلك السلطان وأسرته آلاف السيارات الفارهة – بما في ذلك سيارات السباق الفائقة  فورميلا ون، وسيارات لامبورغيني النادرة، وحوالي 500 رولز رويس، والتي تشكل أكبر مجموعة من السيارات البريطانية الفاخرة في العالم.

وفي عام 2011 كتب مايكل شيهان، وهو سمسار يمتلك ويدير موقع فيراري أون لاين، عن زيارته للكامبوند الذي يضم بعضًا من تلك السيارات في مقال أعادت نشره مجلة Gizmodo، واصفًا إياه بأنه ”نموذج واضح لفائض السيارات البائس“.

وقد شملت السيارات التي يقدر شيهان عددها بـ 2500 سيارة ماركات مثل بنتلي وأستون مارتينز وفيراري، وكثير منها عليه ”ملصقات أطفال تفيد بتأجيل الصيانة“، حيث تركت للتعفن في الحر والمطر.

ويقول مايكل أوسلين، زميل مجلة ”جورنال أوف كونتمبيرري إيشا“(جريدة آسيا المعاصرة) التابعة لمعهد هوفر بجامعة ستانفورد: ”أسلوب حياتهم لا يمكن تصوره- بالمعنى الحرفي للكلمة- من قبل الغالبية العظمى من البشر“.. ”أسلوب حياة ترف يفوق الخيال. ولك أن تتصور أي شيء من أنماط حياة الأثرياء والمشاهير“.

من الواضح أن الجيل الجديد لعائلة بروناي الملكية قد اعتاد على تقليد حياة الترف المفرطة. فقد كان لدى السلطان ثلاث زوجات، الأولى ابنة عمه والثانية مضيفة جوية والثالثة مذيعة تلفزيونية، كما لديه ما مجموعه 12 طفلًا.

وشهد العديد من النسل الملكي حفلات زواج فخمة في بروناي ، بما في ذلك زفاف الأمير عبد الملك، ابن السلطان الثالث، الذي تزوج عام 2015، وقد وصفت فوربس هذا الحفل بأنه ”زفاف ملكي يفوق جميع حفلات الزفاف الملكية“، حيث امتد لأكثر من أسبوع من الاحتفالات، بما في ذلك الاحتفال الرئيسي الذي ظهر فيه الزوجان يرتديان ملابس ”باهظة“ مرصعة بالمجوهرات، فيما حملت العروس باقة مصنوعة من الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة بدلًا من الورود.

ابن آخر للسلطان، وهو الأمير عبد المتين، يعد نجمًا على الانستغرام مع أكثر من مليون متابع يرونه وهو يلعب لعبة البولو ويستمتع في أوقاته على متن اليخوت والطائرات الخاصة والفنادق العالمية.

وكذلك الحال مع الأمير عظيم، ابن السلطان الثاني، المعروف باستضافته حفلات فخمة مع ضيوف من المشاهير، بما في ذلك باميلا أندرسون ، وجانيت جاكسون وماريا كاري.

يذكر أن النجمتين الأخيرتين هما الفائزتان بجائزة ”Ally Award “ المرصودة لمن يدعمون مجتمع السحاقيات والمثليين.

ومنذ الإعلان عن أحكام العقوبات الشرعية الجديدة في بروناي، أطلق العديد من المشاهير من الصف الأول، بما في ذلك جورج كلوني وإلتون جون وإيلين دي جينيرز، حملة احتجاج ،أدت إلى مقاطعة الفنادق الفخمة حول العالم المملوكة لحكومة بروناي.

منزه عن النقد

وبالنسبة لأغلب سكان بروناي، الذين يقدر عددهم بـ 450 ألف نسمة 79٪ منهم مسلمين، فإن عادات الثروة والإنفاق للعائلة المالكة هي أمر يتعين عليهم قبوله كأمر مسلم به.

ويعد السلطان في الأساس حكومة الشخص الواحد ”السلطة التنفيذية العليا“، حيث يحمل ألقابا لا حصر لها، بما في ذلك رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير المالية ووزير الخارجية، فيما يسيطر تماماً على وسائل الإعلام.

وتصنف بروناي كواحدة من أسوأ الدول في العالم بمؤشر حرية الصحافة السنوي، حيث تأتي في المرتبة 153 من أصل 180 دولة، مما يجعلها تأتي وراء روسيا وميانمار. والمعروف أن انتقاد الأسرة الحاكمة أو الحكومة غير قانوني، وقد يؤدي إلى عقوبة السجن بتهمة إثارة الفتنة.

ويقول خبراء في الشأن البروناوي إن العديد من مواطني بروناي على استعداد للتغاضي عن التجاوزات داخل القصر، لأنهم يستفيدون من ثروات البلاد النفطية، حيث لا توجد ضريبة دخل على الأفراد، فضلًا عن السكن المدعوم والتعليم المجاني والرعاية الصحية، إلى جانب تكاليف الوقود والكهرباء المخفضة، ووفقًا لمجلة فوربس للعام 2017، كانت بروناوي رابع أغنى بلد في العالم على مستوى الأفراد.

من جانبه، أكد مايكل أوسلين من معهد هوفر: ”ربما يكونون منزهين تمامًا عن النقد ، لأن البرونايويين يعيشون أفضل من أي شخص آخر تقريبًا في آسيا. وإننا هنا نتحدث عن الثروة النفطية الموزعة على كافة أفراد المجتمع، وبالتالي فإن غالبية الشعب من المستفيدين“.

فيما يقول بعض المراقبين إن السلطان يريد تعزيز هذا الدعم مقابل زيادة إحكام قبضته على السلطة.

ويقول بريدجيت ويلش من جامعة جون كابوت إن القوانين الشرعية الجديدة هي جزء من ”الجهد البديهي لتعميق السيطرة على الدولة“ وذلك من أجل ”إضفاء الشرعية على استغلال الموارد التي يستفيد منها السلطان هو وأسرته“.

وفي الخطاب الذي عرض على شاشات التلفزيون يوم الأربعاء الماضي، كرر السلطان كلمة هوية بروناي الإسلامية عدة مرات.

وقال السلطان: ”باعتبارنا أمة صغيرة ، فإننا نلتمس دائمًا في صلواتنا وجه الله. هذا هو الدافع وراء فلسفتنا الوطنية للمملكة الإسلامية لشعب الملايو (MIB)  التي عاشت هنا لمئات السنين.“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com