إزالة المتاريس في لبنان… هل تكفي لدفع استحقاقات الهيمنة الإيرانية على أمنه السياسي؟

إزالة المتاريس في لبنان… هل تكفي لدفع استحقاقات الهيمنة الإيرانية على أمنه السياسي؟

المصدر: إرم نيوز

عندما تكون الأوضاع هادئة على سطح يخفي تحته حالة استنفار شائكة، كما هو الحال هنا في بيروت، اليوم بعد تشكيل الحكومة والاتفاق على المسودة الأولى لبرنامجها السياسي والاقتصادي، فإن السياسيين يلتقطون أي كلمة أو حركة خارج السطر ويشتغلون عليها ضمن آليات اللعبة التقليدية، ويطلقون على هذا النهج المحترف مثلًا لبنانيًا يقول: ”ليست رُمّانة، إنما قلوب ملآنة“.

وقبل أن تباشر وزيرة الداخلية الجديدة السيدة ريا الحسن عملها، كان أول قرار لها هو إزالة الحواجز الإسمنتية من أمام مبنى الوزارة، بدعوى انتفاء الأسباب الأمنية التي كانت سادت خلال السنوات الخمس الماضية في أجواء مكافحة الإرهاب.

ويقول سياسيون، إن قرار الوزيرة لقي ترحيبًا واسعًا باعتباره بادرة ذكية من عقلية مدنية تتصرف ”خارج الصندوق“.

في المقابل، وبمجرد صدور القرار، سارع المكتب الإعلامي لوزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، في آخر يوم دوام له في الوزارة، لنشر بيان بأنه (المشنوق) هو الذي طلب من مسؤولي الأمن في وزارة الداخلية إزالة الحواجز.

وبيان الوزيرة الجديدة، وتصريح الوزير المغادر، بما فيه من مناكفة سياسية مألوفة، فتحا في مواقع التواصل الاجتماعي اللبنانية بابًا واسعًا للتأويل والتذكير، ولإعادة تفسير ظواهر يومية مثل زحمة السير، والمربعات الأمنية وما يتم عليها من تفتيش أمني يُعكر أمزجة الشباب.

متراس الدولار

في الأثناء، أوعز محافظ مصرف لبنان المركزي بطرح الدولار في الأسواق ليعاود اللبنانيون مبادلته بالليرة، فكانت هي الأخرى ”متراسًا“ جرت إزالته سريعًا  بعد تشكيل الحكومة، من أجل  تعميم الانطباع بأن الأمور جيدة ، وأن برنامج العمل الاقتصادي الذي ناقشته الحكومة في جلسة أمس الثلاثاء، يشيع الثقة.

البلاغة والسياسية

نموذج ثالث في حرفة استخدام المفردات اللغوية للقفز فوق المتاريس السياسية والطائفية،  حصل يوم أمس في اجتماع الحكومة الذي كان مخصصًا لقراءة البيان الوزاري، كما أنهته لجنة الصياغة، وجاء بعشر صفحات.

الجلسة استغرقت خمس ساعات ذهب معظمها لتقليب نصوص لفظية مستوحاة من بيان الحكومة السابقة تتعلق بأربعة قضايا، معروف أنها تخفي تحت سطحها اللفظي مواقف متعارضة، إلى درجة يمكن أن تهدّد مصير الحكومة: علاقة لبنان مع سوريا، وبنود المقاومة، والنازحين، والمحكمة الدولية.

في الجانب الاقتصادي، على أهميته القصوى بالنسبة لبلد يعاني من مديونية بين الأعلى على مستوى العالم، لم يستغرق النقاش وقتًا طويلًا، لأن برنامج الإنقاذ الاقتصادي متفق عليه في مؤتمر ”سيدر“، ولذلك كان البنك المركزي قد أوعز بطرح الدولار في السوق، إشارة ارتياح يتفق عليها معظم الفرقاء.

سوريا وحزب الله

في الموضوعين الأهم اللذين يندرجان تحت شعار ”النأي بالنفس“، وهما علاقة لبنان مع سوريا وبند المقاومة، كشفت المناقشات الحكومية لمشروع البيان الوزاري، حجم الشُّقّة في المواقف، ودرجة التحسب لما بات شائعًا من قناعات إقليمية ودولية بأن حزب الله، وبالتالي إيران، يسيطر على الحكومة ويمتلك مع شركائه، الثلث المُعطل للحكومة أو القادر على تفشيلها.

ففيما تسرّب من نقاشات الجلسة الحكومية، كان واضحًا حجم الاختلاف على الطريقة التي تصرف بها وزير الخارجية جبران باسيل، الذي قيل إنه يخلط بين قبعتين، واحدة له كرئيس لحزب التيار الوطني الحر المتحالف مع حزب الله، والثانية كوزير خارجية يُفترض فيه النأي بالنفس وترك موضوع عودة سوريا للجامعة العربية لتتولاها كجهة اختصاص.

في موضوع سلاح حزب الله الذي يُنظر إليه إقليميًا ودوليًا على أنه جزء من ترسانة إيران في اقتحامها الأمن الوطني لدول الجوار العربية، والذي يُعتبر ”إرهابًا“ بموجب القوانين الأمريكية، فقد كان النقاش الحكومي أكثر توترًا ووضوحًا. مسودة البيان الوزاري تضمنت تعبير ”حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة“، ومعظم الوزراء أقروا هذا النص لأنه كان قد استُخدم في بيان الحكومة السابقة وحلّ مشكلة في حينه.

لكن وزيرة شؤون التنمية الإدارية مي شدياق، عن حزب القوات اللبنانية، اعترضت واقترحت استخدام عبارات ”حصرية سلاح الدولة وسلطتها ومؤسساتها“، وهو اقتراح رد عليه وزراء تحالف حزب الله بالقول أن إلغاء العبارة السابقة سيدفعهم إلى طرح عبارة ثلاثية ”الجيش والشعب والمقاومة“، وهي صيغة لغوية يمكن أن توسّع باب المحاذير، ليصبح فيها لبنان امتدادًا مشرعًا للمواجهات الدائرة في سوريا.

النأي بالنفس

تشكيلة الحكومة اللبنانية أرادها الرئيس سعد الحريري أن تدوم، وأن تتعايش مع إقليم مضطرب، ومع إصرار أمريكي على مواجهة الاختراق الإيراني لأمن الشرق الأوسط.

وزيرة داخليته التي يريدها الحريري لمهمات أوسع من إدارة الأمن العام، بدأت قراراتها بلفتة معنوية، أخذت شكل إزالة المتاريس من حول مبنى الوزارة، على أمل أن تكون ”إزالة المتاريس القديمة ”هي شعار الحكومة عندما يلتبس عليها وعلى الآخرين تعبير ”النأي بالنفس“.

الهيمنة الإيرانية

إزالة المتاريس من حول وزارة الداخلية اللبنانية، حركة ذكية موقوتة وتؤشر على التجديد المستمر في أدوات اللعبة السياسية الداخلية، لكنها هذه المرة -برأي الكثيرين هنا في بيروت- قد لا تكفي لدفع الأقساط المتستحقة جراء هيمنة إيران على الأمن السياسي اللبناني في المربّع الإقليمي الموضوع على النار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com