روسيا والغرب.. نحو بناء تحالفات جديدة

روسيا والغرب.. نحو بناء تحالفات جديدة

جنيف ـ اختتمت الدورة الـ21 للمجلس الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا أعمالها مساء الجمعة، دون أن يتمكن وزراء الخارجية من الاتفاق على قرار موحد بشأن الأزمة الأوكرانية، بسبب ما وصفها وزير الخارجية السويسري ورئيس المجلس ديدييه بوركهالتر في مؤتمر صحفي بأنها “اختلاف وجهات النظر العميقة بين الأعضاء”.

لكن النظرة العامة لكلمات الوفود، سواء على مستوى وزراء الخارجية أو سفراء الدول الأعضاء المعتمدين لدى المنظمة، كشفت بوضوح عمَّا يمكن وصفه بـ”توجه عام بتحميل روسيا مسؤولية تصعيد الأوضاع في أوكرانيا وتهديد الامن والسلم على المحور اليوروآسيوي تحديدا، الذي يعاني بدوره من تداعيات أزمات الشرق الأوسط ، التي لا تنتهي”.

في المقابل، تقول روسيا إنها “لا تتحمل مسؤولية هذا التصعيد لأنها تتعامل وفق آليات ومعايير القانون الدولي”، حيث اعتبرت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغيه لافروف أمام المؤتمر مثلا أن تصويت سكان شبه جزيرة القرم على الحكم الذاتي هو تطبيق لحق تقرير المصير، في حين أن غالبية دول المجلس رأت فيه “خرقا للقانون الدولي وعمل غير دستوري”.

كما تشير موسكو أيضا إلى أن ما يراه حلف شمال الأطلسي “توسعا” في شرق أوروبا ما هو سوى “توجهات استفزازية لرسم حدود مصطنعة تفصل المحور الأورو-آسيوي بخط مواجهة”.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الاوروبية التابع لجامعة بازل السويسرية، لورون غوتشل أن “الاستقطاب بين الغرب وروسيا يمكن أن يؤدي في أسوأ الحالات إلى تعميق الهوة بين الطرفين والعودة الى ما كان عليه الوضع السياسي في أوروبا قبل قرابة 30 عاما من الآن وظهور انقسام واضح بين الشرق والغرب لعدم التوافق على مفاهيم الامن المشترك”.

وأضاف غوتشل أن إعلان رغبة الطرفين، روسيا والغرب، في الحوار أمر جيد في حد ذاته لاستعادة الثقة المفقودة بين الطرفين، ولكن هذه الرغبة وحدها ليست كافية، لأنه يجب أن يكون مصحوبا بمجموعة من الخطوات التمهيدية مثل مقترح تشكيل لجنة خبراء للتعامل مع الازمة الأوكرانية.

وشدد غوتشل على أن “التمهيد للحوار لا يعني على الاطلاق اعادة تعريف ما هو مُعَّرفٌ فعلا في اساسيات القانون الدولي او آليات الديمقراطية وحقوق الانسان، حيث تبقى ثوابت يجب البناء عليها والنظر في اختلاف مفاهيم تطبيقها على ارض الواقع”، بحد قوله.

وأعطى أمثلة على الخطوات التمهيدية مثلا بـ”ضرورة أن يوضح كل طرف للآخر مفهومه لحق الشعوب في تقرير مصيرها او مفهوم الانتخابات الديمقراطية، وكيف تحترم الأطراف هذه المبادئ والاسس التي هي في واقع عناصر استقرار الشعوب، ثم في خطوة موازية أيضا وضع اهتمامات كل من الشرق والغرب على طاولة الحوار ليعرف كل طرف ماذا يترقب من الآخر”.

وأضاف أن “هذه التوضيحات على قدر عال من الأهمية لإنجاح الحوار لاسيما وأننا نتحدث عن 57 دولة عضو في منظمة الامن والتعاون في اوروبا، منها ما هو تحت لواء الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية وسياسية ومنها من ليس كذلك، ودول أخرى عضوة في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأخرى ترتبط بشراكة معه، ومن ثم فتجميع كل تلك الاهتمامات وصياغتها في نقاط محددة تساهم كثيرا في بناء أسس حوار يدرك الجميع على أثره انه سيقدم نتائج قابلة للتطبيق”.

وقال غوتشل إن الإعلان عن الحوار “لا يعني ان تجلس روسيا على طاولة المفاوضات مع الغرب بينما تمارس سياسة فرض الامر الواقع، حيث تقوض هذه السياسة جميع المساعي الحميدة الرامية الى تهدئة الأوضاع والبحث عن الاستقرار”.

وتوقع غوتشل أن “تُقدِمَ روسيا على سبيل المثال مطالبها متمثلة في المشاركة في صناعة القرار الاستراتيجي الاوروآسيوي، وأن تُراعَى مصالحها الاقتصادية من خلال اتفاقية شراكة قوية للتجارة الحرة ليس مع الاتحاد الأوروبي فقط بل مع كل دول أوروبا، وأن يكون لها دور مشارِك في صياغة المشهد السياسي، يحترم خصوصياتها الدينية والثقافية”.

ورأى أن روسيا لن تقبل بالخروج من ازمة أوكرانيا “من دون ان تحفظ ماء وجهها”.

وعلى عكس ما يقال بأن الغرب استخف بروسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1990 وانهيار الشيوعية وسقوط حائط برلين، قال غوتشل إن “الغرب لم ينظر الى روسيا نظرة متدنية، لكنه مزهوا بانتصاره على الاتحاد السوفيتي والفوز في الحرب الباردة، فهرع حلف شمال الأطلسي (ناتو) الى ضم دول أوروبا الشرقية اليه، ثم اتبعه الاتحاد الأوروبي بضم تلك الدول واحدة تلو الأخرى ليفرض هيمنته الاقتصادية على بقية دول القارة”.

ورأى غوتشل أن هذه السرعة كانت خطأ تقديريا من القائمين على وضع سياسات “ناتو” والاتحاد الأوربي، حيث وجدت روسيا نفسها في مواجهة توسع عسكري اقتصادي سياسي، فكان السؤال وماذا بعد؟ ومن ثم ظهر هذا الشعور بالتهميش وانحسار الدور من المشهد، والقلق من فقدان موالاة الدول الواقعة تماما على الخط الفاصل بين روسيا وبقية القارة الأوروبية، بحد قوله.

ولا يؤيد غوتشل الرأي القائل بأن “التوتر الراهن بين روسيا والغرب يشابه الى حد كبير الأجواء التي سادت أوروبا قبل نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1938 أي ان العالم على مشارف حرب ثالثة أكثر ضراوة” وذلك حسب رأيه لأن “أوروبا لم تكن وقتها تحتكم الى آليات الديمقراطية ولم توجد في حينه المنظمات الدولية الفعالة مثل الأمم المتحدة وآليات مراقبة تنفيذ اتفاقياتها التي تحتكم اليها الشعوب، بينما تحتكم الآن الى العقل والمنطق والآليات المتعارف عليها لحل النزاعات سلميا”.

ويعتقد الكثير من المحللين، ان الاجماع على تنفيذ مقترح سويسرا بتشكل لجنة خبراء منبثقة عن منظمة الامن والتعاون في أوروبا للتعامل مع الازمة الأوكرانية بداية طيبة للغاية لحل سيأخذ وقتا حتى يتبلور في طور التنفيذ.