إيران تنتصر في المفاوضات رغم التمديد

إيران تنتصر في المفاوضات رغم التمديد

طهران ـ في إطار مختلف التقارير التقييميه لنتائج مفاوضات النووي بين ايران والدول الست والتي تتراوح بين الفشل وعدم النجاح، يبدو أن الانتصار الايراني برز في الافراج التدريجي عن أرصدتها المجمدة في المصارف الأمريكية والاوروبية، بسبب العقوبات الاقتصادية، بما يقارب 700 مليون دولار شهرياً خلال “الفترة الانتقالية” المقبلة والممددة حتى نهاية يونيو/ حزيران 2015، مع الاستمرار في مسيرة مشروعها النووي.

وهذا ليس الانجاز الأول الذي تسجله إيران بقيادة الرئيس حسن روحاني في تخفيف العقوبات الاقتصادية، بل حققت انجازا في نوفمبر/ تشرين الأول 2013 عندما رفعت الولايات المتحدة تجميد ما يقارب 7 مليارات دولار خلال الصفقة التي أبرمت بين إيران والدول الست.

كما حققت إيران انجازا في فبراير/ شباط 2014، بالإفراج عن 550 مليون دولار، ووفق المصادر المالية فان الاصول الايرانية الباقية التي لا تزال مجمدة تقدر بنحو 4 مليارات دولار، وسيتم الافراج عنها تدريجياً بمعدل 700 مليون دولار تنفيذاً للاتفاق الاخير، خلال أقل من 6 أشهر، أي قبل انتهاء الفترة الانتقالية.

وعقدت إيران محادثات مع مجموعة (5+1) والتي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين إضافة إلى المانيا في العاصمة النمساوية فيينا يوم الاثنين الماضي، أسفرت عن تمديدها إلى يونيو/ حزيران 2015.

وأكد وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف أن “الاموال التي أخذت منا بشكل ظالم سوف نسترجعها، ونحن نريد من هذه المفاوضات أن نواصل التخصيب من دون وجود حظر على ايران” .

أما الرئيس حسن روحاني فقد أعلن أنه “كان لدينا هدفان مهمان: عدم التخلي عن برنامجنا النووي والعمل على رفع العقوبات”.

وقد اعتبر العقوبات بأنها “جائرة” لكنه اكد “سنرفعها خطوة خطوة، مشيراً أن ” منطقنا منطق المفاوضات، ويتعين علينا ان نحصل على حقوقنا”، مضيفاً بشكل متفائل أنه “سيتم التوصل الى اتفاق على النووي مع القوى العظمى مع تمديد المفاوضات سبعة أشهر”.

وإذا كان الجانب الايراني رفض اعتبار ما حصل “فشلا” لان المفاوضات لا تزال في منتصف الطريق، فقد اعتبرها في الوقت نفسه بأنها ” لم تنجح”، لانها لم ترفع العقوبات الاقتصادية بكاملها، ولكنها “حققت تنازلاً من المجموعة الدولية في مقابل لا شئ من الجانب الايراني”.

وعلى الرغم من اعتراف الرئيس الأمريكي باراك اوباما ووزير خارجيته جون كيري بوجود “صعوبات جدية ومباشرة تعترض الاتفاق” لكنهما أعربا عن تفاؤلهما بالتوصل الى اتفاق في المرحلة الانتقالية، يستند الى مشروع إطار وضعه الأمريكيون ويقع في 10 صفحات مع ملاحق فنية من 40 صفحة.

تشديد العقوبات

قبل اسبوع تقريباً من الاتفاق على تمديد المفاوضات، عبر أحد مستشاري وزير الخارجية الايراني علي خورام عن الالحاح على الاتفاق، حين اعتبر ان رسائل أوباما الى المرشد الأعلى علي خامنئي كان لها ” تأثير ايجابي على القيادة الايرانية “، مشيراً الى “ان عقيدة اعتبار الولايات المتحدة الشيطان الأكبر تمر بحالة تغير في ايران”.

ويبدو في رأي المراقبين أن اوباما الذي يسعى جاهداً لتحقيق انتصار قبل نهاية ولايته الثانية باتفاق شامل مع ايران، لا يزال يراهن على الرئيس روحاني الذي يعتبره من الحمائم الاصلاحيين، وهو يستحق الدعم في مواجهة ” الصقور” المحافظين، واظهاره بانه لم يفرط في حق ايران دخول النادي النووي.

كما يسعى أوباما في نفس الوقت لتجريد خصومه الجمهوريين من ذرائع التعطيل والمعارضة، خصوصاً وان الكونجرس الذي يبدأ ولايته الجديدة في يناير/ كانون الثاني 2015، يسيطر عليه الجمهوريون، وهو يستعد منذ الآن لفرض عقوبات جديدة على ايران، بدلاً من التجاوب مع الرئيس اوباما في تخفيف هذه العقوبات كما يرغب الجانب الايراني.

ويرى ثلاثة من الاعضاء الجمهوريين البارزين في الكونجرس ان “تمديد المفاوضات النووية مع إيران يجب أن يقترن بزيادة العقوبات، كما يتطلب احالة اي اتفاق نهائي الى الكونجرس لاقراره”.

أما رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب اد رودس وهو جمهوري، فقد قال :”يتوجب على الرئيس أوباما فرض عقوبات جديدة على الجمهوريه الاسلاميه الايرانية”.

وأضاف ” أن التمديد لسبعة أشهر يجب استخدامه لتضييق الخناق حول ايران التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية، للضغط عليها والزامها على تنازلات ترفض القيام بها” .

كما قال النائب الديمقراطي براد شيرمان على ” تويتر” إن “عقوبات متواضعة أنتجت نتائج متواضعة” ومؤكداً أن ” عقوبات جديدة قاسية ستسمح باتفاق جيد”.

ولذلك، يتوقع المراقبون ان يكون امام الرئيس اوباما بدءاً من يناير المقبل سياسات جديدة بضغط من الكونجرس بقيادة الجمهوريين، وذلك حول قضايا عدة منها المفاوضات مع ايران، وقد تؤدي الى الغاء الاتفاق النووي المؤقت واستبداله باستراتيجيه جديدة.

الاقتصاد الايراني

منذ أكثر من ثلاثة عقود، ظل الحصار الاقتصادي والمالي يمثل ركناً ثابتاً في سياسة الضغط التي تتبعها الولايات المتحدة تجاه إيران. وفي هذا السياق يمكن فهم كل العقوبات الأوروبية الأخيرة ضد طهران، والتي جاءت بسبب عدم استجابة إيران لمطالب الوكالة الدولية للطاقة النووية، بخصوص مشروعها النووي.

وتمثل رزمة العقوبات النفطية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في يوليو تمّوز عام 2012 منعطفا كبيراً في مسلسل الحصار الغربي ضد إيران.

فخلافا لتوقعات الإيرانيين، انخفض سعر النفط في السوق العالمية، وتلا ذلك ارتفاع أسعار المواد الأساسية في السوق الداخلية الإيرانية بشكل كبير.

وعلى الرغم من كل الإجراءات التي لجأ إليها الإيرانيون للتخفيف من تأثير العقوبات، فقد تكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة، إذ فقد الريال الإيراني، في هذا العام وحده، نحو 80 % من قيمته أمام الدولار، مما دفع رئيس البنك المركزي الإيراني إلى وصف العقوبــات الغربية بـ “الحرب” المعلنة على الاقتصاد الإيراني.

وكان هذا الاقتصاد صنف في سنة 2010 ثالث أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، والتاسع والعشرين في العالم بحجم 337.9 مليار دولار. وقد شكل النفط والغاز 80 % من الصادرات الإيرانية التي جلبت 60 % من دخل الدولة. ويتميز الاقتصاد الإيراني بإمكانات طبيعية وثروات ضخمة من المواد الأولية، فهناك ما يقارب 20 % من الأراضي الصالحة للزراعة، كما تمتلك إيران 10% من احتياطي النفط المؤكد في العالم، و15 % من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي.

وفي الـ 10 يونيو/ حزيران 2014، أعلن وزير النفط الايراني بيجان زنغانه ان انتاج بلاده من النفط يمكن ان يصل الى أربعة ملايين برميل يومياً في أقل من ثلاثة اشهر، في حال رفع العقوبات الغربية عن برنامج طهران النووي.

ولوحظ ان اعــلان وزير النفـــط الايراني جــاء تنفيذاً لخطة ايران للسنة المالية 2014-2015، والتي بدأت في 21 مارس/ آذار الماضي، وقد بلغت ارقام ميزانيتها نحو 320 مليار دولار، وسعت طهران الى زيادة حجم الصادرات النفطية من 800 الف برميل الى مليون برميل يومياً في يونيو/ حزيران2014، على أن يرتفع تدريجياً بعد 20 يوليو/ تموز2014، وهو موعد انتهاء فترة مفاوضاتها النووية مع الدول الست، بحيث تستفيد من رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وهي ستكون قادرة على زيادة صادراتها الى اربعة ملايين برميل يومياً وبمتوسط سعر البرميل 100 دولار.

وتبقى خطة ايران الانمائية الخماسية 2010-2015 على زيادة قدرتها الانتاجية الى خمسة ملايين برميل بنهايتها (أي في عام 2015) خصوصاً وانها تحدد حاجة استثمارية تقدر بـ 35 مليار دولار سنوياً في كل من قطاع النفط والغاز الطبيعي، على ان يأتي معظمها من المستثمرين الاجانب بموجب عقود اعادة الشراء، غير ان العقوبات المفروضة عليها لم تسمح حتى الآن الا باستثمار عشرة مليارات دولار.

لقد ضربت العقوبات الاقتصاد الايراني منذ عدة سنوات، وأدت الى تراجع النفط بأكثر من النصف، وذلك من 100 مليار دولار الى اقل من 50 مليارا”، وادت التحولات الجيوسياسية التي تعيشها طهران الى انهيار متواصل للريال الايراني الذي وصل سعر صرفه الى 40 الف الف ريال مقابل الدولار بعدما كان في حدود 12500 ريال .

ويعترف الرئيس روحاني أن بلاده تواجه أعلى معدل للتضخم في المنطقة وربما في العالم بأسره، إذ تشير بيانات رسمية الى ان هذا المعدل بلغ نحو 40 % عام 2013، الامر الذي يزيد الضغط على الاسر الايرانية المثقلة بالاعباء ويسلط الضوء على صعوبة المهمة التي ورثها من الرئيس السابق احمدي نجاد، مؤكدا” فشل كل سياساته الاقتصادية.

وأكد روحاني أن قسما” كبيرا” من المشاكل التي تعاني منها ايران تعود الى اداء الحكومة السابقة، وقسم اخر يعود الى الضغوط الخارجية الظالمة .

ووفق تقرير للبنك المركزي الإيراني، فان 47 مليون ايراني من بين 70 مليون نسمه تحت خط الفقر، ويمثل دخلهم اليومي اقل من 4 دولارات للفرد ، اي اكثر من 67% من الشعب الايراني.

إضافة الى ذلك، يواجه الرئيس روحاني مشكلة تفاقم الديون التي أرهقت الاقتصاد الوطني بعد أن توقفت ايران عن تسديد الاقساط المترتبة عليها.

وقد وصف البنك الدولي وضع قروضه لايران في فئة “القروض المتعثرة”.

تبقى الاشارة الى ان الايرانيين بحدسهم تعلموا ان يكونوا حذرين بما يأملوه من السياسيين، ولكن يبدو أن اللهجه المنفتحة للرئيس حسن روحاني تعدهم خيرا” ، فرغم رفضه تعليق تخصيب اليورانيوم ، فقد اكد امكانية وجود اتفاق يرضي الغرب ويمكن ايران من تطوير ابحاثها النووية لاغراض سلمية في الوقت نفسه، وما يتمناه الايرانيون ان يستطيع رئيسهم تخفيف وطأة العقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي.