الغرب يستخدم الأزمة الأوكرانية لـ”ترويض” بوتن

الغرب يستخدم الأزمة الأوكرانية لـ”ترويض” بوتن

تتجه الحكومات الغربية لعزل روسيا، وتحجيم الدور المتنامي لرجلها القوي فلاديمير بوتن، من خلال فرض حزمة من العقوبات تمس مختلف القطاعات الحيوية، في تناغم مع السخط الشعبي العارم، من سياسة الكرملين تجاه أوكرانيا.

ويتحدث مراقبون عن وجود قوى في مراكز القرار بالولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، تدفع في اتجاه فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية، وعرقلة صفقات التسليح، المبرمة بين موسكو والدول الغربية، ومحاولة عزل روسيا سياسيا، الأمر الذي يثير التساؤل عن الحدود التي يمكن أن يصلها التحرك الغربي ضد روسيا، ومدى فرصه في النجاح.

لحد الساعة لا تزال التحركات الغربية في حدود العقوبات الاقتصادية، والتلويح بمراجعة العلاقات العسكرية مع موسكو، والحديث عن إمكانية طرد روسيا من بعض المنظمات الدولية، وفرض عزلة سياسية عليها.

فعلى المستوى الاقتصادي فرض الغرب رزمة من العقوبات على موسكو، مما أثر بشكل بالغ على الاقتصاد الروسي، حيث تراجع معدل النمو، وارتفعت مستوىات التضخم، وبدأ الروبل الروسي في التراجع، إلا أن نجاح العقوبات الاقتصادية يتوقف على عدة عوامل، أهمها مدى قدرة الاقتصاد الغربي على تحمل الأضرار الجانبية، لهذا العقوبات من جهة، ومدى نجاح الجهود الروسية الهادف لوقف تدهور أسعار النفط، وإيجاد حلفاء تجاريين جدد.

وقد بدأت الاقتصاديات الأوربية تعاني، من تبعات العقوبات، وستكون المعانات أكبر إذا استخدمت روسيا أسلحة أخرى مثل سلاح الغاز، الأمر الذي سيجعل عدة دول أوروبية ترتعش بردا أمام روسيا.

وتقوم روسيا بجهود حثيثة، من أجل وقف نزيف أسعار النفط، من خلال محاولة إقناع الدول المصدرة بخفض الإنتاج، كما تعمل موسكو على إيجاد أسواق بديلة لغازها مثل السوق الصيني والهندي، الأمر الذي من شأنه أن يعطيها هامشا أكبر للمناورة في مواجهة الغرب.

وعلى الصعيد السياسي لا تزال التحركات الغربية في إطار التصريحات التي تنتقد موسكو، وبعض الإشارات بإمكانية عزلها على المستوى الدولي، وقد بدا ذلك جليا في الاستقبال الباهت للرئيس الروسي، أثناء مشاركته في قمة العشرين، الأخيرة في أستراليا.

كما يتم الحديث في الأوساط الدبلوماسية الغربية عن إمكانية عزل روسيا من بعض المنظمات الدولية، في إشارة إلى المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الدول في مجهودها، من أجل الضغط على موسكو.

إلا أن السير في هذا الاتجاه سيواجه بعلا قات روسية متشعبة، وحضور قوي في ملفات دولية وإقليمية، مثل الملف النووي الإيراني، والأزمة في سوريا…، مما يجعل من المجازفة التخلي عن الدور الروسي في هذه المرحلة.

وبخصوص التعاون العسكري وعلاقات روسيا بحلف شمال الأطلسي فقد بدأت الدول الغربية تجمد التعاون مع روسيا، وتتحدث عن ضرورة مراجعة شاملة لهذه العلاقة، وفي هذا الإطار يأتي امتناع فرنسا عن تسليم غواصة متطورة لروسيا، كان من المفترض تسليمها ضمن صفقة بين البلدين.

ولم تتضح لحد الساعة ملامح الرد الروسي على، هذا التوجه لعزل موسكو عسكريا، إلا أنه من المؤكد أن لدى الكرملين، أوراق ضغط كثيرة، يمكن أن يستعملها، لكن استعمالها محكوم بعدم رغبة روسيا في التصعيد مع الغرب في الظروف الحالية من جهة، والمدى الذي ستصل إليه العقوبات الغربية ضد موسكو من جهة أخرى.

وفي ظل هذه المعطيات تصبح المواجهة مكلفة للطرفين بشكل يصعب تحمله، مما يحتم في النهاية التوصل إلى تفاهم يعطي للساسة الغربيين مخرجا مقبولا أمام شعوبهم، ويحفظ مصالح روسيا، في مجالها الجيوسياسي.