حركة ”السترات الصفراء“.. الاختبار العسير لماكرون

حركة ”السترات الصفراء“.. الاختبار العسير لماكرون

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

شكّلت حركة “السترات الصفراء’، أهم اختبار للرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون منذ انتخابه قبل نحو عام، وذلك بسبب الاحتجاجات الواسعة النطاق التي قادتها، ولم تكن بالحسبان، ضد رفع الضريبة على الوقود، وتراجع القدرة الشرائية للفرنسيين.

وتُشير تقديرات السلطات الفرنسية إلى أنَّ أكثر من 300 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات في أسبوعها الأول.

حركة بلا رأس

وتمتاز حركة ”السترات الصفراء“ التي يصعب الاستماع إليها، بأنها بلا قيادة، وإن كانت أعلنت قبل 3 أيام تعيين 8 أشخاص حددتهم بالأسماء للتحدث نيابة عنها.

وفي ضوء هذه المعطيات، كان على الرئيس ماكرون أن يجد جسرًا للتواصل، وأرضية للتفاهم معها من أي نوع، وهذا ما يفسر تأجيل خطابه بشأن التحول في مجال الطاقة لعدة أيام، حتى يتناول فيه الاحتجاجات دون ذكر لـ ”السترات الصفراء“ بالاسم.

مرونة مفاجئة

وترى صحيفة “لوفيغارو“ الفرنسية، أن ماكرون أراد الظهور بمظهر الرئيس الذي يُصغي إلى النقمة الشعبية جراء غلاء المعيشة، ويستمع لمطالب المحتجين دون أن يُغير موقفه بشأن الضريبة على الكربون، التي كانت زيادتها  شرارة اندلاع الاحتجاجات.

وأضافت أن ماكرون وهو يواجه أول احتجاجات شعبية ضد سياساته، اضطر للخروج عن صلب موضوع التحول في مجال الطاقة، ليُلقي بحبل من الود إلى الشارع المستعر، مع الحرص على التحلي بقدر من الصبر يناسب منصب رئيس الجمهورية ورمزيته ومكانته المركزية في الجمهورية الخامسة.

وهنا تبرز الصحيفة حديث ماكرون عن انشغاله بــ“نهاية الشهر ونهاية العالم“؛ وهي إحالة لغوية بليغة على أنَّ الرئيس بقدر اهتمامه بالمخاطر التي تُهدد العالم (الاحتباس الحراري)، فإنه لا يُغفل هواجس الأسر الفرنسية من تراجع القدرة الشرائية وما يعنيه ذلك من مشقة في الاستجابة للاحتياجات اليومية في انتظار أجر الشهر القادم؛ وهذا ما عبر عنه الرئيس بــ“نهاية الشهر“.

وبحسب صحيفة ”لباريزيان“، أبدى الرئيس ماكرون قدرًا من المرونة تجاه الاحتجاجات، وما واكبها من تعبئة في الشارع فاجأت المراقبين والسلطات نفسها.

وفي هذا الصدد، جاء الإعلان الوحيد الملموس من قِبله، الذي تمثل في تعهدٍ بـ“التخفيف عن كاهل الأسر“ عبر وضع آلية إدارية لمواءمة أسعار الوقود مع تقلبات السوق بما يُجنب أي ارتفاعٍ شديد في الأسعار.

وإلى جانب هذا الإجراء، أعلن الرئيس ماكرون عن توسيع المشاورات مع حركة “ السترات الصفراء“ وإيعازه لوزير البيئة بالتواصل معهم.

احتجاجات غير مسبوقة

ويؤكد مراقبون بأن حركة “السترات الصفراء“ كشفت عن وجهها خلال الاحتجاجات الأخيرة  وعبرت عن هموم الطبقات المتوسطة؛ وهذا معطى جديد ومقلق، فتاريخ فرنسا، وإن كان حافلًا بالاحتجاجات، فإنَّها توزعت في السابق بين احتجاجات سياسية (أحداث مايو 1968)، واجتماعية فئوية (أحداث الضواحي 1995)، وتميزت بتركزها في العاصمة باريس وضواحيها.

وأضافوا أن وصول “النقمة الاجتماعية“ إلى الفئات الوسطى، والذي عبرت عنه احتجاجات ”السترات الصفراء“، يعني أنَ على الدولة الفرنسية، ونظيراتها في أوروبا الغربية، الاستعداد لمواجهة احتجاجات مستقبلية شديدة الزخم، وواسعة الانتشار جغرافيًا، ومتسعة القاعدة من الناحية الاجتماعية.

ويؤكد التاريخ الاجتماعي أنَّ مقياس “فعالية“ الاحتجاجات وقدرتها على إحداث مفاصل حدية في مسارات الشعوب، مرتبط بمدى انخراط الطبقات الوسطى (بتفرعاتها المختلفة) فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com