إخلاء سبيل القس أندرو برانسون.. أردوغان يرضخ لضغوط ترامب

إخلاء سبيل القس أندرو برانسون.. أردوغان يرضخ لضغوط ترامب

المصدر: فريق التحرير

“متآمر على أمن البلاد وداعم للإرهاب..” هكذا كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يصف القس الأمريكي المعتقل أندرو برانسون، قبل أن يتم الإفراج عنه اليوم الجمعة.

 وبرانسون أحد آلاف الأشخاص الذين اعتقلهم نظام أردوغان إثر محاولة انقلابية فاشلة، العام 2016، ويواجه معظمهم أحكامًا قاسية، لكن الأمور مع القس اختلفت خلال الفترة الماضية، ما يثير التساؤل عن سرّ هذا التحول.

ورغم تهديد أردوغان ووعيده لكل المعتقلين على خلفية الانقلاب، إلا أن تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ملف القس جعل الأمور مع الوقت تتحول لصالحه تدريجيًا حتى تم الإفراج عنه اليوم.

رضوخ السلطان

المتابعون لملف الاعتقالات السياسية في تركيا ما بعد انقلاب 2016 الفاشل، يقرأون في إطلاق سراح القس الأمريكي، رضوخًا من قِبل أردوغان لترامب، الذي أولى اهتمامًا كبيرًا للموضوع.

وقد لعب ترامب مع أردوغان لعبة مزدوجة، حيث فرض عليه إجراءات اقتصادية وسياسية مؤلمة، لم تترك له الكثير من الخيارات، للمناورة بخصوص ملف القس وملفات أخرى ذات ارتباط بالسياسة الأمريكية في المنطقة.

وحاول أردوغان في البداية مقايضة القس بحليفه السابق وغريمه الحالي رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة، فتح الله غولن، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل، ليجد نفسه في النهاية مرغمًا على إطلاق سراحه دون أي مقابل.

الصحفي المصري عمر إسماعيل، علّق على الموضوع بأنه “منسجم مع شخصية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يجيد التراجع في اللحظة التي يتعرض فيها لضغوط لا يستطيع تحملها”.

وذكَّر إسماعيل، المتابع للشأن التركي، خلال تصريحات لـ”إرم نيوز”، بتراجع أردوغان عن تصريحاته “العنترية غداة إسقاط الطائرة الروسية من قبل الجيش التركي في 2015، حيث قام بعد ذلك بزيارة بوتين والاعتذار له”.

عدالة مسيَّسة

ويربط المتابعون للتطورات في المنطقة إطلاق سراح القس، بجملة من المعطيات جعلت أردوغان يتخلّى عن ورقته، فيما يشبه “الاستدارة لتجنب ضغوط أمريكية إضافية، قد لا يستطيع تحملها”.

ويعتبر هؤلاء أن الموضوع “بقدر ما يكشف عن طبيعة سياسة أردوغان البرغماتية، إلا أنه يؤكد أيضًا أن القضاء التركي، مخترق إلى أبعد حد من قِبل السلطة التنفيذية، الأمر الذي يتنافى مع ادعات السلطات الرسمية، ويكشف أنها بعيدة كل البعد، عن الاستجابة لمعايير الاتحاد الأوروبي بخصوص العدالة”.

ويسلط موضوع القس الضوء على آلاف الأتراك المعتقلين على خلفية الانقلاب، فإذا كانت الضغوط الأمريكية نجحت في “تبرئة” برانسون، فإن الآخرين على الراجح لن يجدوا طريقهم للحرية، في ظل غياب دولة أجنبية تستطيع إجبار أردوغان على الإفراج عنهم.

وعلى الرغم من ذلك لا يستبعد أن تستغل الدول الأوروبية الموضوع لتذكير أردوغان بمطالبها المرتبطة بحقوق الإنسان على خلفية الاعتقالات المنظمة بعد محاولة الانقلاب، والتي جعلت الحلم الأوروبي لتركيا يتلاشى.

من جانبه قال الأكاديمي الإماراتي، عبد الخالق عبدالله عبر حسابه على تويتر:”تركيا تطلق سراح القس الأمريكي برانسون وترفع عنه قيود منع السفر بعد اتهامه بتهم كيدية كالتجسس، ودعم الارهاب”.

وأضاف عبدالله قائلًا:”دفعت تركيا ثمنًا اقتصاديًا باهظًا لسجنه وحاول أردوغان مقايضة برانسون بعدوّه اللدود غولن، وانهزم شر هزيمة.. عصا ترامب الغليظة أثمرت مع أردوغان وستحقق هدفها مع إيران”.

الاقتصاد وسياسة أردوغان

الاقتصاديون ينظرون إلى قرار الإفراج عن القس من زاوية التراجع الحاد لليرة التركية، وأزمة المديونية التي باتت تخيّم على قطاعات عدة في البلاد، بفعل العقوبات الأمريكية، واهتزاز ثقة المستثمرين في سياسات أردوغان.

الأستاذ علي صلاح، رئيس وحدة الدراسات الاقتصادية، في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي، قال إن الاقتصاد التركي “تأثر كثيرًا جراء العقوبات الأمريكية، حيث تراجعت قدرة المنتجات التركية لاسيما الحديد على دخول الأسواق الأمريكية بسبب فرض رسوم جمركية مرتفعة عليها من الجانب الأمريكي”.

وأضاف:”ليس هذا فحسب بل تعرّض الاقتصاد التركي برمته إلى ضغوط أخرى من قبيل فرض عقوبات أمريكية على كيانات وشخصيات تركية عديدة، وأدّى كل ذلك إلى تراجع معنويات المستثمرين تجاه الاقتصاد التركي، إلى جانب خروج بعض رؤوس الأموال الأجنبية، فزاد ذلك من الضغوط على العملة التركية، وساهم في تراجعها الذي بلغ 40% من قيمتها خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري”.

وعلّق صلاح، في تصريحات خاصة لـ”إرم نيوز”، على ارتفاع قيمة الليرة بشكل طفيف، بعد الحديث أمس عن إمكانية إطلاق سراح القس قائلًا: “يمثل هذا الارتفاع في قيمة العملة التركية نتيجة مباشرة لعوامل سياسية كانعكاس لعملية الإفراج المحتمل عن القس الأمريكي، لكن استمرار هذا الارتفاع في المستقبل يعتمد على عوامل عدة منها تحسن الأوضاع الداخلية، وهذا لا يبدو أمرًا قريب المنال في الأجل المنظور”.

انتعاش قصير الأجل

 وبخصوص احتمال رفع العقوبات الأمريكية عن تركيا قال صلاح:”لا يمكن القول إن العقوبات الأمريكية على تركيا فرضت فقط بسبب اعتقال القس، فهناك أسباب أخرى لتوتر العلاقات بين الجانبين، وإذا كانت الولايات المتحدة من المتوقع أن ترفع جزءًا من العقوبات عن تركيا بُعيد الإفراج عن القس، فإن رفع كامل العقوبات سيظل مرهونًا بحدوث تحسن كامل في العلاقات، مع الأخذ في الاعتبار كذلك أن كل هذه الأمور تعتمد على طبيعة الاتفاق المبرم بين الجانبين والذي يأتي في إطاره الإفراج عن القس، وما إذا كان الاتفاق يتحدث بالفعل عن جميع الإشكاليات المتسببة في توتر العلاقات أم لا، وكذلك مدى التزام الجانبين به”.

 وعن مستقبل الاقتصاد التركي أوضح صلاح:”إذا كان إبرام الاتفاق الحالي، وتنفيذه، سينعكسان بشكل إيجابي على الاقتصاد التركي، خاصة مع رفع العقوبات الأمريكية عنه، فإن هذا الانعكاس الإيجابي سيكون محدودًا وذا أجل قصير للغاية”.

وأضاف:”فيما عدا ذلك فإنه ليس من المتصور أن يشهد الاقتصاد التركي تحسنًا مؤثرًا مقارنة بما هو عليه الآن، لاسيما أنه يعاني من مشكلات حقيقية عديدة منها ارتفاع حجم الدين، وارتفاع معدلات البطالة، وهشاشة الأوضاع المالية للشركات، وضعف موارد النقد الأجنبي مقارنة بالاحتياجات، وعدم استقرار الأوضاع النقدية بسبب عدم استقلالية البنك المركزي، وكل هذه المشكلات تحتاج إلى أجل طويل لحلها”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع