خسائر انتخابية غير مسبوقة.. انتكاسات لبوتين تشير لأزمة داخلية في روسيا

خسائر انتخابية غير مسبوقة.. انتكاسات لبوتين تشير لأزمة داخلية في روسيا

المصدر:   حنين الوعري - إرم نيوز

كشفت مجلة ”ذي إيكونومست“ أن روسيا باتت تعاني من أزمة داخلية عقب انخفاض قبول الرئيس فلاديمير بوتين محليًا والخسارات التي شهدها الكرملين في الانتخابات الأخيرة، وهي كلها علامات أشعلها قرار بوتين المقترح برفع سن التقاعد.

وذكرت المجلة أن آلة دعاية الكرملين تعمل على نشر فكرة أن ”فلاديمير بوتين هو منقذ العالم“؛ وهو ما يردده البرنامج الأسبوعي الذي يبث في وقت الذروة على التلفزيون الروسي الرسمي بعنوان ”موسكو. الكرملين. بوتين“.

وتضمنت أحدث حلقات البرنامج، بحسب المجلة، إحلال الرئيس الروسي البطولي للسلام في سوريا خلال وجبة غداء تضمنت لحم الخروف وتوت العليق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ وتجمهر نساء حول بوتين في منتدى في سان بطرسبورغ؛ وضرب بوتين هدفًا بعيدًا في حقل رماية باستخدام بندقية قنص جديدة، فالهدف من البرنامج هو تعزيز صورة الرئيس، لكن أظهرت الأسابيع القليلة الماضية أن الرئيس بدأ يفقد بصمته.

وبدأت المغامرات الأجنبية التي عززت مكانة ”قيصر روسيا الجديد“ على مدى السنوات القليلة الماضية تأخذ مجرىً سيئًا، على حد تعبير المجلة.

وأدى انكشاف هوية إثنين من رجال الأمن العسكريين الذين أشارت الشرطة البريطانية إلى أنهم الرجال الذين حاولوا قتل سيرغي سكريبال وابنته بغاز أعصاب إلى إحراج عالمي لروسيا نظرًا لانكشاف عدم كفاءة أجهزتها الأمنية، ومن المتوقع أن تسفر هذه القضية قريبًا عن فرض الولايات المتحدة جولة جديدة من العقوبات.

وبيّنت المجلة أنه في الوقت نفسه، أصبحت الحروب في أوكرانيا وسوريا أكثر تكلفة، ففي الـ17 من أيلول/ سبتمبر الجاري، عندما قصفت إسرائيل منشآت عسكرية سورية أسقطت القوات السورية بطريق الخطأ طائرة تجسس روسية تحمل على متنها 15 فردًا.

وأشارت المجلة أنه ردًا على ذلك، انتقد الكرملين إسرائيل ووافق على تزويد منظومة الصواريخ ”إس-300“  لبشار الأسد، رغم احتجاجات إسرائيل، مخاطرة بذلك بالمزيد من التصعيد.

في هذه الأثناء، أنتجت الحرب في أوكرانيا انشقاقًا دينيًا بين الكنيستين الروسية والأوكرانية، ما قوض زعم بوتين بأنه الموحّد للعالم الروسي.

مشاكل داخلية

وأوضحت ”ذي إيكونومست“ أن المشاكل الرئيسة التي تواجه بوتين تكمن في الداخل، ففي الأسابيع القليلة الماضية عانى الكرملين من أكبر إخفاق انتخابي منذ أن اندلعت احتجاجات واسعة النطاق حول تزوير الانتخابات عام 2011، إذ خسر الحزب الحاكم أربع انتخابات حاكمية مناطق الشهر الجاري.

وتعد الخسائر الأكثر إثارة للانتباه  نظرًا إلى أنها كانت محيّدة إذ مُنع أي منافس خطير من الترشح، وبالتالي كان من المقدر أن يكون منافسو مرشحي الكرملين ممن لا أمل في انتصارهم.

وذكرت المجلة أنه في ظل الركود الاقتصادي والسخط المتنامي، تحولت هذه الانتخابات المتعسرة إلى شكل من أشكال الاحتجاج من الناخبين الداعمين تقليديًا لبوتين وهم تحديدًا المتقاعدون، العمال منخفضو الأجور، والشباب من المدن الإقليمية.

وتم استرضاء موسكو التي كانت مسرحًا لأكبر احتجاجات في عام 2011، بالمال والتجديد والمشاريع الاجتماعية، ولكن الاستياء في المناطق الأخرى نما.

رن جرس الإنذار أولًا في أقصى شرق البلاد، على حد وصف المجلة، وذلك عندما اضطر الحاكم الحالي المعيّن من موسكو للخضوع لجولة إعادة للانتخابات، وكان بوتين حينذاك في مدينة فلاديفوستوك لاستعراض عسكري سنوي مع الصين.

وكان بوتين قال للحاكم أندريه تاراسينكو في اجتماع عرض على التلفاز ”أعلم أن أمامك جولة ثانية. أعتقد أن كل شيء سيكون على ما يرام“، لكن الأمر لم يجرِ على ما يرام.

وأشارت المجلة إلى أن الناخبين ظهروا بفرح للإدلاء بأصواتهم في جولة الإعادة في الـ16 من أيلول/ سبتمبر الجاري بأعداد فاقت تلك التي ظهرت في الجولة الأولى للتصويت لصالح المنافس الشيوعي أندريه إشيتشنكو البالغ من العمر 37 عامًا.

وكانت محاولة في اللحظة الأخيرة للتلاعب بالنتيجة خرقاء لدرجة دفعت الكرملين لعدم التمسك بها، وبدلًا من منح الجائزة للمنتصر دعت لإجراء انتخابات جديدة.

وفي الـ23 من أيلول/ سبتمبر الجاري خسر ثلاثة حكام آخرين مدعومين من الكرملين في الجولة الثانية من انتخاباتهم، وشهدت كل حالة زيادة في الإقبال.

لا تعبث مع المتقاعدين

يعد السبب المباشر لكل هذا السخط هو الزيادة المقترحة في السن التي يستطيع الروس فيها التقاعد والمطالبة بمعاش تقاعدي حكومي.

وكان بوتين تعهد في وقت سابق بأن هذا لن يحدث أبدًا، وبالطبع كان العاملون في الخدمات الأمنية معفيين من القرار.

وبموجب هذا الاقتراح، يمكن للرجال الروس توقع التقاعد عند سن 65 عامًا والموت في سن السادسة والستين، والكثيرون لن يتلقوا معاشًا على الإطلاق؛ لذلك لا عجب أنهم انزعجوا بحسب المجلة.

وأشارت المجلة أنه في الأشهر الستة الماضية، انخفض معدل قبول بوتين بمقدار 15 نقطة مئوية، إذ يثق 48٪ فقط من الروس بالرئيس أو يقولون إنهم سيصوتون له اليوم، رغم أنه أعيد انتخابه في آذار/ مارس الماضي بنسبة 76٪ من الأصوات.

ويبلغ تصنيف حزب روسيا الموحدة في الكرملين أقل من 30٪، وعلى الرغم من كل البروباغندا لم يعد الناس ينظرون إلى بوتين كمنقذ لهم ، ويلومونه على قضاء الكثير من الوقت في محاولة جعل روسيا عظيمة مرة أخرى بدلًا من مساعدتهم.

وكشفت المجلة أن النخبة الثرية في روسيا تشعر أيضًا بالتوتر وعدم الارتياح، ويرجع الفضل في ذلك إلى المواجهة المتزايدة مع الغرب الذي يهدد ثرواتهم وسلطة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، والشرطة السرية اللذان لا رادع لهما ويهددان حياتهم وحريتهم.

وقبل بضع سنوات، كان يُنظر إلى تأييد بوتين على أنه يضمن النصر السياسي، أما اليوم فإن الوقوف إلى جانب بوتين يشكل مخاطرة سواء داخل البلد أو خارجه.

بيد أن أي من هذا لا يعني أن نظام بوتين على وشك الانهيار، على حد تعبير المجلة، حيث  يرجح أنه سيحاول التخفيف من ضعفه من خلال العنف في الداخل والخارج.

وظهر دليل على هذا في الـ24 من أيلول/ سبتمبر الجاري، عندما تمت إعادة اعتقال أليكسي نافالني، وهو زعيم معارض قضى الأيام الثلاثين الماضية في السجن لتنظيمه مظاهرة احتجاج قبل تسعة أشهر، بعد دقيقتين من إطلاق سراحه، ومع تزايد شهية الاحتجاج، أصبح هو ومحاولاته لمكافحة الفساد يشكلان تهديدًا.

وذكرت ”ذي إيكونومست“ أنه جنبًا إلى ذلك، يهدد رجال أمن بوتين أيضًا بتنفيذ أعمال غير شرعية.

ففي الـ11 من أيلول/ سبتمبر الجاري قام فيكتور زولوتوف وهو الحارس الشخصي السابق لبوتين، والذي يتولى الآن قيادة جيش داخلي قوامه 300 ألف جندي يهدف إلى إخماد أي علامة على التمرد، بتحدي نافالني بشكل غريب إلى مبارزة ووعد ”بصنع قطعة لحم شهية منه“، وأثبت تهديده فقط خوف الكرملين المتزايد من المنافسة المفتوحة والصادقة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com