إيران تسعى إلى استغلال الانسحاب الأمريكي في أفغانستان

إيران تسعى إلى استغلال الانسحاب الأمريكي في أفغانستان

المصدر: إرم- من منار رشواني

مع تسارع انسحاب القوات الأميركية والدولية من أفغانستان، والمفترض إتمامه في العام 2016، يبدي العديد من صناع السياسة والمحللين الأميركيين قلقهم من أن يفضي ذلك إلى حالة عدم استقرار أوسع في هذا البلد، ربما يكون بمقدور الدول الأخرى، من قبيل إيران، استغلالها.

وفي التقرير الصادر منتصف هذا العام، عن مؤسسة ”راند“ المعنية بتقديم الأبحاث والتحليلات للقوات المسلحة الأميركية، يتم تسليط الضوء على نفوذ إيران الثقافي والسياسي والاقتصادي في أفغانستان، وفرص التعاون الأميركي-الإيراني هناك.

ذلك أن حالة العداء بين إيران والولايات المتحدة، والتي تفاقمت بسبب التوترات المرتبطة ببرنامج إيران النووي، قد عنت دوماً، بحسب التقرير، التنافس في مناطق أخرى، من بينها أفغانستان، وقد نظرت طهران بتوجس إلى الوجود العسكري الأميركي، الذي زاد عن العقد، في أفغانستان. ولربما قامت إيران بدفع من مخاوفها من ضربات عسكرية أميركية ضد منشآتها النووية، أو خطط الولايات المتحدة المزعومة للإطاحة بالنظام الإيراني، بتقديم دعم عسكري مدروس للمتمردين الأفغان الذين يقاتلون ضد القوات الأميركية وقوات المساندة الأمنية الدولية ”إيساف“. كما عارضت إيران بشكل فاعل الاتفاقية الأمنية الثنائية التي جرى التفاوض بشأنها بين أفغانستان والولايات المتحدة.

ولربما يعتقد صناع السياسة الأميركيين، على نحو طبيعي، أن إيران تسعى إلى استغلال تراجع الحضور (العسكري) الأميركي في أفغانستان، وتقويض المصالح الأميركية هناك. مع ذلك، يذهب التقرير إلى أن مغادرة القوات الأميركية لأفغانستان، ووجود حكومة جديدة براغماتية في طهران، وإمكانية التوصل إلى حل للأزمة النووية، قد توفر قدراً أعظم من التعاون بين طهران وواشنطن في أفغانستان.

ذلك أن الأهداف الإيرانية في أفغانستان تتساوق مع معظم المصالح الأميركية هناك. ومن ثم، فإن النفوذ الإيراني في أفغانستان عقب انسحاب القوات الدولية، لا يجب أن يكون بالضرورة مبعث قلق للولايات المتحدة. إذ إيران بذات درجة الولايات المتحدة، رؤية أفغانستان مستقرة، بحكومة متحررة من سيطرة حركة ”طالبان“. كما تسعى إيران إلى كبح جماح التطرف السُنّي في المنطقة.

أما بشأن مدى رغبة إيران في التعاون بشكل مباشر الولايات المتحدة في أفغانستان، فإن ذلك يعتمد بشكل كبير على وضع النزاع النووي الإيراني. رغم ذلك، فإن من المهم ملاحظة أنه حتى في حال استمرار التوترات الإيرانية – الأميركية، فإن من غير المحتمل أن تتخذ النشاطات الإيرانية في أفغانستان مساراً مناقضاً لمجمل الأهداف الأميركية هناك.

ويتوجب على الولايات المتحدة محاولة التعاون مع إيران في مكافحة المخدرات في أفغانستان، وتشجيع جهود توصل طهران وكابول إلى اتفاقية لتقاسم المياه. وكون تمرد ”طالبان“ يتم تمويله بشكل كبير من خلال تجارة المخدرات، فإن جهود مكافحة المخدرات ستساهم في (تعزيز) أمن أفغانستان. كما أن التوترات المتولدة عن شح مصادر المياه، قد تعزز عدم الاستقرار في حال ترك الأمر من دون حلول.

وبينما يبدو العديد من المشكلات بين إيران والولايات المتحدة عسيرا وخاضعاً للمصالح السياسية لكل من طهران وواشنطن، فإن مكافحة الاتجار بالمخدرات والتوصل لحلول بشأن استخدام المياه، هما – نسبياً – قضيتان غير مثيرتين للجدل وغير سياسيتين. وهما قد تقودان إلى مزيد من الثقة المتبادلة التي ستفيد، بدورها، العلاقات الأميركية – الإيرانية الأوسع. ولأجل هذه الغاية، فإن بمقدور الولايات المتحدة توفير دعم لوجستي ومالي لـ“المبادرة الثلاثية“ الموجهة من قبل الأمم المتحدة، والتي تتولى تعزيز التعاون بين إيران وباكستان وأفغانستان في مجال مكافحة تجارة المخدرات.

وفيما يتعلق بالنزاع المائي فإنه يتوجب على الولايات المتحدة القيام بدور فاعل – من خلال الأمم المتحدة والمنظمات التنموية – في تسهيل إقرار نظام لاستخدام المياه متفق عليه بين إيران وأفغانستان.

كذلك يشير التقرير إلى أن إيران تتحوط في رهاناتها في أفغانستان، بغية أن تكون مستعدة لمخرجات متنوعة عقب الانسحاب الأميركي. وقد حافظت إيران على علاقات وثيقة مع الأفغان الطاجيك والهزارا، لتأمين نفوذ سياسي وحماية المصالح الإيرانية عقب الانسحاب الأميركي.

من ناحية أخرى، تبدو إيران منفتحة على (فكرة) العمل مع ”طالبان“ عقب الانسحاب الأميركي، إلا أن مدى هذا التعاون سيعتمد على موقف الحركة من إيران، وتعاملها مع الأفغان الشيعة، كما ستواصل إيران محاولتها بناء ”نفوذ ناعم“ في أفغانستان، لاسيما في قطاعي التعليم والإعلام، وقد قامت فعلا ببناء ودعم مدارس ومساجد ومراكز إعلامية ذات توجهات إيرانية. ويتركز كثير من هذا النشاط في غرب أفغانستان وشمالها، إضافة إلى كابول. وتلقت مدارس أفغانية آلاف الكتب الإيرانية التي يروج العديد منها قيم الجمهورية الإسلامية.

رغم ذلك، ستواجه إيران تحديات في كسب المواطنين الأفغان، فـ“البشتون“، وثيقو الارتباط بباكستان، يظلون حذرين من الإيرانيين. في الوقت ذاته، فإن العديد من الشيعة الهزارا لا يفضلون نظام إيران في الحكم. وخلال السنوات الماضية، سعت الأحزاب السياسية من الهزارا إلى رفض النظر إليها باعتبارها ببساطة وكلاء لإيران.

كذلك، رغم أن العلاقات الإيرانية – الأفغانية قد تمت صياغتها لتبقى إيجابية بشكل عام، إلا أن من المحتمل أن تشهد هذه العلاقات توتراً مبعثه النزاع على المياه، وقضية اللاجئين الأفغان في إيران، إذ مع تفاقم النزاع بسبب الجفاف، فإن من المتوقع بقاء موضوع تقاسم المياه محل خلاف جوهري بين طهران وكابول، لاسيما بالنظر إلى خطط أفغانستان توسيع قطاعها الزراعي، بما يؤدي إلى زيادة استخدام المياه من أعلى النهر، ويؤثر بالتالي على الواردات الإيرانية (من المياه). ويعاني البلدان من نقص في المياه، مع كون مناطق إيران الشرقية على الحدود مع أفغانستان ذات معاناة خاصة على هذا الصعيد.

كذلك، وخلال السنوات الأخيرة، أصبح وضع اللاجئين الأفغان في إيران قضية مسيسة بشكل كبير. إذ تضم إيران لاجئين أفغان أكثر من أي بلد آخر، بعد باكستان. ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، صار كثيرون ينظرون إلى اللاجئين الأفغان باعتبارهم عبئاً، وهم محل تمييز وإساءة على يد الحكومة الإيرانية. وقد اندلعت عدة تظاهرات في أفغانستان احتجاجاً على معاملة إيران للاجئين. علاوة على ذلك، سعت إيران إلى استخدام الترحيل الجماعي للأفغان كوسيلة للضغط على حكومة كابول لتبني سياسات مؤاتية للجمهورية الإسلامية.

عقب انسحاب القوات الأميركية وقوات ”إيساف“ من أفغانستان في العام 2016، ستتأثر الإستراتيجيتان الأميركية والإيرانية، في جانب كبير منهما، بتصرفات باكستان والهند وروسيا، وباعتبارها الدولة العظمى الوحيدة في العالم، ستواصل الولايات المتحدة لعب دور مهم في أفغانستان بعد انسحاب ”إيساف“. ومن المهم، رغم ذلك، تذكر أن نفوذ الولايات المتحدة هناك سيتحدد في جزء كبير منه أيضا بعلاقاتها مع الفاعلين الإقليميين، كما بعلاقات هؤلاء الفاعلين ببعضهم بعضا.

بشكل عام، فإن المصالح الإيرانية في أفغانستان تتساوق مع الأهداف الرئيسة لكل من الولايات المتحدة والهند وروسيا في ذلك البلد، والمتمثلة في منع عودة البلد إلى الخضوع لهيمنة طالبان مرة أخرى، وكونه ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة. ومن ثم، فإن تعاوناً إيرانيا مع الفاعلين الإقليميين قد يخدم المصالح الأميركية.

وفي حال التوصل إلى اتفاق نووي، فمن الحكمة قيام الولايات المتحدة بإشراك إيران في مناقشات ثنائية بشأن أفغانستان، والتوصل إلى نشاطات مشتركة ستخدم، بدورها، المصالح المتبادلة، كما ستعزز الثقة المطلوبة بإلحاح.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com