ما السرّ وراء الاهتمام المحموم من روسيا وتركيا بتكتلات صربيا والبوسنة؟

ما السرّ وراء الاهتمام المحموم من روسيا وتركيا بتكتلات صربيا والبوسنة؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

تجذب البوسنة كبار القادة الدوليين بعد إهمال الولايات المتحدة وأوروبا لها نظرًا لانشغالهما بصراعات دولية أخرى، وبالنسبة لدولة تضم 3.5 مليون نسمة في ركن مهمل في أوروبا، فإنها باتت تجذب بعض الأسماء الكبيرة، وفق صحيفة ”التايمز“ البريطانية.

ومن المقرر أن يصل وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الأسبوع المقبل إلى مدينة ”بانيا لوكا“، التي يبلغ عدد سكانها 185 ألف نسمة، من أجل تدشين كنيسة أرثوذكسية جديدة ضخمة.

وأوضحت ”التايمز“ أن الكنيسة والمركز الثقافي المرفق سيكونان أحدث تعبير عن التقارب بين موسكو وجمهورية صرب البوسنة، في مدينة ”بانيا لوكا“، العاصمة الإدارية لجمهورية صرب البوسنة، وهي منطقة تتمتع بحكم شبه ذاتي تمثل جزءًا من البوسنة والهرسك، ويقطنها في الغالب صرب البوسنة الذين يتبعون العقيدة الأرثوذكسية التي يتبعها معظم الروس.

كما ذكرت الصحيفة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اختار عاصمة اتحاد البوسنة والهرسك ”سراييفو“ التي تبعد 120 ميلًا عن ”بانيا لوكا“ لعقد تجمع حاشد في أوروبا قبل الانتخابات التركية في شهر أيار/ مايو الماضي، والذي انتقد خلاله برلين وبروكسل وحث مسلمي القارة على النهوض.

وأفادت الصحيفة أن الحكومة التركية ضخت أموالًا لتجديد المساجد والمدارس في جمهورية البوسنة والهرسك ذات الأكثرية المسلمة، وأصبح أردوغان يُعتبر شخصية أبوية بالنسبة لمسلمي البوسنة تمامًا كما هو الرئيس بوتين بالنسبة لمواطني جمهورية صرب البوسنة.

انتخابات معقدة مرتقبة

ويشارك البوسنيون في غضون 3 أسابيع في انتخابات الرئاسات الثلاث في ظل أكثر النظم تعقيدًا في العالم، وفي خضم هذا التأثير الخارجي الزاحف، ما يحقق توازنًا في ميزان القوى الهش بين مسلمي البوسنة والكروات الكاثوليك والصرب الأرثوذكس.

وذكرت الصحيفة أن الدستور البوسني كان عبارة عن ملحق في اتفاقات دايتون للسلام  عام 1995، التي أنهت الصراع الأهلي الداخلي في البلد، وبعد 23 عامًا لم يتغير، وكذلك الأمر بالنسبة للسياسة البوسنية.

ويُتوقع أن يتصدر الشعوبيون الانتخابات المرتقبة من بين المجموعات العرقية الرئيسة الثلاث في البوسنة.

وأوردت بعض المرشحين ذاكرةً الزعيم البوسني المسلم ”بكر عزت بيغوفيتش“ الذي يعد ابن أول رئيس لفترة ما بعد الحرب وصديق مقرب من أردوغان، وقد وصل إلى نهاية فترة تكليفه، لكن حزبه الذي صمم نفسه على غرار حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي يهيمن على السياسة والدولة في الاتحاد الذي يتخذ من سراييفو مركزًا له.

وبيّنت أن الرئيس الكرواتي، دراغان كوفيتش، اتُهم بإثارة الكراهية العرقية بدعمه لمجرمي الحرب المحكوم عليهم في مدينة لاهاي في هولندا.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، ادّعى أن سلوبودان برالياك، وهو جنرال كرواتي سابق قتل نفسه بشرب سم في قاعة المحكمة أثناء إدانته، ”قدم تضحية لإثبات أنه بريء“.

وأكدت الصحيفة أن ميلوراد دوديك، وهو رئيس جمهورية صرب البوسنة الذي يتولى السلطة منذ 12 عامًا سيترشح مرة أخرى.

ومن المقرر أن يسافر هو ورئيسة وزرائه، زيليكا كفيغانوفيتش، إلى موسكو للاجتماع مع بوتين في الأسبوع الذي يسبق الانتخابات.

وكانت كفيغانوفيتش التقت في واشنطن بمستشار الرئيس الأمريكي السابق، ومدير حملة دونالد ترامب الانتخابية، ستيف بانون في تموز/ يوليو الماضي.

ووصفت كفيغانوفيتش اللقاء بأنه كان “ مثيرًا جدًا للاهتمام، باستطاعتي قول ذلك. إنه شخص مثير للاهتمام“.

ونفت أن يكون بانون طلب منها الانضمام إلى مشروعه الأوروبي الوليد، وهو تجمع يميني شعبوي في البرلمان الأوروبي يُدعى ”الحركة“.

وكان بانون سبق أن طلب ذلك من نايغل فاراج، ومارين لوبان، وفيكتور أوربان.

وقالت إنهما التقيا من خلال صديق مشترك، وأصرت على أن حزبها ما زال مصممًا على المساعدة في توجيه البوسنة إلى الاتحاد الأوروبي.

وأضافت كفيغانوفيتش “ لماذا قد أسمي نفسي شعبويةً؟ أنا مجرد سياسية عقلانية. يقول الناس أنني مؤيدة جدًا لبوتين. حسنًا، أنا مؤيدة جدًا لترامب أيضًا“.

ويقول دبلوماسيون ومحللون إن الولايات المتحدة وأوروبا اللتين يتعين أن يوجها البوسنة إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي تجاهلوا البلقان في السنوات الأخيرة بعد أن أصبحوا مشتتين بسبب أزمات أخرى. وهذا يجعلها مكانًا سهلًا لدخول قوى أخرى.

وقال رولاند غوني، الباحث في النزاعات العرقية في جامعة كوليدغ في دبلن ”نحن لا نتحدث بصراحة عن تأثير فشل الاتحاد الأوروبي. إن توسع الاتحاد الأوروبي يسير ببطء أكثر على الرغم من الادعاءات الخطابية بعكس ذلك. لكن بما أن الاتحاد الأوروبي لا يريد أن يتحدث عن ذلك، فإنهم يقولون إن روسيا وتركيا قادمتان. إنهما قادمتان لأن الاتحاد الأوروبي يترك الميدان مفتوحًا“.

اقتصاد متدهور

القيادة من بانيا لوكا إلى سراييفو، لمدة أربع ساعات بطرق سريعة مهجورة ومدن جبلية صامتة، تكشف عن مشكلة البوسنة الأكثر إلحاحًا، على حد قول الصحيفة، حيث هاجر 5% من السكان منذ الانتخابات الأخيرة عام 2014، ومعظمهم من الشباب الذين توجهوا إلى غرب أوروبا بحثًا عن العمل.

وذكرت التايمز أنه بينما يلجأ الزعماء إلى الخطابات الطائفية في كل مرة تجرى فيها انتخابات، فإن الاقتصاد يذوب وتنهار الخدمات العامة في ظل الفساد وسوء الإدارة.

وقال بوريسا فلاتر ( 43 عامًا) ، وهو المرشح الرئاسي عن حزب ناسا سترانكا ”حزبنا“، وهو الكتلة الوحيدة المتعددة الأعراق والليبرالية في الانتخابات ”إنهم يرفعون أو يحرقون الأعلام قبل كل عملية انتخابية، وينسى الناس كل القضايا الأخرى.“

وأضاف قائلًا ”بالنسبة لكثير من الناس هذه الانتخابات هي استفتاء حول البقاء في البوسنة أو المغادرة إلى أوروبا. هناك الكثير من الغيظ والغضب، ولكن من الصعب توجيهه. نحن نجرّب نهج جون لينون“.

وبيّنت الصحيفة أنه ربما يكون هناك “ على الورق“ بعض الأشخاص الأكثر تأهيلًا لمواجهة التحدي البوسني، لكن فلاتر هو بيروقراطي دولي سابق مصقول وهو ابن زواج مسلم مسيحي مختلط، وكان فقد والديه مع نهاية حرب سراييفو، ما يمكنه من التغلب على مشكلة الانقسام الطائفي في البوسنة والهرسك.

وتناولت التايمز مراهقته وأولى سنواته كبالغ ذاكرةً أنه وبينما كان يعيش كلاجئ في كرواتيا في سن المراهقة بدأ العمل مع الأمم المتحدة كمترجم ومشغّل راديو. وفي وقت لاحق، حصل على منحة للدراسة في جامعة هارفارد وكلية لندن للاقتصاد قبل العودة إلى المجال الإنساني مع الصليب الأحمر والأمم المتحدة كمنسق رفيع المستوى يعمل على بعض أكثر الأزمات تعقيدًا في العالم.

وبيّنت الصحيفة أنه خارج قاعدة الدعم في حزب“ ناسا سترانكا“ الذي يرتكز إلى صنع سراييفو عالمية، يمكن بسهولة إغراء البوسنيين من خلال حملات الشعبويين التي تثير الخوف والاشمئزاز.

ويقول 30 % من السكان إنهم يوافقون على الزيجات المختلطة، و4% فقط من الزيجات البوسنية مختلطة الآن، مقارنة بنسبة 13 % قبل الحرب.

وأكدت الصحيفة أن فلاتر الذي يرشح نفسه للثلث الكرواتي من الرئاسة الثلاثية يعلم أن فرصه ضئيلة، ففي الوقت الذي يحاول فيه معارضوه اجتذاب دعم الزعماء الأجانب، يعتمد فلاتر على تبرعات بمتوسط 150 دولار، وجيش صغير من متطوعي الشوارع الشباب والاستعانة بالجمهور لدعم حملته الانتخابية.

وقال ”أشعر بمسؤولية تجاه الآلاف من البوسنيين الذين ما زالوا يؤمنون بفكرة بلد متعدد الأعراق. ومن مصلحة الاتحاد الأوروبي ألا تتحول البوسنة إلى ثقب أسود“.

كيف يعمل دستور البوسنة؟

وتناولت الصحيفة بشيءٍ من التفصيل دستور البوسنة والهرسك ذاكرةً أن الدولة محكومة على مستويين؛ في السلطة التنفيذية المركزية في سراييفو، وفي كيانين يتمتعان بالحكم الذاتي، وهما اتحاد البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة – الكرواتية في الجنوب، وجمهورية صرب البوسنة ذات الأغلبية الصربية في الشمال. وتسيطر الكيانات على الضرائب والإنفاق والتشريعات العامة من خلال برلماناتها الخاصة.

وذكرت أنه يوجد داخل اتحاد البوسنة والهرسك 10 كانتونات، لكل منها برلمان خاص بها يسيطر على القضايا المحلية مثل التعليم والرعاية الصحية.

أما على المستوى الاتحادي يتقاسم 3 رؤساء، واحد من كل مجموعة عرقية، المنصب ثلاثي الأطراف بالتساوي، ويعد اختصاصهم الأساسي هو السياسة الخارجية، ويوقعون القرارات إما بالإجماع أو التصويت بالأغلبية. كما أنهم يختارون مجلس الوزراء. وفي مواطنهم يعتبر كل واحد منهم الرئيس الحقيقي الوحيد لدى قواعد الناخبين ويمتلك سلطة هائلة على مناطق الحكم الذاتي.

وبيّنت التايمز أنه يُخصص حوالي 28 مقعدًا من 42 في البرلمان الاتحادي لأعضاء من اتحاد البوسنة والهرسك، و14 مقعدًا من جمهورية صرب البوسنة. ويملك البرلمان الاتحادي صلاحيات محدودة تتمثل في الغالب بسن التشريعات وفقًا لقرارات رئاسية، وهو يصادق على ميزانية الدولة ويمكنه تعديل الدستور وإصدار قرار حجب الثقة عن مجلس الوزراء.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com