بعيدًا عن القمع والوحشية.. روسيا تجند مخبرين جددًا بأساليب وردية وناعمة

بعيدًا عن القمع والوحشية.. روسيا تجند مخبرين جددًا بأساليب وردية وناعمة

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري

يبدو أن روسيا باتت تلجأ إلى طريقة جديدة أقل وحشية؛ من أجل الحصول على معلومات عن مواطنيها، تشمل تجنيد الناس الضعفاء بإغرائهم بحل مشاكلهم، وفق ما ذكرت صحيفة“ نيويورك تايمز“ الأمريكية.

وجاء في تقرير للصحيفة الأمريكية، أن كثيرًا ما تعرض أجهزة الأمن قوتها من خلال أعمال وحشية، مثل قيام ضباط الشرطة ضخام البنية الحاملون لمعدات مكافحة الشغب، بالانهيال على المتظاهرين ضربًا، أو قيام بلطجية غامضين بالاعتداء على السياسيين والصحفيين المعارضين، وقتلهم في بعض الأحيان“.

لكن الصحيفة عادت واستدركت بقولها، إن ”وجهًا أكثر لطفًا وغموضًا للنظام بدأ يظهر في شكل رجل مهذب باسم، يرتدي ملابس أنيقة ويحمل باقة من الورود، وهو ما حدث مع ناتاليا غريازنيفيتش في وقت مبكر من الشهر الماضي، حيث ظهر رجل بشكل مفاجئ على أعتاب شقتها الواقعة في الطابق التاسع بمبنى في موسكو”.

وحسب ما نقلته الصحيفة، أشار الرجل الذي قدم نفسه فقط باسم أندريه، لغريازنيفيتش البالغة من العمر 29 عامًا، وهي موظفة في منظمة مؤيدة للديمقراطية تدعى ”روسيا المنفتحة“، بأنه يرغب في دعوتها لشرب القهوة وتبادل حديث ودي، قائلًا: ”يبدو أنك تحبين القهوة حقًا“، ملمحًا بأنه يعرف الكثير من الأشياء الأخرى عنها أيضًا.

وقالت غريازنيفيتش مستذكرة: ”لقد تصرف مثل صديق قديم، لم أستطع تمييزه“. وعلى الرغم من تخوفها في البداية، أدركت غريازنيفيتش ما الذي كان يجري عندما التقيا، وأمطرها بأسئلة حول رحلاتها إلى الخارج واتصالاتها الخارجية؛ فأدركت أن أندريه كان يحاول تجنيدها مخبرة.

ونقلت ”نيويورك تايمز“ عن غريازنيفيتش، أنها تتذكر إلحاحه عليها قائلًا: ”دعينا نكون صديقين، فكري بنفسك، أنت ترغبين بأن تبني مستقبلك المهني، باستطاعتك أن تصلي حدودًا بعيدة إذا كنتِ إلى جانبنا“.

وأكدت الصحيفة على أن سردها عن محاولة تجنيدها التي قالت إنه جرى دون تعرضها لأي تهديد، يفتح نافذة صغيرة إلى أحد أكثر الجوانب سريةً وشراسةً للنظام الأمني الروسي.

عودة الستوكاشي

وذكرت الصحيفة، أن ”المخبرين الذين يعرفون باسم (ستوكاشي) بالروسية، وتعني حرفيًا (قارعو الأبواب)، وهو مصطلح سوفييتي، يخدمون بشكل أساسي جواسيس للدولة الروسية في الداخل والخارج. وهم بعيدون تمامًا عن كونهم واسعي الانتشار اليوم في روسيا، كما كانوا في ألمانيا الشرقية أو الاتحاد السوفييتي، حيث كان الملايين يوشون بأصدقائهم وزملائهم“.

وأوضحت أن ”السلطات الروسية كانت عطشى للحصول على معلومات حول المعارضة الداخلية منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة على نطاق واسع من العدم في شتاء عام 2011؛ مما أثار قلق الكرملين بشدة. كما فاجأت موجة جديدة من الاحتجاجات، بدأت في أيار/ مايو 2017، السلطات رغم كونها أصغر نطاقًا من سابقتها، وزادت أهمية المعلومات من الداخل“.

لكن الصحيفة أكدت أنه يستحيل معرفة عدد الأشخاص الذين يخدمون كمخبرين، فالأشخاص الوحيدون الذين يتحدثون عن محاولات التجنيد هم أولئك الذين يرفضون العرض.

وقال فيكتور فورونكوف، مدير ”مركز البحوث الاجتماعية المستقلة“، في ”سانت بطرسبورغ“، لصحيفة ”نوفايا غازيتا“ الروسية، مطلع هذا العام، إن ”أربعة من موظفيه أبلغوه بنهج التوظيف من قبل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وهو خلَف الاستخبارات السوفييتية“.

وعندما تواصلت معه صحيفة ”نيويورك تايمز“، الأسبوع الماضي، ذكر فورونكوف أنه لم يسمع عن أي محاولات أخرى لكنه افترض أنه تم التواصل مع المزيد من موظفيه.

وقال: ”صدقني، من النادر أن يقوم الناس بالإبلاغ عن مثل هذه الأشياء، العديد ممن يتم الاتصال بهم يُطلب منهم التوقيع على اتفاقيات عدم إفصاح“.

حوافز للمخبرين

وأوضحت ”نيويورك تايمز“، أن ”هناك إشارة واضحة على أن الأجهزة الأمنية عادت مرة أخرى إلى سوق المخبرين، ظهرت عندما قامت وكالة لايف الإخبارية الروسية التي غالبًا ما يستخدمها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي للكشف عن تسريبات، بإعلان أن المخبرين المتقاعدين سيحصلون على معاشات حكومية مقابل خدماتهم، وهو حافز كان يُمنح فقط للموظفين بدوام كامل في وكالة الاستخبارات في الماضي.

بيد أن الحافز الأساسي لعمل المواطنين الروس كمخبرين نادرًا ما يكون المال، بل التعهد بأن جميع المشاكل القانونية وغيرها من المشاكل ستختفي فجأة، بحسب تعبير الصحيفة.

وكشفت الصحيفة تفاصيل استدعاء إيفجيني شتورن، وهو عالم اجتماع عمره 35 عامًا، ولِد في كازاخستان، إلى اجتماع في دائرة الهجرة الفيدرالية لمناقشة طلب الحصول على الجنسية الروسية والذي قوبل بالرفض خلال عمله في ”مركز أبحاث فورونكوف“ في ”سان بطرسبورج“.

وعندما ذهب إلى مكتب خدمة الهجرة، في كانون الأول/ ديسمبر، كما طُلِب منه تم اصطحابه لمكتب غير مميز بالطابق العلوي به كاميرات أمنية في الخارج.

وبحسب الصحيفة، التقى شتورن هناك برجل مهذّب أظهر بطاقة تعرفه كضابط في جهاز الاستخبارات الفيدرالي، وأوضح أنه يعرف كل شيء عن طلب التقدم للجنسية الفاشل، وتظاهر بأنه يعتقد بأن القرار مؤسف للغاية، وقال: ”ثم تحوّل بعد ذلك سريعًا إلى طرح أسئلة حول مركز البحوث والمؤسسات الأجنبية ومنظمات حقوق الإنسان“.

وذكر شتورن، وهو مثلي الجنس كان يبحث في الهجمات ضد المثليين والمتحولين جنسيًا في روسيا، أنه سرعان ما أصبح من الواضح أنه تم استهدافه ليكون مخبرًا محتملًا؛ لأنه ”ضعيف للغاية“؛ بسبب وضعه كعديم جنسية وتورطه مع مثليي الجنس ومجموعات حقوقية.

وبعد التأكيد بأنه من الممكن أن يتم مراجعة طلبه المرفوض في المستقبل، تم استجوابه لمدة ساعتين تقريبًا حول المؤسسات الأجنبية، ودعمها المالي لمجموعات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث في روسيا، واتصالاته الخاصة مع الدبلوماسيين والناشطين الأجانب.

وقام العميل نفسه بدعوة شتورن في اليوم التالي لاجتماع آخر، لكنه رفض وواصل العميل الاتصال ورفض شتورن الاجتماع. وأوضح شتورن خلال اتصال هاتفي من أيرلندا التي هرب إليها في كانون الثاني/ يناير بعد أن رفض التعاون مع العميل، ”تتمثل استراتيجيتهم في العثور على نقطة ضعف واستخدامها لجعلك تتعاون معهم. كلما كنت أضعف، كلما زاد احتمال أن يتواصلوا معك عاجلًا أم آجلًا“.

وبيّن مارك غاليوتي وهو خبير في نظام الأمن الروسي في معهد العلاقات الدولية في براغ، أنه ”انطلاقًا من القناعة بأن الاستياء في روسيا ناتج إلى حد كبير عن عمل قوات أجنبية معادية، ركّز جهاز انفاذ القانون الروسي بصورة متزايدة على اختراق منظمات ذات صلات حقيقية أو متوقعة بمنظمات وحكومات أجنبية“.

وأفادت الصحيفة بأن ”غاليوتي أشار بأن البحث عن مخبرين أصبح موجهًا الآن أكثر مما كان عليه خلال الاتحاد السوفييتي، عندما كانت الاستخبارات السوفييتية تملأ قائمة مخبريها بأفراد ينقلون نميمة المكاتب وثرثرة الداخل“.

 وقال إن ”التركيز اليوم يصب في العثور على مخبرين قد يكون لديهم معلومات داخلية حقيقية عن جماعات إرهابية، مثل تنظيم داعش بالإضافة إلى جماعات سلمية أجنبية تروّج للديمقراطية التي يعتبرها الكرملين مصدر تهديد“.

استهداف مجموعات حقوقية

ويشعر الكرملين بالقلق بشكل خاص من جماعات مثل ”روسيا المنفتحة“؛ بسبب ارتباطها بميخائيل خودوركوفسكي، وهو ملياردير روسي منفي يعيش الآن في لندن، بعد قضائه ما يقرب من العقد في معسكرات الاعتقال الروسية، ويمول مجموعة واسعة من المشاريع التي تهدف إلى تعزيز الديمقراطية والحريات المدنية داخل روسيا.

وأكدت نيويورك تايمز، أنه بعد شعور غريزانتيفيتش بالقلق والفضول، في ذات الوقت، من دوافع وهوية الغريب الذي ظهر على بابها حاملًا الورود، حصلت على رقم هاتفه ووافقت على مقابلته، بعد اتصالها برئيسها في ”روسيا المنفتحة“؛ طلبًا للنصيحة.

وذكرت غريزانتيفيتش، التي عادت مؤخرًا من مدينة فلاديفوستوك الشرقية بعد قضاء ليلة في مركز احتجاز الشرطة لمساعدتها في تنظيم مؤتمر هناك برعاية روسيا المنفتحة، للصحيفة: ”لم يكن لدي أي فكرة عن هويته أو ما كان يريده، لكنه كان مهذبًا للغاية ومتحدثًا جيدًا“.

وسرعان ما أوضح أندريه أنه يعرف كل شيء عن مشاكلها مع الشرطة في فلاديفوستوك خلال شربهما القهوة، جنباً إلى معرفته قدرًا مزعجًا من المعلومات عن حياتها بشكل عام، بما في ذلك رحلاتها إلى الخارج نيابة عن روسيا المنفتحة. وعرض عليها الرجل مساعدتها في حل المسائل القانونية الخاصة بها، موضحًا أن محاميها ”لا يستطيع أن يحميها، ولكن يمكننا ذلك“، طالما أنها تقدم جهودًا من طرفها للمساعدة.

وذكرت تفاصيل اقتراحه لصحيفة ”نيويورك تايمز“، إذا وافقت على الاجتماع مرة واحدة في الأسبوع لتقديم المعلومات، لا سيما عن اتصالاتها الخارجية، وتحديدًا من هم وماذا يفعلون ولماذا، لن تكون بحاجة للقلق بشأن ملاحقة الشرطة لها وتهديدها بقضاء وقت في السجن. حيث قال، يمكننا حل كل هذه المشاكل“.

وقالت إن ”أندريه أبدى اهتمامًا قليلًا بأنشطة روسيا المنفتحة داخل روسيا، التي بدا أنه يعرف عنها الكثير بالفعل، لكنه ركز بدلًا من ذلك على تفاعل المجموعة مع الأجانب.

وتذكر غريزانتيفيتش بحسب ما نقلته الصحيفة، أن ”المرة الوحيدة التي تخلى فيها أندريه عن سلوكه المهذب، كان بعد أن رفضت العمل كمخبرة ورفضت طلبه بالحفاظ على سرية لقائهما. وحتى في ذلك الوقت لم يلجأ للتهديدات الصريحة، التي غالبًا ما تكون مرتبطة بالشرطة السرية الروسية. قالت: ”كان من الواضح أن هذه ليست المرة الأولى التي يقوم بها بأمر مماثل“.

وأكد غاليوتي، أن التهذيب هو ”أسلوب عمل تقليدي“ في الأجهزة الأمنية في أنحاء العالم، “ حيث يعلم الجميع أن الإكراه هو أقل طريقة فاعلة في جذب الناس إلى صفك“.

لم يكشف أندريه الغامض هويته الحقيقية لغريزنيفيتش، التي قالت: ”لم يرد على سؤال واحد من أسئلتي بشكل واضح“، لكنه أكد لها أنه يعمل مع جهاز الأمن الفيدرالي، وهو الركن الأساسي لنظام الأمن الروسي المكرس للحفاظ ولإبقاء الرئيس فلاديمير بوتين في السلطة.

وبعد أيام قليلة من الاجتماع، نشرت غريزنيفيتش تفاصيل عنه على ”فيسبوك“، موضحة أنها ترغب بأن يعرف أكبر قدر ممكن من الناس عن تجربتها، حتى ”يقل عدد الواشين في صفوفنا“.

وقدمت غريزنيفيتش، نصيحة لأهداف التجنيد المحتملين الآخرين، قائلة: “ لا تحاولوا التذاكي عليهم، فهم ليسوا أغبياء“. كما حذّرت من الوقوع ضحيةً لمفاتن المجنّد، مضيفةً أن ”هؤلاء ليسوا كالشرطة الذين يمسكون بك في الشارع ويدفعون وجهك إلى الأرض. هؤلاء هم أشخاص يقدمون تحيات وإطراءات وكياسة ذكية، لكن الجوهر نفسه“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com