تخزين الذهب ملاذ الإيرانيين لمواجهة الانهيار الاقتصادي في البلاد

تخزين الذهب ملاذ الإيرانيين لمواجهة الانهيار الاقتصادي في البلاد

المصدر: أبانوب سامي - إرم نيوز

شرع الإيرانيون بتخزين الذهب، كضمان لهم بعد انهيار العملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع دخول العقوبات الاقتصادية الأمريكية حيّز التنفيذ اليوم الثلاثاء؛ ما دفع سعر المعدن الأصفر إلى الارتفاع بمستويات قياسية في طهران.

وبحسب صحيفة ”وول ستريت جورنال“ الأمريكية، فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دفعة أولى من العقوبات تم التخلي عنها بموجب الاتفاق النووي الإيراني، وذلك بعد أن أبرمت إدارة أوباما السابقة الاتفاق، وخففت العقوبات، مقابل فرض قيود على برنامج إيران النووي.

وانسحب الرئيس ترامب من تلك الصفقة متعددة الأطراف في مايو/ أيار الماضي، قائلًا إنها ”لم تتعامل مع الوضع العسكري الإيراني في سوريا ولبنان ودول أخرى في الشرق الأوسط“.

تقييد التعامل بالعملة المحلية والمعادن الثمينة

وتقيّد العقوبات الجديدة، التعاملات بالعملة الإيرانية، وصناعة السيارات الإيرانية، كما أنها تهدد بمعاقبة البنوك التي تموّل تجارة المعادن الثمينة مع إيران، وكل من يبيع المعادن النفيسة لحكومتها.

ومع الشعور بالقلق من هشاشة الاقتصاد وترويج الحكومة لمبيعات العملات الذهبية، حوّل الإيرانيون مدخراتهم إلى ذهب في الآونة الأخيرة.

وأفاد تقرير لمجلس الذهب العالمي، الخميس الماضي، بأنه بالرغم من ارتفاع الأسعار، تضاعف الطلب على السبائك والعملات الذهبية 3 مرات في السنة الماضية، وفي الربع الثاني من العام الجاري إلى حوالي 15 طنًا متريًا.

كما صك البنك المركزي الإيراني، مئات الآلاف من العملات الجديدة، أي أكثر من 60 طنًا من الذهب، لزيادة العرض، ولم يكن لهذه الخطوة تأثيرٌ يُذكر سوى زيادة الطلب على المعدن.

وقال رئيس لجنة الذهب والمجوهرات في غرفة نقابات إيران، وهي ائتلاف من التجار، محمد كاشيتيراي: إن ”الناس تقوم بتحويل أموالها إلى ذهب؛ لأنه سلعة استثمارية يمكن الاعتماد عليها“.

ووصلت نسبة التضخم والبطالة إلى مستويات مرتفعة هذا العام، ومن المتوقع أن يتقلص الاقتصاد في العام المقبل مع فرض العقوبات.

والأمر الأكثر إثارة للقلق، هو أن العملة الإيرانية شهدت تراجعًا قياسيًا هذا العام، إذ أصبح الدولار الأمريكي يساوي 101 ألف ريال إيراني، بعدما كان يساوي 43 ألف ريال في يناير/ كانون الثاني الماضي، وفقاً لموقع ”بونباست“ الذي يتتبع معدلات الصرف غير الرسمية.

عقوبات واحتجاجات

ومن المتوقع أن تستهدف موجة العقوبات الأمريكية الثانية المزمع تنفيذها في نوفمبر/ تشرين الثاني، صناعات النفط والشحن الإيرانية.

وقد أدى الضغط الأمريكي على العملاء الآسيويين بالفعل إلى انخفاض مبيعات النفط الخام التي تمثل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الإيراني.

وأثار الضيق الاقتصادي استياءً شعبيًا من القيادة الإيرانية، ففي ديسمبر/ كانون الأول، اندلعت أكبر مظاهرات في عقد من الزمان تقريبًا، وخرج العديد من الحشود الغاضبة إلى الشوارع في الأسبوع الماضي في أكبر موجة من الاضطرابات منذ كانون الثاني/ يناير، والتي غالبًا ما تتصادم مع قوات الأمن، وتهتف لإسقاط النظام مع عودة العقوبات.

وقالت وكالة أنباء ”فارس“ إن الصدامات بين الشرطة والمتظاهرين، أسفرت عن مقتل شخص وإصابة 20 آخرين يوم الجمعة المنصرم في كرج غرب طهران.

الذهب ملاذ آمن

وبالنسبة للإيرانيين، يعد تقديم العملات الذهبية كهدايا خلال الأعياد والاحتفالات برأس السنة الجديدة، وشراء الحلي الذهبية خلال حفلات الزفاف، من التقاليد المتأصلة في المجتمع، ولكن الزيادة الأخيرة في الأسعار تفوق بكثير الطلب القياسي.

واصطف الإيرانيون خارج البنوك هذا العام، لتقديم طلبات مسبقة لعملات ”إيمامي“ في مزادات البنك المركزي، حيث يتم تسعيرها في كثير من الأحيان بأسعار أقل من السوق.

وبلغ سعر ”إيمامي“، وهي عملة ذهبية أصدرها البنك المركزي، وتزن 8.13 غرام، حوالي 36 مليون ريال، الأحد الماضي، وهو ما يزيد على ضعف سعرها في يناير/كانون الثاني، كما سجلت رقمًا قياسيًا ببلوغ سعرها أكثر من 45 مليون ريال قبل أسبوع.

وتخلق زيادة الطلب على الذهب في إيران، صورة هشة لها على مستوى العالم، إذ انخفضت أسعار الذهب الفورية بنحو 6٪ هذا العام، ليبلغ سعر الأونصة حوالي 1200 دولار.

ومع ذلك، لم يستفد بائعو الذهب في طهران كثيرًا من الطلب المتزايد عليه، الذي كان في المقام الأول للعملات الذهبية، إذ قال أمير دهغان، صاحب متجر ذهب في طهران إنه ”لا يرى الكثير من المشترين، وكان مترددًا في البيع؛ لأن الأسعار المرتفعة ستجعل شراء بضائع بديلة أكثر تكلفة“.

وأضاف:“إذا بعت كمية  تبلغ حوالي 40 غرامًا اليوم، أقلق بشأن استبدالها في خضم ارتفاع الأسعار“.

وانخفض الطلب على الحلي في إيران بنسبة 36٪ على أساس سنوي في الربع الثاني، إلى أدنى مستوى سجله مجلس الذهب العالمي، ويرجع ذلك -جزئيًا- إلى فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 9٪، وبسبب الأولوية التي يضعها الإيرانيون للاستثمار في الزينة.

ومع قرب الأسعار للأرقام القياسية، يقول الكثير من الإيرانيين، إنهم يشترون لأنهم مضطرون لذلك فقط، إذ أشار مهندس كمبيوتر يدعى باني، إلى إنه كان يتسوق لشراء شبكة لعروسه، وقال: ”هذه هي التقاليد، أنا أشتري الآن لأنني مضطر، ولكن بخلاف ذلك، الوقت ليس مناسبًا“.

وقال رئيس استخبارات السوق في مجلس الذهب العالمي، اليستير هيويت، إن ندرة الخيارات الاستثمارية الآمنة الأخرى في الاقتصاد المنعزل نسبيًا، والنظام المالي المتخلف، أعطى الذهب دفعة إضافية عندما ساد الخوف.

وأضاف: ”الوصول إلى الدولار ليس متاحًا في إيران كما هو متاح في أماكن أخرى، لذلك فإن الذهب هو أحد البدائل الوحيدة الآمنة“.

مواجهة العقوبات

وفي الأشهر الأخيرة، حاولت السلطات الإيرانية أن تكبح ارتفاع أسعار الذهب كجزء من الخطوات التي كانوا يأملون أنها ستوقف ضعف العملة أيضًا، ولكن حتى الآن لم تحقق طهران نجاحًا يذكر.

وعشية فرض عقوبات الولايات المتحدة الجديدة، قرر البنك المركزي الإيراني يوم الأحد، تخفيف قواعد الصرف الأجنبي، في أحدث محاولاته لوقف تراجع العملة مقابل الدولار.

ومن بين التحركات المخطط لها، سترفع السلطات الإيرانية، اليوم الثلاثاء، الحظر المفروض على بيع العملة الصعبة بأسعار السوق بمبالغ صغيرة في مكاتب الصرافة المصرح بها، وستؤسس آلية للمصدرين لبيع العملات للمستوردين، وستلغي التعريفات الجمركية والضرائب على تدفق العملة والذهب إلى إيران.

وفي أواخر العام الماضي، استأنف البنك المركزي مزادات العملات الإمامية، في محاولة للحفاظ على ثبات الأسعار، وإبعاد أموال الإيرانيين عن الاستثمارات الأجنبية التي كانت تضعف الريال.

وكان الطلب على الذهب قويًا إلى الحد الذي جعل الأسعار تتخطى حتى انخفاض الريال التاريخي مقابل الدولار. وبعد احتساب تقلبات الريال، ارتفع سعر عملة إمامي من 346 دولارًا في يناير/ كانون الثاني إلى 379 دولارًا اليوم، أي بزيادة بلغت نسبتها 9.5٪.

وفي الأشهر الأخيرة، حوَّلت السلطات تركيزها إلى ملاحقة الأشخاص الذين يُزعم أنهم يخزنون العملات الذهبية، في محاولة لإبقاء الأسعار مرتفعة. إذ ألقت الشرطة في يوليو/ تموز، القبض على رجل يبلغ من العمر 58 عامًا، أطلقت عليه وسائل الإعلام المحلية لقب ”ملك العملة“، والذي يزعم أنه جمع 2 طن من عملات البنك المركزي، بمساعدة العديد من المتواطئين، بهدف كسب المال عن طريق بيعها ببطء مع ارتفاع الأسعار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com