أطماع تركيا تدفع اليسار اليوناني إلى أحضان إسرائيل رغم العداوة التاريخية 

أطماع تركيا تدفع اليسار اليوناني إلى أحضان إسرائيل رغم العداوة التاريخية 

المصدر: أبانوب سامي- إرم نيوز

من الصعب العثور على مثال أفضل على تفوق الحقائق الجيوسياسية على الأيديولوجية، من الصداقة المزدهرة بين إسرائيل واليونان.

وبصفته زعيم حزب ”سيريزا“ اليساري اليوناني قبل أن يتولى منصبه في عام 2015، دعا رئيس الوزراء الكسيس تسيبراس إلى طرد السفير الإسرائيلي وإغلاق الموانئ اليونانية في وجه شحنات الأسلحة الأمريكية المتجهة إلى إسرائيل.

ووفقًا لصحيفة ”وول ستريت جورنال“ الأمريكية، لا يزال حلفاء سيريزا اليساريون في أوروبا يهاجمون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية، ويدعم ويموّل الكثير منهم حملات المقاطعة والعقوبات وسحب الاستثمار من إسرائيل.

ولكن الآن يعمل ”تسيبراس“ على تكثيف التعاون مع إسرائيل، ويعقد قادة إسرائيل واليونان وقبرص مؤتمرات قمة ثلاثية منتظمة، كان آخرها في شهر مايو الماضي، ويستخدم سلاح الجو الإسرائيلي المجال الجوي اليوناني للتدريب، وبالتعاون مع مصر تطور الدول الثلاث احتياطي الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط.

انهيار الصداقة مع تركيا

قبل أن تنهار الصداقة طويلة الأمد بين إسرائيل وتركيا في عام 2010، صقل طيارو المقاتلات الإسرائيلية مهاراتهم في المجال الجوي التركي، وباعت إسرائيل المعدات العسكرية لأنقرة، وتدفق السياح الإسرائيليون إلى تركيا.

أما الآن فتهدد السياسة الخارجية المتشددة التي يتبناها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي تسعى إلى إبراز قوة تركيا عبر المنطقة، إسرائيل واليونان على حد سواء، وتوحدهما كما لم يحدث من قبل، إذ تشعر اليونان بالقلق إزاء التوغلات التركية في المناطق المتنازع عليها في بحر إيجه، وتختلف إسرائيل وتركيا حول تأييد أنقرة لحركة حماس الفلسطينية.

وتعتبر قبرص المقسمة بين الحكومة المعترف بها دوليًا في الجنوب الذي يسكنه اليونانيون، والمناطق التي يسيطر عليها الجيش التركي منذ عام 1974، موضع خلاف أيضًا، خاصة مع معارضة أنقرة تطوير حقول الغاز البحرية القبرصية.

وقال ياني بورنوس رئيس العلاقات الدولية في حزب سيريزا ورئيس التخطيط الإستراتيجي لتسيبراس ”علينا أن نعمل بطريقة تحمي العلاقات الجيوإستراتيجية القوية مع جيراننا، مع الأخذ في الاعتبار أننا لسنا جيران سويسرا أو ليختنشتاين، بل جار عدواني للغاية في بعض الأحيان“.

وأكد مسؤول يوناني كبير آخر بصراحة أكبر: ”هناك دولتان تتنازعان على النفوذ في المنطقة، تركيا وإسرائيل، ويجب أن نكون أصدقاء مع واحدة على الأقل“.

في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، كانت اليونان من بين أقسى منتقدي إسرائيل في أوروبا ومؤيدة قوية للقضية الفلسطينية، ولكن هذا التغيير في المسار جاء في عام 2010، عندما وجد رئيس الوزراء اليوناني آنذاك ”جورج باباندريو“ ونتنياهو نفسيهما في زيارة إلى موسكو في الوقت نفسه.

وبحسب ”أرييه ميكل“، السفير الإسرائيلي السابق باليونان، ”في عشاء خاص في مطعم بوشكين بالعاصمة الروسية، أدرك الرجلان مدى ما يمكنهما تحقيقه من خلال التعاون“.

وفي العام التالي قدمت اليونان لإسرائيل خدمة كبيرة من خلال حظر أسطول دولي من القوارب التي تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على غزة من دخول الموانئ اليونانية.

وداهمت البحرية الإسرائيلية أسطولًا مشابهًا نظمته مؤسسة خيرية تركية في عام 2010 لدعم الفلسطينيين، في حادث قٌتل فيه 9 نشطاء أتراك، وكانت هذه نقطة التحول في العلاقة الإسرائيلية التركية.

وقال ميكيل وهو الآن زميل في مركز ”بيغن-السادات“ للدراسات الإستراتيجية في إسرائيل: ”كانت إسرائيل ممتنة للغاية لأن اليونان منعت مشكلة محتملة كبيرة، إذ تحتاج إسرائيل إلى أصدقاء جيدين في المنطقة، وليس لدينا الكثير“.

وواصلت حكومة الوسط اليميني التي حكمت اليونان ما بين عامي 2012 و2015 سياسة ”باباندريو“ الصديقة لإسرائيل، لكن عندما أصبح سيريزا الحزب الحاكم، شعر المسؤولون الإسرائيليون بالذعر بسبب سجل الحزب المعارض لإسرائيل.

قلق إسرائيل

قال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز الذي شغل منصب وزير الاستخبارات والشؤون الإستراتيجية في عام 2015: ”عندما وصل تسيبراس إلى السلطة، قال الكثيرون في الحكومة الإسرائيلية إنه يساري وشيوعي، وكان العديد من الإسرائيليين قلقين للغاية من تراجع العلاقة مع اليونان، ولكن ما حدث كان عكس ذلك، وأصبحنا أصدقاء جيدين جدًا“.

وأوضح وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي تساحي هنغبي: ”كان قرار تسيبراس بتبني علاقة إستراتيجية مع إسرائيل مفاجأة، لكننا سعداء بأنها كانت مفاجأة سارة“.

وأضاف ”إن تعاون إسرائيل مع اليونان وقبرص ليس موجهًا ضد أنقرة، وإسرائيل ترغب في إحياء العلاقات الوثيقة مع تركيا، ولكن في تلك الاثناء بما أن هذا التوتر موجود، نحن لا نجلس في انتظار حدوث المعجزات ونحرص على تعزيز علاقاتنا مع الدول المجاورة الأخرى مثل: قبرص واليونان“.

ومن جانبهم، يقول المسؤولون اليونانيون، إن شراكتهم مع إسرائيل ليست على حساب الفلسطينيين، إذ لا تزال أثينا تدعم إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وتصوّت باستمرار لصالح القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة.

وقال جورج كاترولوس وزير الشؤون الخارجية المناوب في اليونان: ”نحن لا نتخلى عن الفلسطينيين، ولكن يجب علينا -أيضًا- أن نأخذ في الاعتبار مصالحنا الوطنية، التي تتمثل في تحقيق موازنة النفوذ المتزايد لتركيا في المنطقة“.

وشرح بورنوس من حزب سيريزا، أن إعطاء الأولوية للمصالح الجيوسياسية لليونان ”أثار فزعًا كبيرًا بين حلفاء سيريزا في اليسار الأوروبي“.

وقال ”بالطبع تلقينا انتقادات، لكن لا أحد من هذه الأحزاب يواجه تعقيدات حكم دولة في الاتحاد الأوروبي، والأولويات تتغير بشكل جذري عندما تكون في هذا الموقف، إذ تضطر إلى التعامل مع العديد من الاختلالات والعديد من الاضطرابات.. إنه واقع مختلف“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com