أزمة المهاجرين تطيح بخطة ماكرون ”الكبرى“ – إرم نيوز‬‎

أزمة المهاجرين تطيح بخطة ماكرون ”الكبرى“

أزمة المهاجرين تطيح بخطة ماكرون ”الكبرى“

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

ربما تبدو جبال الألب الفرنسية مكانًا غريبًا للعثور على ما تزعم أنجيلا ميركل أنه يهدد أوروبا، لكن صحيفة ”ذي تايمز“ البريطانية أشارت إلى أن الوقوف على الممر الجبلي الذي عبره هانيبال سابقًا لغزو روما، يكشف عن سبب قلق المستشارة الألمانية.

وقالت كريستيل ليخيفالييه، وهي عضو في البرلمان الأوروبي من حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، في فيديو صورته على موقع ”يوتيوب“ مع أعضاء من مجموعة ”جينيريشن آيدنتتي“ أو ”جيل الهوية“، وهي مجموعة مكونة من ناشطين شباب ملتزمين بإبعاد الإسلام والأوروبيين غير العرقيين من القارة:“إن لم نقم بشيء حيال حدودنا، سنختفي“.

ومن خلف ليخيفالييه خلال التصوير، كان يمكن مشاهدة 3 رجال أفريقيين يعبرون الحدود بشكل غير قانوني من إيطاليا إلى فرنسا.

وكان الرجال الثلاثة الذين يعبرون إلى ”مونجينيفر“ جزءًا من محور قمة بروكسل المشحونة قبل يومين، وتوصلت قُبيل فجر الجمعة مباشرة إلى اتفاق غامض يقضي بإرسال المهاجرين إلى ”مراكز خاضعة للمراقبة“ على أراضي الاتحاد الأوروبي من أجل ”التنظيم والفرز“ وعدم تركهم يتجولون في أنحاء الاتحاد.

وحذَّرت ميركل الزعماء المجتمعين من أن مستقبل الاتحاد الأوروبي يتوقف على ما إذا كانوا يستطيعون إيجاد إجابات عن ”الأسئلة الحاسمة“ التي يفرضها ملف الهجرة.

وكانت المخاوف من ”غزو“ مهاجرين قد عززت جيلًا جديدًا من قادة اليمين في أنحاء أوروبا، مثل المستشار النمساوي سيباستيان كورتس البالغ من العمر 31 عامًا، ووزير الداخلية الإيطالي المتشدد ماتيو سالفيني البالغ من العمر 45 عامًا، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان البالغ من العمر 55 عامًا.

وعلى نحو متزايد ، يفتح ”محور الراغبين“ الشعبوي هذا سبيلًا بديلًا للمحافظة الأوروبية بعد 12 عامًا ونصف العام من ميول ميركل المعتدلة، وخلال هذه العملية يقوم المحور بتهميش الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون البالغ من العمر 40 عامًا، وطموحاته الخاصة بإعادة تشكيل أوروبا.

ويعد التوصل لاتفاق على ”مراكز تجهيز“ للمهاجرين، انتصارًا للحكومة الشعبوية الجديدة في روما والتي أعاقت المناقشات في القمة، وهددت باستخدام حق النقض.

وقال غوغليلمو بيكي وهو مساعد وزير الخارجية الإيطالي للشؤون الخارجية والتعاون الدولي، وصديق ستيف بانون الأمريكي اليميني المتطرف، إن ”إيطاليا لن تكون مخيم اللاجئين في أوروبا، في حين كانت الحكومات الإيطالية السابقة ضعيفة، فإن هذه الحكومة تعرب عما في بالها صراحة“.

مهزلة ملف الهجرة

في ظاهر الأمر، لا ينبغي أن تكون هناك أزمة مهاجرين، لأن عدد الوافدين غير الشرعيين في الاتحاد الأوروبي انخفض بنسبة 96% منذ وصولهم الذروة في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وفقًا للمجلس الأوروبي، لكن الأزمة تتعلق بما يجب فعله مع الأشخاص الموجودين بالفعل، خاصة مئات الآلاف من الذين رُفضت طلبات لجوئهم، والذين يعيشون في الظلال.

ولا تخلو مدينة بدءًا من تورينو، ووصولًا إلى الحدود الفرنسية، من المهاجرين الأفارقة الطليقين الذين يمكثون في محطات القطار، ويختبئون من الشرطة، وينامون في محطات الحافلات، والمتطلعين لعبور جبال الألب.

ويتوجه عشرات الآلاف من المهاجرين بحرًا والذين يقطنون في إيطاليا والبالغ عددهم نصف مليون إلى الشمال، وهو أمر مثالي للشعبويين، فبموجب لوائح الاتحاد الأوروبي المسماة ”اتفاقية دبلن“، يجب على المهاجرين طلب اللجوء في أول بلد يصلون إليه، ومن الناحية العملية  تعني الحدود المفتوحة لمنطقة الشنغن التي تخلو من جوازات السفر أنهم يستطيعون تجربة حظهم في مكان آخر.

وأصبحت سياسة اللجوء في الاتحاد الأوروبي في منتجعات التزلج على الجليد مثل مونجينيفر، ”مهزلة“، حيث ينقل أفراد الشرطة الفرنسية الذين يمرون أثناء تنقلهم عبر مناظر طبيعية ضخمة من القمم، والمنحدرات، ومسارات المشي الطويلة، عددًا قليلًا من المهاجرين الذين يضبطونهم إلى إيطاليا، والذين من جانبهم ينطلقون بسرعة من جديد.

ويدخل تقريبًا كل مهاجر فرنسا في نهاية المطاف من خلال الانزلاق على منحدرات التزلج، أو الممرات الوعرة خلال الليل، ومن السهل فهم لماذا يعتقد الناخبون الأوروبيون أن حكوماتهم ميئوس منها من خلال مراقبة هؤلاء الداخلين غير الشرعيين.

أوجه قصور سياسات ماكرون

لقد غيّرت أزمة الهجرة السياسة الأوروبية أكثر بكثير مما توقعه الكثيرون عندما بدأت، حيث زعزعت الأسر السياسية، وتحالفات الاتحاد الأوروبي، والآن توازن القوى، وإذا أصبحت ميركل ضعيفة فإن ذات الأمر ينطبق على ماكرون والذي بعد أن أغرى الناخبين في بلاده بالقبول بالإصلاح في الداخل، وجد أن أسلوبه لا يعمل مع بقية أوروبا.

وقال أرنود دانجان، وهو عضو في البرلمان الأوروبي من اليمين المعتدل، ومن أبرز مؤلفي المراجعة الإستراتيجية الأحدث لماكرون:“إذا كان عليَّ أن أُلخص ذلك، فإن السرد إيجابي للغاية وجذاب، لكن الأمور القابلة للتسليم مهمة، ولا توجد نتائج فعلية لجعل القصة مقنعة“.

ويعتقد دانجان أن تركيز ماكرون على إصلاح منطقة اليورو من خلال محاولة جعل ألمانيا تقدم المساعدة لأضعف أعضائها كان خطًأ، نظرًا لأن القضية الحقيقية هي الهجرة.

وتتطلب خطط ماكرون الضخمة أن تكون روما مطواعة، ويجب أن تكون إيطاليا، مع اقتصادها الضعيف، حليفًا طبيعيًا لفرنسا في إصلاح منطقة اليورو، ولكن بحسب دانجان ”بدلًا من ذلك، وبسبب الهجرة، يعد ماتيو سالفيني عدوًا لماكرون“.

وقال جيرالد كناوس، وهو مؤسس نمساوي لمؤسسة أبحاث، والذي كان مهندس اتفاق الاتحاد الأوروبي مع تركيا لعام 2016 الذي أبطأ التدفق الهائل للاجئين السوريين إلى أوروبا:“ماكرون لديه موطن ضعف واحد، وهو أنه لا يملك إجابة عندما يتعلق الأمر بالهجرة، هو يقول كل الأمور الصحيحة، لكن عندما يتعلق الأمر بتنفيذها ليس لديه أدنى فكرة“.

وأشار كناوس إلى أن هذا الفراغ في سياسة ماكرون، اتضح عندما أعاد سالفيني سفينة إنقاذ المهاجرين ”أكواريوس“ الشهر الماضي، عندها قام الرئيس الفرنسي سريعًا بتوبيخ الرئيس الإيطالي، لكنه رفض إدخال السفينة إلى فرنسا.

وبدأت حالة من الإحباط تزحف بهدوء إلى الدبلوماسية الفرنسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصلاح منطقة اليورو، حيث لم يكسب ماكرون صف أي حلفاء أقوياء، وحصل على تنازلات قليلة من ألمانيا.

ويأسف دانجان  للطريقة التي تعامل بها ماكرون وشعبه ”بازدراء“ مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ترأسه ميركل وتحالفه المحافظ في البرلمان الأوروبي، حزب الشعب الأوروبي (EPP).

وبفشله بفهم كيف أن السياسة الألمانية قائمة على الأحزاب والموالاة للحزب، لم يكسب قصر الإليزيه سوى عددٍ قليلٍ من الأصدقاء، قال دانجان إنهم ”كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون تكرار ما فعلوه في فرنسا، بأن يكونوا المنقذين، ويحطموا الأحزاب القديمة، لكن تبيّن أنه لا أحد كان ينتظرهم في بروكسل“.

صيد كورتس في المياه العكرة

وعلى العكس من ذلك، يملك كورتس تأثيرًا تحويليًا على السياسة الألمانية، حيث يوضح أن هناك طريقة أخرى لبناء تحالف في أوروبا، تتمثل في جمع اليمين المعتدل والمتطرف معًا، مثل حكومته في فيينا، وبفضل ظهوره المتكرر على وسائل الإعلام الألمانية أصبح يعتبر في بعض الأحيان سياسيًا ألمانيًا أيضًا، بينما لا يزال يعتبر ماكرون دخيلًا.

ولاحظ دانجان تغيرًا في طريقة تحية حزب الشعب الأوروبي لقادته، حيث قال:“لا تزال ميركل ملكة الحزب، لكن عند زيارة كورتس تم استقباله بترحيب حارٍ للغاية“.

وتساءلت صحيفة ”ذي تايمز“ البريطانية عمّا يريد كورتس وحلفاؤه تحقيقه، وكان الجواب هو أنهم حتى الآن، لم يصنعوا الكثير من السياسات، حيث لا يستطيع أحد الاتفاق على إستراتيجية مشتركة بشأن الهجرة، فسالفيني يرغب بأن تتم مشاركة المهاجرين، بينما يريد أن يبقيهم كورتس في إيطاليا، ويرغب البافاريون بأن يُعادوا إلى النمسا.

وفي اللحظة الحرجة التي كادت بافاريا أن تقنع فيها النمسا باستعادة المهاجرين غير الشرعيين، وتفكيك سلطة ميركل بتحدي إصرارها على إبقاء الحدود مفتوحة، شعرت فيينا بالخوف.

وقال كناوس:“ما يجمع هذا التحالف ليس رغبة بحل مشكلة الهجرة، كما أن الأمر المشترك بينهم ليس سياسة، بل رواية عن الصرامة، والترحيل، ومعاداة الإسلام“.

وأضاف:“المعركة ليست من أجل الحدود، بل من أجل روح اليمين المعتدل في أوروبا، وما يريده كورتس، وسالفيني، وأوربان حقًا، هو كسر قبضة ميركل على مبادئ المحافظين الأوروبيين السائدة“.

ومنذ وقت ليس ببعيد، بدا أن ماكرون هو الشخص الذي سيغيّر أوروبا، والآن يتم تخويف أعضاء البرلمان الأوروبي اليساريين منذ فترة طويلة من مسيرة ”محور الراغبين“.

وقالت آنا جوميز، وهي اشتراكية برتغالية إن ”أجندتهم هي في الواقع تدمير الاتحاد الأوروبي باستخدام الأكاذيب، والخوف من الهجرة، إنها استراتيجية، وجدول أعمال فاشي“.

وأدى ذلك إلى جعل إنقاذ ميركل رمزًا، فبالنسبة لحلفائها في جميع أنحاء أوروبا، يعتبر دعمها هو إنقاذ للتيار المحافظ القديم، وقال أحد حلفاء ميركل:“قبل هذه القمة، كان عدد المكالمات التي كنا نتلقاها من حلفائنا في جميع أنحاء شمال أوروبا حول كيفية إنقاذ ميركل ضخمًا،  فهم يدركون ما هو على المحك“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com