كيف ستستغل أمريكا انهيار التحالف المؤيد للأسد بين روسيا وإيران؟

كيف ستستغل أمريكا انهيار التحالف المؤيد للأسد بين روسيا وإيران؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

تحدّث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بنبرة قاسية في خطاب في 21 من أيار/ مايو، عقب قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاقية النووي، وتوعّد في خطابه بمواجهة الحرس الثوري الإيراني، وشبكات الميليشيات متعددة الجنسيات، المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط.

 لكن هذه الكلمات القوية لم تقابل بعد بأفعال مثلها، منذ سنوات والولايات المتحدة تكافح من أجل التوصل لإستراتيجية احتواء وفي نهاية المطاف ردع للنفوذ الإيراني في سوريا، التي تعد أكثر ساحات المعارك المتنازع عليها في الشرق الأوسط.

لكن قد يكون هذا على وشك التغيّر، بفضل الانقسام في التحالف الداعم للرئيس السوري بشّار الأسد.

وعلى أحد جانَبي الانقسام توجد إيران التي تسعى إلى تعزيز مكاسبها في سوريا من أجل ممارسة الضغط العسكري على إسرائيل، وعلى الجانب الآخر يوجد نظام الأسد وحزب الله وروسيا، الذين يخشون جميعًا وقوع نزاع كبير مع إسرائيل، من شأنه أن يقوّض ما حاربوا من أجله في بلاد الشام خلال العقد الماضي، ويمكن أن تقدّم هذه الانقسامات لواشنطن الفرصة التي سعت لها من أجل كبح طموحات طهران في سوريا.

التداعي

موقف الأسد اليوم هو الأقوى منذ بدء الثورة السورية عام 2012. وخلال السنتين الماضيتين حقق النظام السوري وحلفاؤه مكاسب كبيرة على الأرض، خاصةً في المناطق الإستراتيجية حول العاصمة دمشق، وفي معقل حكم المعارضة الأخير في محافظة حمص، حيث يفتقر معارضو الأسد للإرادة أو القدرة على منعه من كسب الحرب ببطء.

ولعبت روسيا دورًا أساسيًا في مساعدة الأسد على البقاء في السلطة، إلا أن الحليف الأكثر أهمية للنظام كان إيران، التي استغلّت تدخلها في سوريا لوضع أسس وجود عسكري دائم فيها.

 وساهم استثمار الحرس الثوري الإيراني الموّسع في سوريا، إلى السماح له بإعادة تشكيل العديد من جوانب الحالة الأمنية للأسد، حيث منح مباركته لنشر حزب الله الآلاف من القوات في سوريا، جنبًا إلى جلبه آلافًا أخرى من الأفغان والعراقيين والباكستانيين واليمنيين للقتال بالنيابة عن الأسد، وفد قام أيضًا بتجنيد وحشد الميليشيات المحلية من المجتمع السوري ذي الهويات المتعددة، بما في ذلك العرب السنة. ولم يغفل الحرس الثوري الإيراني عن أهمية التغلغل في الاقتصاد السوري حيث فاز بعقود لإعادة تأهيل وتوسيع صناعات التعدين والاتصالات في البلاد.

وتحاول إيران الآن استخدام قواتها في سوريا لممارسة الضغط الإستراتيجي على إسرائيل، وهي تعمل على مساعدة حزب الله في بناء منشآت لإنتاج الصواريخ والقذائف داخل لبنان، ومنطقة الحدود اللبنانية السورية وتواصل نقل الأسلحة المتطورة، التي يمكن استخدامها لتهديد إسرائيل للمجموعة، وفي الأشهر الأخيرة، قامت إيران بنشر القوات الاستفزازية بالقرب من حدود إسرائيل، وأطلقت صواريخ على مرتفعات الجولان؛ ما دفع إسرائيل إلى تنفيذ ثأر عنيف.

ويعد الدافع وراء المواجهة هو تعارض أولويات إيران مع أولويات الأسد وحلفائه الآخرين، ومع قيام الأسد بتوطيد حكمه، بدأ يسعى هو ومؤيدوه إلى تطبيع وجوده، وتأمين تمويل إعادة الإعمار. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن يحصل الأسد على أموال إعادة إعمار من الغرب، فإنه يأمل أن تبحث البرازيل والصين والهند وبعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا، عن فرص استثمارية في إعادة بناء سوريا.

ومن جانبه لا يرغب الأسد بخوض حرب ضد إسرائيل التي تعد قوة عسكرية قادرة على إلحاق أضرار بالغة داخل سوريا، وتقويض مساعيه للتوطيد والتطبيع، علاوة على ذلك، لن تحصل سوريا على الاستثمارات الدولية المنشودة في حال استُبدل بالحرب الأهلية السورية على أراضيها، قتالٌ بين إيران وإسرائيل.

هذا ويرغب الروس أيضًا في تجنب صراع سوري مع إسرائيل، فمن جانبه، يرغب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإنهاء الحرب الأهلية في سوريا بطريقة تجلب له الفضل والمكانة الدولية، وأيضًا ترغب موسكو بتعزيز قبضتها على قاعدتها البحرية في طرطوس، وقاعدتها الجوية الوحيدة في الشرق الأوسط في حميميم، التي تعمل على توسيعها الآن لدعم العمليات العسكرية المستقبلية في جميع أنحاء المنطقة، كما يرغب بوتين في تأمين عقود إعادة الإعمار لحلفائه، وخاصة تلك المتعلقة باحتياطات الغاز الطبيعي قبالة الساحل السوري والمناطق الصحراوية الغنية بالطاقة، وسط وشرق سوريا، إلا أن تدخلًا إسرائيليًا كبيرًا يعرض كل ذلك للخطر.

حزب الله أيضًا حذر من الصراع مع إسرائيل. فموقف الجماعة في لبنان الآن، أقوى من أي وقت مضى، وذلك عقب تعزيز المجموعة سلطتها السياسية في الانتخابات التي وقعت في أيار/ مايو. كما أن المجموعة أبعدت خطر المنظمات السنية المتطرفة، مثل تنظيمَي القاعدة وداعش اللذين حاولا استعمال لبنان كقاعدة للقتال في سوريا، الأمر الوحيد الذي بإمكانه تهديد هذه المكاسب سيكون الحرب مع إسرائيل، التي من شأنها أن تدمر كل ما بناه حزب الله منذ آخر حرب له مع إسرائيل في حزيران/ يونيو 2006.

ويعد التحدي الحقيقي الذي يواجهه حزب الله هو وضعه الأضعف بكثير الآن أمام الحرس الثوري الإيراني من أي وقت في تاريخه. ففي حين كان حزب الله هو الوكيل الوحيد لإيران في الشام، ما منحه نفوذًا كبيرًا ضد راعيه، إلا أنه منذ بدء الحرب الأهلية السورية، أنشأ الحرس الثوري الإسلامي، شبكة ميليشيا كبيرة متعددة الجنسيات داخل سوريا، ولا تزال قدرة حزب الله على رفض دفع الحرس الثوري الإسلامي له للدخول في حرب مع إسرائيل موضع تساؤل.

التراجع

أدت هذه الانقسامات بالفعل إلى فصل إيران عن شركائها السابقين في سوريا، على سبيل المثال تم شن غارات جوية إسرائيلية ضد أهداف إيرانية، وأخرى لحزب الله في سوريا بموافقة الروس، إن لم يكن دعمهم، وقد اختارت روسيا عدم وضع قواتها مع القوات الإيرانية، بسبب اتفاقية منع إطلاق النار بين إسرائيل وروسيا فوق الفضاء الجوي السوري، التي تمنح إسرائيل المرونة التي تحتاجها لمهاجمة الأصول الإيرانية في سوريا.

في الآونة الأخيرة، كان هناك خلاف أيضًا بين إيران وروسيا، حول ما إذا كان يجب أن تبقى الميليشيات الأجنبية،  مثل الحرس الثوري الإيراني والشبكات والمليشيات الشيعية في سوريا، مع قرب انتهاء الصراع، وفي أيار/ مايو، وقال بوتين إنه يجب على جميع القوات الأجنبية مغادرة سوريا، وأوضح مبعوثه إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف، فيما بعد، أنّ بوتين كان يقصد الأمريكيين والإيرانيين والأتراك والمليشيات الشيعية الأجنبية، لكن ليس الإسرائيليين، وردًا على ذلك صرحت وزارة الخارجية الإيرانية أنه لا يمكن لأحد أن يُجبر القوات الإيرانية على الخروج من سوريا، وأنها ستبقى إلى أن يطلب منها الأسد المغادرة.

وأشارت صحيفة ”فورين بوليسي“ إلى تناقل تقارير عن قرار نظام الأسد، بالموافقة على سحب القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية المتحالفة معها من منطقة وقف إطلاق النار، قرب الحدود الإسرائيلية والأردنية، وبدلًا من تنفيذ هجوم عسكري في الجزء الجنوب غربي من البلاد، وهو ما تفضله إيران، يمكن أن يختار الأسد العمل عبر روسيا من أجل الاستيلاء السلمي على الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة من خلال اتفاقات المصالحة، التي توفر درجة صغيرة من الحكم الذاتي المحلي.

وتشير التقارير المحلية من جنوب غرب سوريا وخاصة محافظة درعا، بالقرب من الحدود السورية الأردنية، إلى وجود انسحاب القوات الإيرانية وحزب الله من المنطقة، لكن لا يستطيع أحد التنبؤ إلى متى سيستمر، إذا كان الانسحاب حقيقيًا، فقد يكون خطوة رئيسية في إبقاء الحرس الثوري الإسلامي بعيدًا عن الأردن وإسرائيل، ويمكن أيضًا أن يكون بمثابة نموذج لكيف يمكن صد مصالح إيران، عندما تواجه معارضة موحدة من الأسد وحزب الله وروسيا والتهديد الإسرائيلي باستخدام القوة.

خيارات واشنطن

نظرًا لأن الولايات المتحدة اختارت الحد من مشاركتها في سوريا  لا سيما في غرب البلاد، حيث تعد إيران قوية، فإنها لا تتمتع بقدر كبير من النفوذ، ومع ذلك، هناك عدد من الخطوات التي يمكن أن تتخذها الحكومة الأمريكية لتأجيج الانقسامات الحالية في التحالف المؤيد للأسد، ما يقلل من نفوذ إيران في بلاد الشام.

أولاً ، لا يزال موقف إدارة ترامب الرسمي يركز على تغيير النظام من خلال تطبيق الضغط الاقتصادي، ورفض التطبيع مع الأسد، إلا أن هذا الموقف يبقي الأسد على مقربة من الحرس الثوري الإيراني، الذي دونهم يكون ضعيفًا وذلك في الوقت الذي تحاول فيه روسيا فصل الطرفين. للأسف  في هذه المرحلة فإن مصلحة دمشق وموسكو الذاتية هي أفضل وسيلة دفاع ضد طهران.

تحتاج الولايات المتحدة إلى الاعتراف بذلك والاستفادة منه، وهذا لا يعني العودة للاشتباك الكامل مع الأسد، المسؤول عن مقتل حوالي 500 ألف من مواطنيه، لكنه يعني التخلي عن التوهم بأنه يمكن إزالة الأسد أو نظامه في أي وقت قريب.

ثانيًا، يجب على الولايات المتحدة أن تعلن بشكل لا لبس فيه، أنها تخطط للبقاء في شمال شرق سوريا على المدى الطويل، تحتوي منطقة الوجود الأمريكي في شمال وشرق سوريا على غالبية موارد النفط والمياه والزراعة الرئيسة في البلاد، ما يوفر لإدارة ترامب الكثير من النفوذ على مستقبل سوريا.

وكانت تعليقات ترامب المعربة عن  رغبته في الخروج من سوريا غير مفيدة رغم حقيقة أنه تراجع عنها لاحقًا، إذا غادرت الولايات المتحدة شرق سوريا، فإنها ستوحد الأسد وإيران وروسيا في محاولة لاستعادة هذه الأراضي، من جانبهما،  تطمح موسكو ودمشق إلى موارد الطاقة في هذه المنطقة، التي يمكن أن تساعد في تمويل التدخل الروسي، وإعادة الإعمار في سوريا.

ثالثًا، لا تزال الولايات المتحدة قادرة على تشكيل النتيجة في جنوب غرب سوريا، حيث قامت بالتعاون مع الأردن وإسرائيل بالاستثمار بنجاح في قوة معارضة معتدلة احتفظت بهذه الأرض خلال السنوات القليلة الماضية، تقع هذه المنطقة في مرمى فيلق الحرس الثوري الإيراني، وهي المنطقة التي يرجح اندلاع حرب فيها داخل سوريا بين إسرائيل وإيران، يجب على إدارة ترامب أن تعلن بشكل صريح وواضح أن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جنوب غرب سوريا، يجب أن تظل مستقلة، وتحافظ على السيطرة على الحركة من وإلى مجتمعاتها، وتواصل الوصول إلى المساعدات الإنسانية والتجارة عبر الحدود مع الأردن.

ولدعم هذه الأهداف، يجب على ترامب إلغاء تجميد مبلغ 200 مليون دولار مخصصة لتمويل الاستقرار في سوريا، تم تخصيص جزء كبير من هذه الأموال لتدريب وتوظيف مجموعات المعارضة المسلحة بأدوار أمنية محلية، ودعم الحكم المحلي في هذه المجتمعات، هذه الجهود عملية وواقعية إذ لن يؤدي أي منها إلى تعطيل المفاوضات الحالية بين الأردن وروسيا والولايات المتحدة، حول مستقبل جنوب غرب سوريا، وستشير إلى أن ترامب لا يزال مستثمرًا في استقرار المنطقة.

أخيرًا، فيما يتعلق بإسرائيل، أثبتت قوات الدفاع الإسرائيلية قدرتها على ضرب أهداف إيرانية في سوريا، والتهديد بضربات مستقبلية هو نقطة ضغط هامة على طهران، ومع ذلك هذه هي العصا التي ينبغي أن تستخدم بحذر، فمن المؤكد أن الولايات المتحدة ستواصل دعمها لإسرائيل، لكن عليها أيضًا أن تشجع حليفتها على ضبط النفس.

إن إستراتيجية الولايات المتحدة في التركيز على احتواء نفوذ إيران في سوريا من خلال استغلال الانقسامات مع شركائها، ستكون متينة وسط مواجهة إيران قيودًا في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com