ماضي مهاتير يُظلّل حكمه الجديد لماليزيا

ماضي مهاتير يُظلّل حكمه الجديد لماليزيا

المصدر: محمد الزين

مهاتير محمد، الرجل التسعيني الذي حكم ماليزيا سابقًا بقبضة من حديد زهاء 22 عامًا، تصدّر واجهة الأحداث من جديد قبل أيام بعد فوز ائتلافه المعارض بالانتخابات البرلمانية في ماليزيا، والتي أعادته إلى الحكم من دفة المعارضة.

لكن “مهاتير” المعارضة يبدو مختلفًا هذه المرة، فأفكار مهندس “النهضة الشاملة” التي حوّلت أفكاره في تسعينيات القرن الماضي ماليزيا من دولة زراعية إلى بلد صناعي تغيّرت، و “مهاتير المعارض” غارق في تحالفات مُريبة، لم تعهدها بلاده من قبل.

ويقول المتابعون لتطورات الأحداث السياسية في ماليزيا، إن فوز مهاتير محمد قبل أيام، لم يأتي صدفة، فالرجل دشَّن مرحلة “استعادة أمجاده السابقة”، منذ سنوات متناغمًا هذه المرة مع تيار الترويج لأفكار الإسلام السياسي، والدعوة إلى احتجاجات داخل ماليزيا ضد رئيس الوزراء المهزوم نجيب عبدالرزاق، فضلًا عن مطالبته بعدم مساواة السيدات بالرجال في العمل العام.

ولأن الرجل التسعيني، الذي اشتعل رأسه شيبًا في السياسة، يعرف أن عامل السن لن يسعفه في استعادة مجده الضائع، وجد في جماعة الإخوان المشتتة في مصر، واحتضان تركيا لقادة التنظيم الدولي للإخوان، فرصة للتودد لأردوغان، و قطر الحليف الإقليمي للجماعة.

ويقول مراقبون، إن الخسارة المفاجئة للائتلاف الحاكم في ماليزيا منذ 60 عامًا، والذي كان مهاتير محمد يومًا ما جزءًا منه، يعكس حقيقة واحدة وهي أن “الرجل العجوز”، حصد ما أراده منذ سنوات عندما فتح بلاده على مصراعيها أمام قادة الإخوان، ورجال أعمال الجماعة، وطلبتها، فضلًا عن تقرّبه الدائم إلى قطر، ودفاعه عن الإخوان، وتبرئتهم في كل خطاباته.

وماليزيا اليوم، قدرها أن ترى الوجه الآخر لمهندس نهضتها الشاملة، وجهًا مشوهًا بتحالفه مع الإخوان، وممولي الإرهاب في كوالالمبور، فتحركات مهاتير المشبوهة لإسقاط نظام نجيب حققت هدفها الأول، في انتظار أجندات سيكون على مهاتير تمريرها ولو بعد حين.

براءة الإخوان

مهاتير محمد، والإخوان، قصة متشابكة، وغامضة الأهداف، والمرامي، فالرجل الذي ألقى المنديل ذات يوم معتزلًا العمل السياسي، تراجع تحت ضغط التحالف مع “حلف الدم” الذي ترعاه قطر.

ولأن الدوحة كانت تبحث عن موطئ قدم لها في ماليزيا عبر بوابة الحزب الإسلامي، فقد وجدت ضالتها في مهاتير، حيث استغلت الأخير، وربما تكون هي التي موّلت حملته الانتخابية، كما فعلت مع رئيس الوزراء الصومالي عبدالله فرماجو، الذي قدّم الولاء قبل أيام للدوحة، خارقًا مبدأ الحياد الذي التزمته الولايات الصومالية تجاه أزمة قطر الحالية.

اللغز الغامض

يتسلّم مهاتير قيادة الحكومة الماليزية الجديدة، وفي جعبته “اتهام لا يسقط بالتقادم”، وعليه أن يُجيب على السؤال الكبير: من يقف وراء محاولة اغتيال الملك سلمان؟.

والحكومة المنصرفة أشارت تحقيقاتها بأصابع الاتهام إلى الحزب الإسلامي في ماليزيا، والذي تحالف معه “مهاتير” في الانتخابات الأخيرة، وهو ما يعني أن “مهاتير” الذي سمح في العام 2017 لكوادر الإخوان، وتنظيم داعش الممول من قطر، بالعمل في ماليزيا، مطالب بفك هذا اللغز المُحيّر.

وحكومة نجيب، قالت إن خلايا الإرهاب هي التي حاولت اغتيال العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز خلال زيارته إلى ماليزيا، وحينها خرج العجوز متقمصًا دور “محامي الشيطان”، ومستميتًا في دفاعه عن الإخوان، ونافيًا التهمة عنهم.

غير أن وسائل إعلام ماليزية، أكدت حينها أن “حماسة” مهاتير المبالغ فيها أثارت الشكوك حول معرفته بتفاصيل العملية، وسيكون عليه اليوم وهو في موقع المسؤولية، أن يُجيب عن استفهامات عديدة أثارها في مسعاه إلى الظهور من جديد.

مهاتير “القطري”

موقف مهاتير من تظاهرات 30 من يونيو، والتي أنهت حكم الإخوان في مصر، يتماهى إلى حدّ التطابق مع الموقف القطري، وما تروّج له ماكينتها الإعلامية.

وتحت يافطة عريضة مفادها أن أنصار الجماعة احتفوا بزيارته إلى مصر أيام حكم محمد مرسي، وعليه ردّ الجميل، احتضن مهاتير قيادات الجماعة، ورحب بهم في ماليزيا، حيث دعاهم وبرلمانهم الموازي إلى منتدى كوالالمبور كممثلين لمصر، وكان على رأس الوفد الإخواني عمرو دراج رئيس المكتب السياسي للإخوان، وجمال حشمت رئيس البرلمان الإخواني الموازي حينها.

وناقش هذا المنتدى على مدار أيامه الثلاثة التجربة الماليزية ونجاحها، ثم التجربة التركية بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب مستقبل ثورات الربيع العربي التي بدأت في تونس، ومصر، العام 2011.

وهذا هو المعلن من أجندة هذا المنتدى، لكن ما خفي ربما يكون أعظم، حيث اتفق مهاتير مع جماعة الإخوان على الترويج لمشاريع الجماعة الوهمية، والدفع ببراءتها من كل الأعمال التي ترتكبها العناصر المحسوبة عليها، فضلًا عن السماح لطلاب الإخوان بالدراسة في ماليزيا.

وفي المجال الاقتصادي، تعهّد مهاتير بالحفاظ على استثمارات رجال أعمال إخوان مصر في ماليزيا، وفي مقدمتها استثمارات خيرت الشاطر المتهم في بلاده بتمويل الإرهاب.

آخر الدواء

ويرى محللون أن ارتماء “مهاتير” في أحضان جماعة الإخوان، ومموليهم المتهمين برعاية الإرهاب، سيضع تحالفه معهم على محكٍ حقيقي، فإما أن يفي رئيس الحكومة الماليزية الجديدة بوعوده لقطر، وأردوغان، وجماعة الإخوان، وهنا سيضع بلاده في موقف حرج، وسيعرّض علاقاتها بدولٍ وازنة للخطر، وإما أن يكفر مهاتير بتلك الالتزامات ويعتبرها “ضرورة” انتهت صلاحيتها، ولكلٍ من الاحتمالين تكاليف باهظة.

ويبقى مهاتير محمد، مطالبًا في قادم الأيام بالسعي إلى أن يكون فجر ماليزيا الجديد لا مكان فيه لمن خرّبوا دولهم، وورّطوا دولًا أخرى في مشاريعهم الهدّامة، وما أزمة قطر من ذلك ببعيد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع