إيران تغزو أفغانستان بـ ”القوة الناعمة“

إيران تغزو أفغانستان بـ ”القوة الناعمة“

المصدر: شبكة إرم الإخبارية ـ خاص

شكل الاتفاق الذي تم التوصل اليه منتصف الشهر الجاري والقاضي بتقاسم السلطة في أفغانستان، بداية حقبة جديدة في هذا البلد المضطرب، وأعاد الى الواجهة، مجددا، دور إيران التي ستعمل على ترتيب مواقفها بما يتناسب مع الواقع السياسي الجديد.

فبعد جدل طويل، أعلن فوز وزير المالية الأسبق أشرف عبد الغني في انتخابات الرئاسة الأفغانية بعد أن وقع اتفاقا لتقاسم السلطة مع غريمه عبد الله عبد الله لينهي أشهرا من الخلافات على نتيجة الانتخابات التي أدت لزعزعة استقرار البلاد مع استعداد القوات الأجنبية، وخصوصل الأمريكية، للرحيل.

وتواجه الإدارة الجديدة تحديات كبيرة في قتال التمرد الذي تقوده حركة طالبان التي سارعت إلى رفض الاتفاق.

كما تواجه القيادة الأفغانية الجديدة تحديات تتعلق بتحسين حياة المواطنين الأفغان مع نقص المساعدات، في الوقت الذي تقارب فيه العقود مع الائتلاف الذي تقوده حلف شمال الأطلسي على الانتهاء.

وكان الاتفاق الذي وقع هو الحجر النهائي في بناء اوسع لتقاسم السلطة، توسط في التوصل اليه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

ومن بين أولى مهام عبد الغني التوقيع على اتفاق أمني ثنائي طال انتظاره مع الولايات المتحدة للسماح لقوة صغيرة من القوات الأجنبية بالبقاء في أفغانستان بعد عام 2014 .

ويأتي في مقدمة الأولويات، كذلك، بناء علاقات مع دول الجوار، وخصوصا إيران التي تعتبر أفغانستان مصدر قلق دائم لها، فهي تعي أهمية مصالحها في هذا البلد، وتدرك، كذلك، أن هذا الطموح محفوف بالمخاطر.

ترحيب إيراني

بادرت طهران، سريعا، للترحيب بالاتفاق السياسي في أفغانستان، ووصفت الاتفاق بأنه مؤشر على النضج السياسي للنخب والشعب الأفغاني.

وأعربت الخارجية الإيرانية عن أملها في ديمومة الاتفاق الحاصل في ظل دراية ووعي الحكومة الأفغانية الجديدة، وأن تمهد النتائج الإيجابية، لترسيخ الأمن والاستقرار وتحقيق الازدهار الشامل في أفغانستان.

وأكدت الخارجية، في بيانها، أن أيران تؤكد على سياساتها المبدئية في حماية وحدة وتطور أفغانستان واستعدادها للتعاون مع الحكومة الأفغانية الجديدة وتعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات.

ويتخذ الحديث عن العلاقة الإيرانية-الأفغانية أبعادًا أمنية وسياسية واقتصادية فضلاً عن البعد الاجتماعي، كما تفتح الحدود الإيرانية-الأفغانية التي تصل إلى 945 كلم، المجال واسعًا لتهديدات كثيرة، مثل: تهريب المخدرات، والهجرة غير الشرعية، وغياب الأمن عن المناطق الحدودية، ومهاجمة النقاط الأمنية الحدودية.

وتعتبر ايران أن كلاً من العراق وأفغانستان هي ”مناطق رخوة“ حيث اختل فيهما التوازن مما سمح بفتح المجال بصورة أوسع لدخول قوى إقليمية ودولية إليهما، وهذا يعد تهديدا للأمن القومي الإيراني، لذلك لا تتوانى طهران عن التدخل والسيطرة ولعب دور داخل أفغانستان، لا سيما وأن ثمة مشتركات ثقافية وعرقية ولغوية وتاريخية ودينية وهو ما تراهن عليه ايران لدى القيام بأي دور في أفغانستان.

التاريخ يتحدث

ترجع العلاقات الإيرانية ـ الأفغانية إلى عقود طويلة بحكم الجوار والمصالح المشتركة، ولكن من الأهمية بمكان التعرف علي طبيعة تلك العلاقات مع بدء الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، حيث كانت إيران طرفا أساسيا في دعم الجهاد الأفغاني ضد القوات السوفييتية، واستمر ذلك الدعم بعد الانسحاب السوفيتي في فبراير عام 1989 . ولكن استبعاد إيران من ترتيبات الحكم في أفغانستان أثار حفيظة طهران التي عارضت حكومة المجاهدين الانتقالية التي تشكلت في 24فبراير1989 برئاسة صبغة الله مجددي، ودفعها ذلك إلى التقارب مع نظام نجيب الله في كابول توجت باستقباله في مدينة مشهد الإيرانية في نوفمبر1990.

مع سقوط نجيب الله أمام هجمات ”المجاهدين“ ثم نشوب الحرب الأهلية نتيجة الخلافات بين الفصائل الأفغانية حول السلطة، وجدت إيران نفسها منخرطة في تلك الصراعات، حيث عملت على دعم الشيعة وتأييدهم في مواجهة الفصائل الأخرى، غير أن استمرار القتال بين المجاهدين الأفغان أدى في النهاية إلى بروز حركة طالبان في عام 1994 التي استطاعت أن تفرض نفسها رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية الأفغانية، آنذاك.

وقفت إيران، بداية، ضد حركة طالبان في المحافل الدولية بل وقدمت الدعم الاستخباراتي والعسكري والاقتصادي والسياسي من اجل إسقاط هذه الحركة والسبب في ذلك يعود إلى اعتبار إيران أن حركة طالبان خصم أيديولوجي أقام نظامًا دينياً سنياً، فضلاً عن أنها لم تكن راضية عن تعصب طالبان ضد الهزارة ”الشيعة“ وقمعهم وقتل أعداد منهم.

على ضوء هذا الموقف، كانت الحدود الإيرانية ـ الأفغانية في فترة حكم طالبان مصدر قلق دائم بالنسبة لإيران بسبب تهريب المخدرات وقدوم اللاجئين الفارين وسواها من المشاكل. مع دخول قوات التحالف وبدء الاحتلال الأمريكي سادت علاقة معقدة ومركبة بين إيران ومختلف القوى الفاعلة، إذ سعت طهران إلى تحقيق توازن صعب بين مختلف القوى بالطريقة التي تحقق مصالحها الاستراتيجية، لكن ذلك لم ينعش النفوذ الإيراني في أفغانستان، بل تفاقمت لدرجة اقتربت من قيام حرب بين إيران وطالبان، إلى أن سقطت الحركة مع الغزو الأمريكي عام 2001.

أخذت العلاقات الإيرانية ـ الأفغانية صورة جديدة مع مرحلة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، الأمر الذي تمثل في عدة أمور منها عدم اتخاذ موقف سلبي تجاه الحملة الأمريكية على الإرهاب في أفغانستان، فطهران كانت ترغب، من ناحية، في التخلص من نظام طالبان، ومن ناحية أخرى استاءت من استمرار الوجود العسكري الأمريكي سواء في أفغانستان أو الدول المجاورة لها في الشمال والمطلة على بحر قزوين، ومثل هذا الاحتمال سيجعل إيران تشعر بالتطويق المباشر وبالتهديد لمصادر ثرواتها في بحر قزوين، ومن هنا بلورت إيران موقفها حيت أدانت الإرهاب بكل أشكاله، ورفض، في الآن ذاته، التعاون مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وهو ما وصف بـ ”الحياد الإيجابي“.

لكن هذا الحياد لم يدم طويلا، فبعد تزايد النفوذ الأمريكي، وجدت طهران ضرورة في تغيير موقفها إزاء حركة طالبان، إذ راحت تدعمها بشكل أو بآخر، وذلك كجزء من التنافس والصراع بين ايران والولايات المتحدة على خلفية البرنامج النووي والعقوبات الدولية المترتبة عليه، كما أن ايران سعت إلى لعب دور في عملية المصالحة والمحادثات التي جرت بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية من اجل إيجاد دور لها في المستقبل، ومن اجل تأمين المصالح الإيرانية في أفغانستان بكونها ساحة للصراع على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى.

وسعت إيران إلى إعاقة اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وأفغانستان منذ أبريل 2012، ولذلك عملت على تقديم مزيد من الدعم لحركة طالبان بالسماح لها بافتتاح مكتب للحركة في مدينة زاهدان شرق ايران، وتزويد الحركة بعدد من الأسلحة التي من شأنها أن تزيد من معدل العنف في أفغانستان مما يضعف اكثر قوات التحالف الدولي، وتؤدى كذلك إلى ارتفاع قيمة الأنفاق العسكري لهذه الحرب والتي بلغت أرقاما مخيفة.

ومع وصول الرئيس حسن روحاني إلى سدة الحكم في إيران في منتصف عام 2013، عملت إيران على تعزيز مصالحها مع مختلف الفرقاء في أفغانستان، وهي بادرت أخيرا إلى الترحيب بتسلم أشرف عبد الغني السلطة في البلاد، كما تحاول إبعاد أمريكا عن صناعة القرار في هذا البلد، وفتح قنوات للتعاون مع الحكومة الأفغانية للسيطرة على المناطق الحدودية، وفي ملفات أخرى كثيرة.

القوة الناعمة

تعتمد إيران لتحقيق استراتيجيتها في أفغانستان على عدة وسائل، من بينها سياسة ”القوة الناعمة“ من خلال مؤسسة الإمام الخميني الإغاثية التي تلعب دوراً بارزاً في نشر النفوذ الإيراني في أفغانستان، حيث إنها توظف ما يقرب من الثلاثين ألف موظف يعملون في أفغانستان، وتقدم المؤسسة كذلك دعماً مادياً للمواطنين الأفغان كسُلف لبناء المنازل، بالإضافة إلى الدورات التعليمية.

وتعمل المؤسسة على نشر الأفكار والآراء السياسية المناصرة للنظام الإيراني، كما تسهم إيران في بناء المكتبات العامة والمدارس والعيادات وتمهيد الطرق وتقديم مختلف الخدمات للمواطنين الأفغان، وتسعى إيران لاحتواء وسائل الإعلام الأفغانية الوليدة حيث يحاول الدبلوماسيون الإيرانيون العاملون في كابول توجيه عدد من الصحف والمحطات التلفزيونية نحو خطاب داعم لإيران والابتعاد عن الدائرة الأمريكية، كما تستخدم إيران عدداً من الوسائل غير المباشرة لنشر نفوذها في أفغانستان في محاولة لتقليص النفوذ الأمريكي من خلال تقديم خدمات تحقق من خلالها شعبية على الأرض، وتعمل إيران كذلك على تشكيل منطقة نفوذ اقتصادي عبر جعل أفغانستان معبرا بريا لنقل البضائع الإيرانية لبقية مناطق آسيا الوسطى من ناحية أخرى، حيث أشارت عدد من التقارير إلى أن ايران قدمت حوالي 500 مليون دولار لعدد من مشاريع إعادة الإعمار في أفغانستان، كما أنها تتحكم في حوالي 85 قناه تليفزيونية من اصل 171.

وتعتمد إيران لتحقيق مصالحها في أفغانستان على دعم عدد من المليشيات والفصائل عسكرياً للحفاظ على ميزان القوى الداخلية، حيث يُعتبر الشيعة الهزارة حليف إيران الأكثر قرباً (يشكل الهزارة أكثر من 10% من سكان أفغانستان) وتربطهم بإيران روابط اقتصادية ودينية وثقافية.

وتشير التقارير إلى أن روحاني عمل على استكمال الاستراتيجية الإيرانية في أفغانستان، إذ فتحت إيران مجالها الجوي لمرور الطائرات الأمريكية إلى أفغانستان عبر وساطة الأمم المتحدة وسمحت للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها لنقل المساعدات الإنسانية.

وفي سياق متصل صرح المبعوث والمفاوض الأمريكي جيمس دوبينز بأن إيران تعاونت بشكل كامل مع الولايات المتحدة في الملف الأفغاني.

بهذا المعنى، فإن سياسات إيران تتشكل عبر خطاب سياسي مرن يتبناه حسن روحاني تجاه النظام الأفغاني من جهة، ومن خلال القوى والمؤسسات المتمركزة حول المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والتي تعمل بشكل مستقل عن الرئيس في التعامل مع الملف الأفغاني في دعمها للقوى الأفغانية من مليشيات وقبائل.

ويبرهن على هذا التوجه، قيام روحاني في مارس الماضي بأول زيارة إلى أفغانستان في اطار الاحتفالات بعيد النيروز، حيث حث على تعزيز سبل التعاون بين ايران وأفغانستان.

بدائل متاحة

تحاول ايران بشكل مستمر التأكيد على أن أمن أفغانستان من أمن ايران، ولذلك فان طهران تنظر بقلق إلى اتفاق التعاون الاستراتيجي بين أفغانستان والولايات المتحدة، فهو ينص، في أحد بنوده، على إقامة الولايات المتحدة تسع قواعد عسكرية داخل أفغانستان في أماكن استراتيجية، ولذلك سوف تحرص ايران على عدم سقوط حركة طالبان، فبقاء طالبان، من وجهة نظر إيران، هو وسيلة في حد ذاته لمواجهة وانهاك كل من الولايات المتحدة من ناحية وكذلك حركة طالبان من ناحية أخرى.

وسوف تحرص إيران على أن تكون طرفاً في أي عمليات للتسوية السياسية بين القوى الأفغانية، وذلك من اجل ضمان بسط نفوذها وسيطرتها، وللحيلولة دون حصول طالبان على امتيازات كبيرة تقويها، فمثل هذا الاحتمال يعطي فرصة لبعض المجموعات المتشددة في حركة طالبان لبسط أفكارها وأهدافها الأيديولوجية، وهو ما يتعارض مع الطموحات الإيرانية.

وستحاول ايران أن تستغل علاقاتها مع معظم التنظيمات الأفغانية في محاولة لتحقيق قدر معين من التوازن بين جميع الأطراف في أفغانستان بحيث لا يتفوق طرف على طرف أخر، ولكن أسلوب التعامل الإيراني يختلف باختلاف طبيعة هذه الجهة السياسية أو تلك، والهدف من هذا التعامل، وذلك عن طريق استخدام هذه العلاقة كورقة ضغط عند الحاجة سواء داخل أفغانستان أو خارجها.

هذه السياسة ستوفر لطهران فرصة للمساومة في اغلب القضايا المعلقة بينها وبين الغرب، كما يساعدها ذلك في دعم موقفها الأمني والاستراتيجي بما يحقق لوجودها في أفغانستان نوعاً من التوازن الأمني والاقتصادي ويضمن لها عدم وجود طرف معادي على حدودها بما يؤثر سلبا على الأمن القومي الإيراني، فضلا عن إن طهران ستعمل على منع تفكك أفغانستان إلى دول صغيرة، فأفغانستان موحدة أفضل لإيران من دويلات منقسمة يصعب التحكم بها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com