ملف ليبيا يستنفر دولا أوروبية وأفريقية

ملف ليبيا يستنفر دولا أوروبية وأفريقية

المصدر: الجزائر- من أنس الصبري

دفع تأزم الأوضاع الأمنية في ليبيا، وتوسع دائرة العنف مع تصاعد المواجهات المسلحة بين الإخوة الفرقاء، إلى دق دول الجوار وأوروبا ناقوس الخطر، وبات الملف الليبي على رأس الأولويات داخل دول الاتحاد الأوروبي والجزائر ومصر وتونس ودول الساحل، بسبب المخاوف من الانعكاس السلبي للأحداث على منطقة شمال إفريقيا وجنوب أوروبا.

وتتسارع تحركات الجزائر ومصر وتونس والاتحاد الأوروبي بشكل لافت خلال الأشهر الأخيرة، لاحتواء الأزمة الليبية بعد تدهور الأوضاع وعجز كل الأطراف عن إيجاد حلول لإنهاء الاقتتال الذي بات يشكل تهديدا حقيقيا على المنطقة، رغم تنصيب البرلمان الجديد المنبثق عن انتخابات وصفت بالشرعية، والاستعداد للإعلان عن حكومة تقود المرحلة المقبلة، وهي الخطوات التي أشعلت النار وأججت الصراع في البلاد بعد أن وصفتها أطراف محسوبة على التيار الإخواني والجماعات المتطرفة، بمؤسسات غير شرعية.

وتسعى دول الجوار إلى إنهاء الأزمة بقيادة الجزائر من جهة ومصر من جهة أخرى، فالأولى أعلنت في عدة مناسبات عن استعدادها لرعاية حوار ليبي ليبي، وهو ما أكده رئيس حزب الوطن الليبي عبد الحكيم بلحاج في تصريحات لـ“إرم“ الذي أوضح أنه على استعداد للحوار وأنه بصدد التحضير لزيارة إلى الجزائر تندرج في إطار البحث عن سبل إنهاء الاقتتال بين الإخوة الفرقاء، فيما أيدت مصر ضرورة التدخل في ليبيا عسكريا لضرب مواقع التنظيمات الإرهابية في بنغازي ودرنة و طرابلس، وأعلنت عن تأييدها لما يقوم به اللواء خليفة حفتر في حملته ”الكرامة“ ضد المتطرفين.

ودخلت مؤخرا الدول الأوروبية بقيادة فرنسا التي أعلنت على لسان وزير دفاعها عن ضرورة التدخل في ليبيا عسكريا لإنهاء الأزمة، داعيا إلى التعبئة الدولية للحصول على قرار أممي لتحقيق التدخل، على خط الاهتمام بالأزمة الليبية، رغم أن الجميع يعلم أن ما يحدث في ليبيا سببه طريقة إسقاط نظام معمر القذافي، التي اعتمدتها الدول الغربية بقيادة فرنسا، وتزويد الشعب الليبي بمختلف أنواع الأسلحة ودعم أمراء الحرب بالأموال الضخمة لإنهاء نظام الحكم السابق، غير أن عودة ظهور فرنسا في المشهد الليبي ورعايتها لعدة لقاءات أوروبية وآخرها لقاء مدريد، و تحركاتها في منطقة شمال إفريقيا، عبر مسؤوليها العسكريين كزيارة قائد أركان جيشها إلى الجزائر وبالضبط على الحدود الجزائرية الليبية، يدفع إلى التساؤل حول أسباب اهتمام الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا، ودول الجوار بزعامة الجزائر بالأزمة الليبية.

و في هذا الشأن، دعا ممثلون عن 21 حكومة ومنظمة دولية، حضروا مؤتمر مدريد الذي دعت إليه إسبانيا حول ليبيا، إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا البلد الذي يسير نحو“ دوامة الحرب الأهلية ”، وعبروا عن انشغالهم بما يحصل في هذا البلد الذي باتت أراضيه مسرحا لعمليات عسكرية بين قوات محسوبة على اللواء خليفة حفتر، وميليشيات تتبع ما يسمى ”فجر ليبيا“ المحسوبة على الإسلاميين.

وتلخصت القضايا التي تم التطرق اليها خلال مؤتمر مدريد، في ثلاثة محاور أساسية تبحث تأثيرات الوضع الليبي المتأزم على دول المنطقة والأخطار القادمة منه وهي : مسألة تسلل الإرهابيين وتهريب السلاح،و ارتفاع أعداد المهاجرين غير الشرعيين، وهي تهم بالأساس إسبانيا وإيطاليا، وأخيرا الجانب الاقتصادي الذي حظي بنصيب هام من المباحثات، إذ تطرق المجتمعون إلى الخسائر الاقتصادية التي منيت بها الشركات الأوروبية المستثمرة في مجال النفط الليبي بسبب حالة عدم الاستقرار.

بالمقابل، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية، ويندي شيرمان، إن الاقتتال بين الجماعات المسلحة أدى إلى بطء الاقتصاد الليبي وعرقلة عملية التحول الديمقراطي، كما خلق حالة من التشكك في مستقبل البلاد، وأشارت في كلمة ألقتها في جامعة جورج تاون، إلى أن أمريكا تتعاون بصورة وثيقة مع الدول المجاورة لليبيا والأمم المتحدة والشركاء الدوليين من أجل مساعدة هذا البلد في العودة إلى المسار الصحيح، داعية الأطراف داخل ليبيا إلى ضرورة الانضمام للجهود الرامية لبناء دولة حقيقية، ومن هم خارج ليبيا، إلى التوقف عن إشعال الصراعات داخلها، وأكدت انه بات من الضروري اتفاق الجميع على أن ليبيا لا يمكن أن تصبح ملاذًا آمنا للعناصر الإرهابية.

ويكشف الانشغال الذي تبديه الجزائر بشكل خاص مدى خطورة الوضع المتردي في ليبيا، فالجزائر باتت في مواجهة تهديدات إرهابية جراء الانفلات الأمني الحاصل الذي سمح بتكاثر الجماعات الإرهابية، وأصبحت البلاد ملاذا آمنا لأخرى قدمت من مختلف بؤر التوتر كسوريا والعراق وأفغانستان ومالي، الأمر الذي يهدد الجزائر التي ينظر إليها كعدو للإسلاميين بالنظر لما حدث خلال العشرية السوداء التي عرفتها من قبل وحربها على الإرهاب.

وما زاد من مخاوف الجزائر الانتشار الرهيب للأسلحة في المنطقة والذي قدرته الجهات الدولية بـ30 مليون قطعة، يقابله الحدود الشاسعة مع ليبيا حوالي 900 كلم في بيئة صحراوية صعبة المراقبة، ما يساهم في تزويد التنظيمات الإرهابية الناشطة في جنوب وشمال الجزائر، كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة المرابطون، وقد سبق وأن ألقي القبض على بعض الجماعات النشيطة في مجال تهريب الأسلحة، و يبقى الاعتداء على القاعدة الغازية بعين أمناس، جنوب الجزائر، واحتجاز أكثر من 1000 عامل بينهم أجانب، ما أدى إلى تدخل الجيش الجزائري لتحريرهم بفاتورة ضخمة من الضحايا.

وقد دفع الوضع المتدهور في ليبيا إلى رفع الجزائر لميزانية الدفاع المخصصة لـ 2015، حيث بلغت 13 مليار دولار، وهو ما يعادل 11.6% من إجمالي الميزانية البالغ 112.12 مليار دولار، بالإضافة إلى رصد 6.95 مليار دولار لوزارة الداخلية، يقول الخبراء إن هذا الاهتمام بالدفاع والداخلية مرده تحديات تواجه الجيش الجزائري بسبب الاضطرابات على الحدود الشرقية والجنوبية.

وأعلنت الجزائر حالة الطوارئ واستنفرت قواتها على الحدود مع لبيا، ونصبت بطاريات صواريخ أرض جو تحسبا لأيّ تهديدات إرهابية، نقلت المزيد من العسكريين إلى المنطقة، في محاولة لمراقبة قوافل النازحين الفارين من الحرب في ليبيا، والتي قد تستغلها العناصر الإرهابية للتسلل حسب ما ذكر الخبير الجزائري علي زاوي.

وفي هذا الصدد، اعتبر العقيد الجزائري المتقاعد، بن أعمر بن جانة، أن نظام القذافي وبالرغم من كل عيوبه، كان يشكل عامل استقرار وتوازن في المنطقة، مؤكدا أنه من الصعب جدا في ظل الوضع الراهن إعادة بناء دولة جديدة قائمة بمؤسساتها، بالنظر إلى ”تجاذب العديد من التيارات الإيديولوجية المتناقضة وأطماع القوى الكبرى التي أصبحت تتنافس فيما بينها على اقتسام الثروات البترولية لهذا البلد“، مبديا تخوفات الجزائر من استيلاء ما يسمى بالتيار ”الجهادي“ الذي أصبح له ”نفوذ كبير“ على السلطة، ما يشكل دعما قويا للجماعات الإرهابية المسلحة التي تنشط في المنطقة؛ وفق تعبيره.

من جانبه، أبرز الخبير العسكري الجزائري نور الدين عمراني، أن المنطقة مقبلة على حالة من اللاإستقرار وانعدام الأمن نتيجة الأوضاع المتدهورة في ليبيا وحالة الفوضى التي أعقبت استيلاء الفصائل المسلحة على مواقع ومناطق شاسعة ما لم يتم الإسراع في إيجاد حل سياسي وإيقاف المد الإرهابي المتنامي في هذا البلد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com