ليلة ”مذبحة“ المرتزقة الروس تكشف جوانب خفية من الصراع السوري

ليلة ”مذبحة“ المرتزقة الروس تكشف جوانب خفية من الصراع السوري

المصدر: محمود صبري ومنيرة الجمل- إرم نيوز

في ليلة الـ7 من شباط/ فبراير، شنت قوات متحالفة مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد هجومًا على حقل نفط يسيطر عليه الأكراد شمال سوريا، ما دفع الولايات المتحدة إلى الرد بضربات جوية وقصف مدفعي كثيف أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 100 مقاتل موالٍ للحكومة في غضون ثلاث ساعات، بحسب التقارير الأولية.

وبحسب مجلة ”فورين أفيرز“ الأمريكية، فإنه في الأسبوع التالي، بدأت المعلومات في التأكيد على أن العديد من القتلى هم مرتزقة روس تعاقدت معهم مجموعة “ واغنر“، وهي شركة عسكرية خاصة ذات صلات وثيقة بالكرملين.

المجلة تحدثت عن تسجيلين صوتيين باللغة الروسية يصفان 200 قتيل يعملون لصالح ”واغنر“، فيما ترجح مصادر أخرى أن عدد الضحايا يصل إلى 600.

ونوهت المجلة إلى أنه على الرغم من أن تلك الأرقام تبدو للوهلة الأولى عبثية، خاصةً، وأن مصادر روسية قدرت أن عدد الضحايا يتراوح من 20 إلى 25 قتيلًا فقط، إلا أن هناك أدلة على أن عدد الضحايا يقدر بالمئات، لافتةً إلى ترجيح مقاتلين سابقين بشركة ”واغنر“ أن عدد القتلى يتراوح ما بين 80 إلى 100، فيما يصل عدد المصابين إلى 200، فيما عالجت المستشفيات الروسية مئات الجرحى.

وأفاد تسجيل باللغة الشيشانية في سوريا بمقتل ما يتراوح بين 170 و200 مقاتل من ”واغنر“ شاركوا في الهجوم على الحقل النفطي، ما يجعل حصيلة الثلاثمائة ضحية ليس فقط رقمًا معقولًا وإنما محتملًا أيضًا.

ورأت المجلة أن العملية الأخيرة أثبت أن الحكومة الروسية ليست مستعدة كليًا، مشيرةً إلى اقتصار تصريحات الكرملين الأولية على تعليق واحد يوم الـ14 من شباط/ فبراير، وهو احتمالية وجود مواطنين روس يقاتلون في سوريا، ولكنهم ليسوا على علاقة بالقوات المسلحة الروسية. وفي اليوم التالي، اعترفت وزارة الخارجية الروسية بمقتل خمسة روسيين في هجوم ”واغنر“، لتظهر بعد ذلك عدة مقابلات مع أفراد أسر المتوفيين تؤكد أن عدد القتلى على الأقل عشرة.

وفي الـ20 من ذات الشهر، رفعت وزارة الخارجية الروسية هذا العدد، قائلةً إن عشرات من المواطنين الروس وغيرهم من البلدان الناطقة بالروسية قُتلوا و جُرحوا في سوريا.

ورجحت المجلة أن يكون سلوك موسكو ناجمًا عن ارتباك حقيقي وليس بنية تقديم معلومات مضللة، موضحةً أنه على مدى الخمس سنوات الماضية، تمكنت ”واغنر“ من أن تصبح المقاول العسكري الروسي الأول الذي يلعب دورًا محوريًا في عمليات موسكو العسكرية في سوريا وأوكرانيا؛ لذا يشير الارتباك المحيط بالهجوم إلى أن عمليات واغنر الهجومية أسفرت عن هزيمة لم يتوقعها الكرملين، ويبدو أيضًا أن روسيا، أثارت مؤخرًا شكوكًا بشأن قدرتها على السيطرة على نظام الأسد، وتواجه الآن مشكلات تقيّد حتى مقاوليها من المرتزقة.

دوافع مربحة

إذا كان هجوم الـ7 من شباط/ فبراير جاء بالفعل كمفاجأة للكرملين، فكيف ولم حدث ذلك؟ وفي هذه الحالة، كان سيصدر تقرير من صحيفة ”كومرسانت“ اليومية الروسية لتوضيح التفاصيل الحقيقية، ولكن موظفًا سابقًا في ”واغنر“ وصديق العديد من قتلى حادث الحقل النفطي قال إن ما حدث هو محاولة من رجال أعمال محليين كبار يدعمون الرئيس بشار الأسد للاستيلاء على حقول النفط والغاز التي يسيطر عليها الأكراد المدعومون من الولايات المتحدة.

على ما يبدو، كانت الخطة تهدف إلى مهاجمة القاعدة الكردية والسيطرة عليها قبل تمكن القوات الأمريكية من إبعاد المهاجمين.

ووفقًا للمجلة، فإنه من الوهلة الأولى يبدو أن تلك الخطوة لم يسبق لها مثيل لأنه منذ تدخل روسيا في سوريا في أيلول/ سبتمبر 2015، لم تكن هناك أي مؤشرات موثوقة لعمل ”واغنر“ خارج قيادة الكرملين، ولكن هناك حادث وقع العام 2013 عندما تعاقد الفيلق السلافي – شركة مرتزقة عملت قبل ”واغنر“- مع عميل سوري غير معروف للسيطرة على حقول النفط في شرق البلاد، أي تقريبًا في نفس منطقة هجوم الـ 7 من فبراير.

وفي السياق ذاته، وصفت المجلة الأمريكية هذا الحادث بالهزيمة لأنه دليل على أن المجموعة غير مجهزة تجهيزًا جيدًا رغم أن مثل هذه الهجمات يمكن أن تحدث دون معرفة صريحة من موسكو.

وكانت صحيفة ”واشنطن بوست“ الأمريكية كشفت الأسبوع الماضي، أن أمر الهجوم جاء من مصدر كبير وهو يفجيني بريغوزين، العضو في الدائرة المقربة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمسيطر على عدد من الشركات القوية.

وأكدت المجلة أن بريغوزين ليست له علاقة وثيقة بـ ”واغنر“ فقط، ولكن له مصالح أخرى في شمال شرق سوريا؛ إذ يرأس شركة ”إيفرو بوليس“ التي أبرمت عقدًا مع شركة البترول العامة المملوكة للدولة الروسية في مطلع العام الماضي لتأمين حقوق الإنتاج لـ 25% من حقول النفط والغاز السورية. ولأن معظم هذه الحقول خاضعة للسيطرة الكردية، ينسق بريغوزين مع كبار المسؤولين السوريين لتخطيط مفاجأة جيدة لحكومة الأسد.

وتوقعت المجلة ألا يكون بريغوزين قد تلقى وعودًا بمقابل مادي إضافي من دمشق فحسب، ولكن أيضًا على اتفاق ضمني من الكرملين، مضيفةً أنه كان على اتصال مع رئيس ديوان الرئاسة الروسية أنطون فاينو قبل وبعد الهجوم بأيام.

ويثير هذا الكشف العديد من التساؤلات أكثر مما يجيب عنها، وأهمها مدى موافقة الحكومة الروسية على الهجوم وعما إذا كان بريغوزين والسوريون على علم بوجود الولايات المتحدة في المنطقة. وبحسب المجلة، فإن الإجابة المحتملة في تلك الحالة هي أن الكرملين كان على علم بأن ”وانغر و بريغوزين“ خططا لبعث رسالة إلى الأكراد بطلب من دمشق.

مزايا وعيوب المرتزقة

مجلة ”فورين أفيرز“ ذكرت أن هجوم الـ7 من فبراير/ شباط الجاري سلط الضوء أيضًا على دور ”واغنر“ الذي تلعبه كأداة في السياسة الخارجية الروسية، فبعد بدايتها المشؤومة كفيلق السلافي في سوريا في العام2013، تورطت الشركة أيضًا في عملية الاستيلاء على شبه جزيرة القرم عام 2014. وشارك مرتزقة ”واغنر“ بشكل كبير في العمليات العسكرية الروسية في شرق أوكرانيا في 2014 مثل معركة ديبالتسيف في يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2015.

وعلى الرغم من أن الشركات العسكرية الخاصة لا تزال غير قانونية من الناحية الفنية في روسيا، إلا أن موسكو تعاقدت مع المجموعة لتنفيذ عدد من المهام في سوريا بعد تدخلها العسكري في العام 2015.

وكانت شركة واغنر نشطة بشكل خاص في وسط وشرق البلاد، حيث شارك مقاتلوها في عملية السيطرة على مدينة تدمر في شهر مارس/ آذار 2016 وحملة مدينة ”دير الزور“ في أواخر عام 2017.

وتشير التقديرات الحالية إلى أن عدد مقاتلي ”واغنر“ في سوريا يبلغ حوالي 2500 مجندًا، وفي سبتمبر/ أيلول 2016، كان يُقدر أن روسيا لديها أقل من 5 آلاف جندي في سوريا، أي ضعف عدد مقاتلي ”وانغر“.

وأوضحت المجلة أن المرتزقة كثيرًا ما يؤدون مهام قوات المشاة، والقيام بمهام استطلاع، ورصد الضربات الجوية، ولكن في بعض الأحيان يتم  توظيفهم على خطوط الجبهة الأمامية. وتكمن فائدة مثل هذه المجموعات في السماح لروسيا بنشر قوات برية دون تكبد مخاطر سياسية بسبب الضحايا المحتملة خاصةً في حالات القتال العنيف؛ إذ فقدت ”وانغر“ في شهر سبتمبر/ أيلول 2017 وحده 54 مجندًا.

وقام الرئيس فلاديمير بوتين، في ديسمبر/ كانون الأول 2016، بتكريم رئيس شركة واغنر ”ديمتري أوتكين“ في حفل الكرملين.

وتقلل ”واغنر“ من المخاطر السياسية لضحايا هجوم الـ7 من فبراير/ شباط، ولكن لا يمكنها القضاء على التهديد بالكامل، فمن المستحيل إخفاء معركة أسفرت عن مقتل 100 شخص في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن تحدث بعض الصحافيين إلى أسر المتوفين.

وقالت والدة أحد المجندين القتلى، من مدينة صغيرة في الأورال، إن زملاءه في الوحدة كانوا يعاملون كالخنازير المرسلة للذبح، فيما قالت أم أخرى مكلومة إن الحكومة الروسية مسؤولة عن أفعالها.

ولفتت المجلة إلى أن مثل هذه الدعاية المدمرة لا يحتاجها بوتين، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الروسية في منتصف مارس/ آذار المقبل.

ومثلما أن هجوم الـ7 من فبراير كان سيئًا بالنسبة للجبهة الداخلية الروسية، فمن المرجح أن يكون تأثيره على الصراع السوري أسوأ بكثير. هذا وتواجه موسكو بالفعل صعوبة في السيطرة على مسار الأزمة، حيث انتهى مؤتمرها السوري للسلام في سوتشي مؤخرًا بالانهيار والفشل. علاوة على ذلك، لا يزال الصراع يثير الغضب بين الأكراد السوريين وتركيا في الشمال الغربي، وتشير التقارير إلى أن الأكراد والنظام السوري، على ما يبدو أوقفوا مشاركة موسكو في مفاوضاتهم. وحتى لو كان هجوم واغنر قد تمت الموافقة عليه ضمنيًا من قبل الكرملين، فإن نتائجه الكارثية وحجم المعركة التي تلت ذلك لا تحظى سوى بالقليل من الشرعية الروسية باعتبارها القوة الرئيسة الساعية لتحقيق الاستقرار في سوريا.

وأضافت المجلة الأمريكية، أن الكرملين لا يستطيع أو لا يفرض السيطرة على وكلاء مثل فاغنر، ما يزيد من التحديات الماثلة أمام روسيا باعتبارها صاحبة القرار في سوريا.

وبالنسبة لشركة فاغنر نفسها، فإن الخطوات التالية غير واضحة. ومن المؤكد أن موسكو ستسعى لتحجيم هذه المجموعة، ومن المحتمل أن تعيد الانتشار في محيط حادث الـ7 من فبراير إلى ضواحي دمشق، حيث يلوح في الأفق هجوم كبير على النظام. ومن المرجح أن تصبح شركة واغنر أكثر انخراطًا في مقاطعة إدلب شمال غرب سوريا، حيث باتت تلك المنطقة محور القتال بين النظام والمجموعات المتمردة المتبقية.

والكشف بأن بريغوزين استخدم فاغنر بشكل فعال كأداة لإثرائه الشخصي فضلًا عن المسؤولين السوريين، حتى لو تم ذلك بموافقة الكرملين، يدل على وجود احتمال غير مسبوق للتصعيد. ولقد كبدت الولايات المتحدة فاغنر خسائر فادحة، حتى يصبح لديها يقين بأن قادتها سيفكرون مرتين قبل اللجوء لمثل هذه الحيلة مرة أخرى، ولكن الحديث يدور حول سابقة للمجموعة التي تقاتل القوات المدعومة من قبل الولايات المتحدة.

واختتمت المجلة الأمريكية أنه بالنسبة لبوتين، يبدو أن هذا الهجوم هو الأخير فقط في سلسلة من التصعيدات غير المرغوب فيها، في الدولة التي أعلن فيها عن فوزه بالمعركة منذ شهرين فقط، كما يعد دليلًا على أن قوات أحد الوكلاء، مثل فاغنر، يمكن أن تتسبب في تداعيات عكسية غير مقصودة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com