السيسي وبوتين.. لقاء التوازنات يستفز أمريكا

السيسي وبوتين.. لقاء التوازنات يستف...

مراقبون سياسيون يشيرون إلى أن زيارة السيسي إلى موسكو تؤكد أن مصالح القاهرة لن تعتمد على دولة واحدة، وأن سياسة مصر الخارجية ستكون متعددة.

القاهرة- شهدت العلاقات الروسية المصرية فصلاً جديداً في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عندما زار وزير الدفاع المصري السابق عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية نبيل فهمي الكرملين،موسكو، واجتمعا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

واتفق الطرفان على شراء طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي وطائرات هليكوبتر ومواد عسكرية أخرى، بنحو 3 مليارات دولار، وناقش السيسي ونظيره الروسي عقد تدريبات عسكرية مشتركة في الأكاديميات العسكرية الروسية، كما أعلنت روسيا عزمها الاستثمار في مشاريع الطاقة المصرية، بما في ذلك توليد الطاقة النووية، واتفقت الدولتان على عقد مزيد من المحادثات الثنائية في موسكو.

كل هذا كان يشير إلى أن التقارب بين البلدين سيعود إلى ما كان عليه خلال قبل عام 1972، عندما طرد الرئيس الراحل أنور السادات الخبراء العسكريين السوفيت من مصر، قبل حرب أكتوبر 1973، والذي شهد بعدها توجيه بلاده تجاه واشنطن، ولكن هذا التحوّل لا يعني إعادة توجيه القاهرة بشكل كامل نحو موسكو، كما حدث خلال فترة رئاسة جمال عبد الناصر في 1960، فلا تزال الولايات المتحدة المصدر الرئيس للسلاح وقطع الغيار لمعدات الجيش المصري بنحو 70%.

وأوضح مراقبون سياسيون مصريون أنه بصعود السيسي إلى رئاسة البلاد تغيرت شكل العلاقة مع روسيا تماماً، حيث تأكد أمام بوتين أن الزيارة الأولى لم تكن عناداً في أمريكا، أو لمحاولة استفزازها بغريمها التقليدي، بل للتأكيد أمام العالم أن مصالح القاهرة لن تعتمد على دولة واحدة، وأن سياسة مصر الخارجية ستكون متعددة، في حين أشار آخرون أن موسكو لا يوجد لديها ما تقدمه للقاهرة سوى صفقات عسكرية، لأنها تمر بظروف اقتصادية صعبة، في ظل العقوبات الأمريكية الأوروبية المتصاعدة على موسكو.

وفي هذا الإطار يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للعلاقات الدولية، د. عبد الله الأشعل، إن زيارة الرئيس السيسي تختلف شكلاً ومضموناً عن الزيارة الأولى في نوفمبر الماضي، حيث كان وقتها وزيراً للدفاع، ويمتلك صلاحيات في ضوء منصبه العسكري، بينما هو الآن رئيساً للدولة، وستكون زيارته لموسكو ولقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مستوى الرؤساء، حيث سهولة فتح جميع الملفات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، خاصةً وأن السيسي أصبح في يده قرار الدولة وليس الجيش فقط، ويرى أن توقيت الزيارة يعكس طبيعة السيسي المخابراتية، حيث يرغب في توجيه صفعة لواشنطن بعد اعتذاره عن حضور القمة الأمريكية الإفريقية، وأرسل رئيس الوزراء بدلاً عنه، كما أن السيسي يريد توصيل رسالة بأنه يرد الجميل لكل مَن ساند ووقف بجوار الشعب المصري عقب ثورة 30 يونيو، وعلى رأسهم السعودية من الناحية الإقليمية، وروسيا من الناحية الدولية.

كما يرغب السيسي باستثمار نجاح الزيارة الأولى لتفعيل بنودها بشكل رسمي، ولعل أبرزها صفقة المعدات العسكرية التي تشتمل على صواريخ وطائرات وأنظمة دفاع جوي، بخلاف تفعيل صندوق التعاون الاقتصادي بين روسيا بحوالي خمسة مليارات دولارات، وتعاظم السياحة الروسية.

ومن جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، د. حازم حسني، أن مصر هي أكبر جائزة استراتيجية للقوى العالمية وفي الشرق الأوسط، بسبب موقعها الاستراتيجي والحدود المستقرة نسبياً، وعدد كبير من السكان، كما أنها القوة الرئيسية في العالم العربي.

وتابع: “ إسرائيل تدرك قوة السيسي، والتي قد تزداد في حال تحالف مع بوتين في قضايا الشرق الأوسط، لكن يبدو أن أصواتهم تقع على آذان صماء في العاصمة واشنطن، ، فبقاء مصر مستقرة يجعلها تحافظ على معاهدة السلام التي أبرمت عام 1979، فضلاً عن استعادة الاستقرار الأمني على طول الحدود في شبه جزيرة سيناء، والتي تمتد بنحو 270 كيلومتر من البحر المتوسط إلى المنتجع الإسرائيلي إيلات على البحر الأحمر، ويشير إلى أن توجه السيسي نحو موسكو رغم أنه يقلق تل أبيب، بسبب تغيير موازين قوى الشرق الأوسط.

ويضيف الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية الأسبق، السفير سعيد كمال، أن التحوّل الاستراتيجي المصري إلى موسكو عقاب لأوباما عن أخطائه في السياسة الخارجية نحو القاهرة، وأن علاقة مصر مع روسيا ستكون مغازلة لأمريكا، ولكنها لا تعني تحوّلاً في السياسة الخارجية للبلاد بعيداً عن الولايات المتحدة، بقدر ما هي محاولة لحث واشنطن على تغيير سياساتها ، كما أن الزيارة أثارت قلق السياسيين الأمريكيين حول احتمال خسارة القاهرة، والضغط على أوباما لتعديل السياسات غير المجدية مع النظام الجديد في مصر.

وفي السياق ذاته يرى رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة أسيوط، د. علاء عبد الحفيظ، أن لقاء السيسي وبوتين تطرق إلى بحث التعاون بين روسيا ومصر في القضايا الملحة مثل أزمة غزة والوضع في سوريا والعراق وليبيا، خاصةً وأن موسكو ترى أن المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس يمكن استخدامها كإطار لمستقبل اتفاقيات مقبولة للطرفين والسلام في نهاية المطاف.

وتابع: ”بات واضحاً أن مصر تتجه نحو القوى الشرقية بعد أن علقت الولايات المتحدة وأوروبا مساعداتها بعد الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي في يوليو الماضي، ودلالات زيارة السيسي لموسكو تؤكد على الرغبة المصرية في إنشاء علاقات متوازنة مع كل القوى العالمية، وخاصة موسكو وبكين وواشنطن، دون الاعتماد على حليف واحد فقط، حيث لا تزال هناك كمية كبيرة من الأسلحة في الجيش المصري قادمة من روسيا، على الرغم من أن العلاقات بين البلدين انخفضت بشكل حاد في ظل حكم الرئيس المصري السابق أنور السادات وحسني مبارك، وهذا لا يعني أن موسكو أو بكين ستكون بدائل لواشنطن“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com