جدران إسرائيل العازلة.. حدود وهيمنة أم مخاوف أمنية؟

جدران إسرائيل العازلة.. حدود وهيمنة أم مخاوف أمنية؟

المصدر: الأناضول 

توظّف إسرائيل الجدران والسياجات الحديدية لتحقيق سياساتها؛ فهي في الضفة الغربية لقضم الأرض، وفي غزة لعزل السكان، وعلى حدودها مع الأردن ومصر وسوريا ولبنان، بحجة الأمن.

وفي جميع الحالات، استخدمت إسرائيل الأمن، كمبرر لإقامة هذه الجدران الستة التي باتت تعزلها عن محيطها وتعزل الفلسطينيين عن أنفسهم.

وفقط في حالة واحدة، وجه المجتمع الدولي انتقادات حادة إلى إسرائيل، عندما أقامت جدارًا عازلًا يسير ملتويًا في عمق الضفة الغربية، ملتهمًا ما يقارب 10% من مساحتها، ويعزل مدينة القدس الشرقية المحتلة عن محيطها الفلسطيني.

وفي مرتفعات الجولان السورية، فإن السياج الإسرائيلي مقام داخل أراض محتلة.

ويقول لبنان، إن السياج بمساره الحالي، يتضمن عدة خروقات، على خلاف ما هو الحال فيما يتعلق بالحدود المرسومة لإسرائيل مع الأردن ومصر ومع قطاع غزة.

واستنادًا إلى ورقة حقائق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) على موقعها الإلكتروني، فإن طول حدود الضفة الغربية تبلغ 330 كليومترًا، أما طول حدودها من قطاع غزة فتبلغ 59 كيلومترًا، في حين أن حدودها مع الأردن تبلغ 307 كيلومترات، ومع مصر 208 كيلومترات، ومع لبنان 81 كيلومترًا ومع سوريا 83 كيلومترًا.

الضفة الغربية

أكثر الجدران تعقيدًا وأكثرها إثارة لردود الفعل، هو الجدار الذي أقامته إسرائيل داخل الضفة الغربية، والذي أقرته الحكومة الإسرائيلية برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون.

ففي العام 2002،  صادقت الحكومة الإسرائيلية على بناء جدار بطول 710 كيلومترات يمر 85% منه في عمق الضفة الغربية والباقي على الخط الأخضر (حدود عام 1967) بما يؤدي إلى ضم 9.4% من مساحة الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

والجدار الإسمنتي هو بارتفاع 7-8 أمتار تتخلله أبراج مراقبة.

وحتى سبتمبر/أيلول 2017، تم استكمال بناء 65% من الجدار، أي ما يقارب 460 كيلومترًا، فيما هناك 53 كيلومترًا أخرى قيد الإنشاء و200 كيلومتر إضافية لم يتم بناؤها بعد، وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة ”أوتشا“.

واستخدمت الحكومة الإسرائيلية آنذاك هجمات نفذها فلسطينيون داخل إسرائيل لتبرير إقامة الجدار الذي تبلغ تكلفته مليار و370 مليون دولار.

واستنادًا إلى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، ”أوتشا“، فإن الجدار يُبقي 65 مستوطنة إسرائيلية من بين 150 مستوطنة مقامة على أراضي الضفة الغربية في الجانب الإسرائيلي من الجدار.

كما يشير إلى أن 150 تجمعًا فلسطينيًا لديهم أراض تقع بين الجدار والخط الأخضر.

وهناك 81 بوابة في الجدار محددة كبوابات زراعية لا تفتح 63 منها إلا خلال موسم قطاف الزيتون؛ مما يمنع حرية الوصول والزراعة طوال العام، بحسب ”أوتشا“.

ويشير ”أوتشا“ إلى أن 13 حاجزًا إسرائيليًا يتخلل الجدار، لمرور الأفراد والبضائع ضمن قيود.

وأصدرت محكمة العدل الدولية في التاسع من يوليو/تموز عام 2004 رأيًا استشاريًا عن النتائج القانونية المترتبة على بناء الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وذكرت المحكمة الدولية، أن المقاطع من مسار الجدار التي تمر داخل الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، بالإضافة إلى نظام البوابات والتصاريح، تمثل انتهاكًا لالتزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي.

وطالبت محكمة العدل الدولية، إسرائيل بوقف بناء الجدار بما في ذلك في القدس الشرقية وحولها؛ وتفكيك المقاطع التي تم بناؤها بالفعل، وأن ”تلغي أو تبطل على الفور كل الإجراءات التشريعية أو التنظيمية التي ارتبطت بإنشائه“.

وتشير معلومات أصدرها معهد الأبحاث التطبيقية ”أريج“ (غير حكومي)، إلى أن 90 % من الجدار الفاصل بالضفة الغربية عبارة عن سياج، و 10% فقط منه هي قواطع إسمنتية.

ويقول مدير المعهد، سهيل خليلية:“ القواطع الإسمنتية تشكل خطرًا أقل من السياج، فالقواطع الإسمنتية تبنى مع شارع أمني من جهة واحدة منها، وتأخذ مسافة تتراوح من 10-15 مترًا، بينما السياج يصادر من 30 – 40 مترًا حوله بالعرض، وبالتالي هي تدمر مساحات أكبر من الأراضي، خاصة بالأراضي الزراعية“.

وتلجأ إسرائيل للقواطع الإسمنتية في المناطق التي فيها تجمعات سكانية أكثر من السياج.

وبحسب خليلية، فإن الجدار سيعزل وراءه 705 كيلو متر مربع، من مساحة الضفة في حال اكتماله، وهو ما يشكّل 12.5% من مساحة الضفة بما فيها القدس الشرقية.

ويشير خليلية إلى أن 47% من المساحة المعزولة، هي أراض زراعية، و32% غابات ومناطق مفتوحة، فيما 17 % هي مستوطنات وقواعد عسكرية إسرائيلية (يسكن فيها 87% من مستوطني الضفة)، و4% هي مناطق سكنية فلسطينية.

ويضيف:“ بالتالي، فإن رسم الجدار، هو رسم تكتيكي، يهدف للاستيلاء على مساحات فارغة، ويجعل أكبر عدد من المستوطنات تحت يد إسرائيل في حال أعلنت باتفاق نهائي أن الجدار يرسم حدودها، وبذلك تخسر أقل عدد من المستوطنات من الجهة الشرقية للجدار، أي بجهة الضفة“.

 قطاع غزة

شرع الجيش الإسرائيلي نهاية العام 2016 بتنفيذ قرار الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو بإقامة جدار ضخم على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل.

وأعلن أفيخاي أدرعي، المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، في حديث مطلع العام الجاري، أن الجدار الإسمنتي هذا سيكون مختلفًا عن باقي الجدران التي أقامتها إسرائيل؛ لأنه سيكون في جزء كبير منه أسفل الأرض ويمتد إلى الأعلى.

ورجّح أدرعي استكمال بناء الجدار حتى نهاية العام الجاري.

وكانت وزارة الدفاع الإسرائيلية، قد أشارت سابقًا إلى أن الجدار سيكون بطول 60 كيلومترًا، وبتكلفة تصل إلى 570 مليون دولار أمريكي.

وذكرت أن الجدار في جزئه أسفل الأرض سيتضمن مجسّات متطورة يكون بإمكانها اكتشاف حفر أنفاق أسفل الأرض على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل.

ويعمل الجيش الإسرائيلي على مدار الساعة، باستثناء فترة عطلة السبت؛ من أجل استكمال بناء الجدار.

وحتى الآن، هناك سياج حديدي يحيط بقطاع غزة، ولكنه يتضمن العديد من الخروقات للقانون الدولي.

ويقول مكتب ”أوتشا“، أن ثمة ”منطقة ممنوع الدخول إليها تبعد ما بين 0-500 متر عن السياج، داخل قطاع غزة، تحظر إسرائيل فيها الوصول كليًا، ويمثل دخولها تهديدًا كبيرًا على الحياة.

وأضاف:“ ينفذ الجيش الإسرائيلي عمليات توغل في هذه المنطقة عدة مرات أسبوعيًا، ويتم خلالها تنفيذ عمليات تجريف للأراضي ويتم تدمير أي ممتلكات توجد هناك“.

كما قال إن هناك ”منطقة عالية الخطورة“ تمتد على المنطقة التي تبعد ما بين 500-1000 متر عن السياج، ويعتبر إطلاق النار على الأشخاص الذين يدخلون هذه المنطقة بالإضافة إلى تجريف الأراضي وتدمير الممتلكات من الممارسات الشائعة فيها، إلا أن هذه الممارسات تنفذ بصورة غير منتظمة وغير متوقعة.

وأضاف:“ تقدر الأراضي المقيد الوصول إليها بما فيها المناطق (الممنوع دخولها) والمناطق (عالية الخطورة) بما يقارب 62600 دونم(62.6 كيلومتر مربع) أي ما يمثل 17% من المساحة الكلية لأراضي قطاع غزة (365 كيلومترًا مربعًا)“.

حدود مصر

في شهر يناير/كانون الثاني 2010، قررت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو إقامة سياج على طول حدودها مع مصر وتم الشروع في إقامته في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام.

وكانت إسرائيل بررت آنذاك إقامة السياج الحديدي، الذي يتخلله مجسات إلكترونية وكاميرات وأبراج مراقبة، بوقف تسلل طالبي لجوء من أفريقيا إلى داخل أراضيها.

ولاحقًا، اعتبرت أن من شأنه منع تسلل مسلحين من سيناء المصرية.

واستنادًا إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية، فإن السياج يمتد من رفح إلى إيلات على البحر الأحمر بطول 245 كيلومترًا وبارتفاع 6 أمتار وبتكلفة تصل إلى 450 مليون دولار أمريكي، وتم استكمال إقامته في العام 2013.

حدود الأردن

شرعت إسرائيل بإقامة سياج حديدي على الحدود مع الأردن، في سبتمبر/ أيلول 2015 في ظل الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو.

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية، إن السياج على الحدود الجنوبية الشرقية مع الأردن هو بطول 30 كيلومترًا، ويمتد من مدينة إيلات إلى منطقة وادي تمناع (جنوب) حيث يجري بناء مطار دولي، مشيرة إلى أن الهدف من السياج هو حماية المطار.

وأشارت إلى أن السياج يشمل أبراج مراقبة ومعدات متقدمة بتكلفة تصل إلى 85 مليون دولار أمريكي.

ويتضمن سياجًا ضخمًا بارتفاع حوالي 30 مترًا لمسافة 4.5 كيلومتر؛ لحماية المطار المزمع إقامته في تمناع.

ولفتت وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى أن السياج يمر على الحدود الدولية بين البلدين ولا يدخل الأراضي الأردنية.

حدود لبنان

في مايو/أيار 2017 شرعت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو بإقامة سياج بارتفاع 6 أمتار في المنطقة الممتدة من رأس الناقورة وحتى إصبع الجليل على الحدود مع لبنان (شمال).

وقالت صحيفة ”جروزاليم بوست“ الإسرائيلية آنذاك، إن السياج يمتد لعدة كيلومترات وبتكلفة تصل إلى 29 مليون دولار أمريكي.

واستنادًا إلى الصحيفة، فإن السياج الجديد هو تطوير لسياج تمت إقامته في سنوات الثمانينيات في المنطقة.

وبررت إسرائيل إقامة السياج بالدوافع الأمنية لمنع عمليات تسلل من لبنان.

وكان المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قال مطلع الشهر الجاري :“بدأنا بإقامة الجدار الجديد على الحدود مع لبنان وسيتم استكماله، لا أدري إذا تم ذلك في العام 2018، ولكن سيتم استكماله في الفترة المقبلة“.

وأدان لبنان القرار، إذ قرر المجلس الأعلى للدفاع في لبنان في التاسع عشر من الشهر الجاري ”اتخاذ كل الإجراءات لمنع إسرائيل من إقامة جدار فاصل في مناطق يتحفظ عليها لبنان على حدوده الجنوبية“.

وقال بيان للمجلس بعد اجتماعه برئاسة الرئيس اللبناني ميشال عون، إن بناء الجدار الذي تنوي إسرائيل إقامته على الحدود مع لبنان عند النقاط الـ 13 التي يتحفظ لبنان عليها هو ”خرق للقرار الأممي 1701“.

ويتحفظ لبنان على عدد من النقاط على (الخط الأزرق) الذي رسمته الأمم المتحدة كخط فاصل بين الجانبين بعد الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي كانت تحتلها بجنوب لبنان عام 2000؛ بسبب عدم ترسيم الحدود بين البلدين اللذين ما يزالان في حالة حرب.

سوريا 

تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في يناير/كانون الثاني 2013 بإقامة سياج ما بين سوريا ومرتفعات الجولان السورية المحتلة.

وأشار إلى أن السياج سيكون بارتفاع 5 أمتار.

وأعلن نتنياهو في سبتمبر /أيلول 2015 أن حكومته شرعت بالفعل بإقامة السياج، دون إعطاء مزيد من التفاصيل عن تكاليفه أو المراحل التي وصل إليها الآن.

الدوافع والمبررات

يُرجع جمال العملة، مدير مركز أبحاث الأراضي (غير حكومي)، في حديثه مع وكالة الأناضول، بناء إسرائيل لتلك الجدران والأسيجة الأمنية، لهاجس الخوف الذي يسيطر عليها.

ويقول:“ الإسرائيليون يعيشون بحالة أزمة داخلية ورعب أمني، والقيادة الإسرائيلية، تسعى دائمًا لوضع شعبها بهاجس أمني بأنهم مستهدفون دائمًا من الفلسطينيين، ولتثبت نفسها كقيادة، تحاول أن تحميهم بشتى الوسائل“.

لكن، هل تستند إسرائيل لقوانين دولية تجيز لها هذا الكم من العزل والبناء؟

ويجيب العملة:“ لا يوجد أي قانون يسمح لدولة الاحتلال، أو أي نظام حاكم بأي دولة، أن يبني جدرانًا لفصل السكان عن بعضهم، (…) الجدران توصل لحالة فصل عنصري، وعلى أرض الواقع إسرائيل نظام عنصري“.

ويرى العملة أن الجدران التي تبنيها إسرائيل، ستسبب توترًا بالعلاقات بين الدول المحيطة بها، لا سيّما الأردن.

وأشار إلى أن الحدود والجدران التي تبنيها إسرائيل، ”تشعل مزيجًا من الخلافات والأحقاد بالمنطقة، وتثبت أن هذا الكيان الموجود بالعالم العربي، هو جسم غريب ويريد أن يبقى غريبًا، ولا يرغب بالسلام والاندماج“.

ويستبعد العملة بشكل كبير أن ترسّم إسرائيل حدودها بهذه الجدران.

وقال:“ إسرائيل قائمة على التوسع والأطماع، ومهمتها تفتيت الدول العربية المجاورة، لذلك تظل بلا حدود“.

ويشير الخبير العملة إلى أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة بالعالم التي ليس لها حدود، ولا تملك دستورًا؛ لأن الدستور يتطلب تحديد الشعب والحدود، لكنها حتى الآن لا تعلم من هم شعبها وما هي حدودها، حسب قوله.

وختم العملة حديثه بالقول:“ إسرائيل دولة أطماع تستهدف المنطقة العربية برمتها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com