”التعليم الديني“ يغزو مدارس تركيا.. ومخاوف العلمانيين تتصاعد – إرم نيوز‬‎

”التعليم الديني“ يغزو مدارس تركيا.. ومخاوف العلمانيين تتصاعد

”التعليم الديني“ يغزو مدارس تركيا.. ومخاوف العلمانيين تتصاعد

المصدر: رويترز

أثار التوسع في التعليم الديني بتركيا قلق بعض المواطنين، الذين يرون أن حركة التعليم الإسلامي ”تسلب الموارد والفرص من أبنائهم“.

وفي بداية السنة الدراسية 2017-2018 في سبتمبر/ أيلول الماضي، عاد إردوغان إلى مدرسته القديمة التي أصبح اسمها الآن مدرسة ”الإمام الخطيب الأناضولية/ رجب طيب إردوغان“ الثانوية بعد تطويرها باستثمارات بلغت 11 مليون دولار.

ويمثل إحياء مدارس الإمام الخطيب جزءًا من حملة أردوغان لجعل الدين محور الحياة في البلاد بعد هيمنة العلمانيين على مدى عشرات السنين.

وقد قال إردوغان من قبل إن من أهدافه تشكيل ”جيل متدين في تركيا يعمل من أجل بناء حضارة جديدة“.

ولم تكن مدرسته القديمة سوى واحدة من المدارس التي استفادت من برنامج حكومي لضخ ملايين الدولارات في التعليم الديني.

وتبين دراسة أجرتها رويترز للموازنة الحكومية والخطط الاستثمارية أن الإنفاق على مدارس الإمام الخطيب الثانوية للبنين والبنات بين سن 14 و18 عامًا سيتضاعف إلى 1.68 مليار دولار في 2018 أي ما يقرب من ربع إجمالي الإنفاق على المدارس.

ورغم أن تلاميذ مدارس الإمام الخطيب البالغ عددهم 645 ألفًا لا يمثلون سوى 11% من إجمالي طلبة المدارس الثانوية فالتمويل المخصص لهم يبلغ 23% أي ما يمثل ضعف ما ينفق على تلاميذ المدارس العادية.

ومنذ عام 2012، عندما امتد تعليم مدارس الإمام الخطيب ليشمل المدارس الإعدادية التي تتراوح أعمار طلبتها بين 10 و14 عامًا، ارتفع عدد تلاميذها الإجمالي 5 أمثال ليصل إلى 1.3 مليون طالب في أكثر من 4000 مدرسة.

وتوضح الموازنة والخطط الاستثمارية أن الحكومة تنوي استكمال إنشاء 128 مدرسة ثانوية من مدارس الإمام الخطيب في عام 2018 ولديها خطط لبناء 50 مدرسة أخرى.

كما أن تركيا عززت التعليم الديني في المدارس العادية التابعة للدولة والتي تحول بعضها ليتبع مدارس الإمام الخطيب. ولم تذكر الحكومة عددها.

لكن معايير رئيسة تبين أن المدارس الإسلامية أقل أداء من المدارس العادية رغم كل ما تحصل عليه من تمويل إضافي.

ولم ترد وزارة التعليم على أسئلة عن التوسع في مدارس الإمام الخطيب. وكان وزير التعليم عصمت يلماز قال في السابق إن الحكومة تستجيب للطلب الشعبي بفتح فروع جديدة من مدارس الإمام الخطيب.

قلق

وتسبب التوسع في التعليم الديني في قلق بعض الأتراك. وتشير مقابلات مع أكثر من 20 من الآباء والمدرسين والمسؤولين التعليميين إلى وجود انقسامات عميقة حول دور الإسلام في التعليم.

ويقول بعض الآباء من أصحاب التوجهات العلمانية إن ”حركة التعليم الإسلامي تسلب الموارد والفرص من أبنائهم“. وتمثل تلك الخلافات جزءًا من خلاف أوسع بين القطاعين الليبرالي والعلماني من المجتمع وبين قاعدة التأييد التي تدعم أردوغان بين الأتراك المحافظين المتدينين.

وكانت قاعدة التأييد تلك هي التي رفعت حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإسلامية الذي أسسه أردوغان إلى مقاعد السلطة في العام 2002. ومنذ ذلك الحين اتهم منتقدون إردوغان بالعمل على التخلص من الدولة العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك عام 1923 وإضعاف أعمدتها الرئيسة متمثلة في الجيش والقضاء ووسائل الإعلام.

إشادة واحتجاج

ويمثل مجمع مدارس الإمام الخطيب الأناضولية الجديد الذي يحمل اسم الرئيس التركي بعمارته الإسلامية في حي تاريخي على الجانب الأوروبي من اسطنبول مصدر فخر لآباء 800 تلميذ يملأون فصوله وملاعبه.

وقال الكيميائي كامبر جال (45 عامًا): ”بإذن الله ستصل كل مدارسنا إلى هذا المستوى وتلك الجودة“.

وأضاف أن ”ابنه سعيد بالذهاب لتلك المدرسة، وابنتي تحلم الآن بالذهاب إلى مدارس الإمام الخطيب عندما يحين وقت ارتدائها الحجاب وستدرس القرآن وحياة الرسول“.

وتتباهى المدرسة على موقعها الإلكتروني بنجاحها في علوم الأحياء والكيمياء واللغة العربية والموسيقى وتلاوة القرآن بل وتعليم الكاراتيه.

وتمثل دروس التعليم الديني ما يتراوح بين ربع وثلث المنهج الدراسي في مدارس الإمام الخطيب.

ويمثل ذلك لعنة في نظر العلمانيين وأصحاب الميول السياسية اليسارية وأفراد الطائفة العلوية التي تمثل أقلية تختلف طقوسها اختلافًا شديدًا عن شعائر الأغلبية السنية في البلاد.

وقالت فيراي ايتكين آيدوغان رئيسة نقابة إيجيتم سين للمعلمين وهي من منتقدي التوسع في مدارس الإمام الخطيب: ”لا حاجة لإعطاء الناس تعليمًا دينيًا كي يجدوا مهنة“.

وعلى الشطر الآسيوي من المدينة تصور مدرسة ساري غازي الستينية الإعدادية، التي أنشئت بعد مرور ستة عقود على تأسيس الجمهورية العلمانية في تركيا، بعضًا من التحديات التي يمثلها انتشار مدارس الإمام الخطيب.

فمدرسة ساري غازي ليست من المدارس الدينية في منطقة يكثر فيها وجود العلويين والعلمانيين، إلا أن جزءًا كبيرًا من مباني المدرسة تحول إلى إحدى مدارس الإمام الخطيب.

ورفعت مجموعة من الآباء التماسًا إلى السلطات التعليمية لوقف تحويل جزء من المدرسة وجمعوا مئات التوقيعات.

ويقول هؤلاء الآباء إن ”التغيير بدأ قبل عدة سنوات من خلال استضافة بضع فصول تابعة لمدارس الإمام الخطيب ثم توسعت الآن ليصل عدد تلاميذها إلى 1300 تلميذ وتعدت بذلك على المبنى الذي يضم نحو 3000 تلميذ في فصول المدرسة الإعدادية العادية“.

وقالت والدة بنت في العاشرة من عمرها في المدرسة العادية إنها ”ستواصل مع الآباء الآخرين كفاحهم لوقف تحويل المدرسة“.

وشكا آباء من أن ”التلاميذ غير المتدينين في مدرسة ساري غازي الستينية الإعدادية يحصلون على دعم أقل من تلاميذ مدارس الإمام الخطيب وأن فصولهم الدراسية أكثر ازدحامًا إذ يبلغ متوسط عدد التلاميذ في الفصل الواحد 40 تلميذًا في المتوسط مقارنة مع 30 تلميذًا في مدارس الإمام الخطيب“.

وأضافوا أنهم ”فقدوا مساحات كانت مخصصة للمعامل والفنون“.

وقالت السلطات التعليمية ردًّا على التماس الآباء إن هناك خططًا لبناء مدرسة جديدة في المنطقة. ولم يتضح من من التلاميذ سينقل إلى المدرسة الجديدة.

ويقول آباء التلاميذ في مدرسة ساري غازي الاعدادية إن التماسًا آخر قدموه في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لوقف بناء جدار في نهاية فناء بالمدرسة حقق نجاحًا. وكانوا يرون أن الجدار محاولة لتقسيم المدرسة بشكل دائم. وقالت السلطات التعليمية المحلية إنها أوقفت البناء دون ذكر أسباب.

وفشلت مجموعة من الآباء في مدرسة أخرى هي مدرسة محمود كمال إينال الإعدادية في الشطر الآسيوي من اسطنبول في حملة للحيلولة دون تحولها إلى إحدى مدارس الإمام الخطيب.

ووقف الآباء يسدون بوابة المدرسة ونظموا احتجاجات ووقع المئات التماسًا. ولم يجد ذلك نفعًا. ولم تقبل المدرسة في السنة الدراسية 2017-2018 سوى التلاميذ المتقدمين لمدرسة الإمام الخطيب.

”مدارس الأخلاق“

أولت الحكومات المتعاقبة لحزب العدالة والتنمية أولوية قصوى للتعليم، حيث زادت إنفاق وزارة التعليم إلى حوالي 12.3% من الميزانية الإجمالية هذا العام من 6.9% في 2003 أول عام كامل للحزب في السلطة.

وبرغم كل التمويل الذي خصص للمدارس، إلا أن بيانات العام 2017 بشأن الأماكن المتاحة بالجامعات تظهر أن خريجي المدارس الدينية أقل من نظرائهم بالمدارس العادية. فقد حصل 18% فقط من المتقدمين من المدارس الدينية على أماكن لدراسات مؤهلة لدرجات علمية كاملة في الجامعة العام الماضي مقارنة مع 35% من المدارس العامة العادية و45% من المدارس الخاصة.

وأظهر مسح للأداء الأكاديمي نشر في ديسمبر/ كانون الأول 2016 لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نجاح تلاميذ مدارس الإمام الخطيب أقل من المتوسط على المستوى الوطني.

وبصورة أعم، تراجعت تركيا 8 مراكز في المتوسط في تصنيفات المسح لكل من العلوم والرياضيات والقراءة مقارنة مع الدراسة السابقة قبل نحو 3 سنوات إلى المرتبة الخمسين من بين 72 دولة.

ويمثل ذلك انتكاسًا للتقدم الذي حققته تركيا في الفترتين السابقتين لحكومة حزب العدالة والتنمية. وكان ذلك أيضًا انتكاسة لإردوغان، الذي يأمل في أن يساعد تحسين مستويات التعليم في تحقيق هدفه بجعل تركيا إحدى أفضل عشر اقتصادات في العالم بحلول العام 2023 الذي يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية العلمانية على يد أتاتورك.

مبالغة

قال خالد بكر أوغلو رئيس مجلس إدارة رابطة لأعضاء وخريجي مدارس الإمام الخطيب إن ”مخاوف العلمانيين بشأن المدارس مبالغ فيها“.

وأضاف أن ”إحياء تلك المدارس يعكس الطبيعة الدينية المحافظة لغالبية المجتمع التركي كما يعكس رغبة في التغيير في نظام تعليمي استورد أفكارًا غربية في السابق“.

وتابع: ”التحديث والتغريب لم يطبقا بشكل صحي. لقد طبقا على نحو سطحي وشكلي وقاس وبطريقة القص واللصق. لم يكن ذلك منسجمًا مع التركيبة الاجتماعية لهذا البلد“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com