مفاوضات جنيف 9 تصطدم بالتناقض التركي وتصعيد النظام السوري

مفاوضات جنيف 9 تصطدم بالتناقض التركي وتصعيد النظام السوري

يلقي التصعيد العسكري الذي تشهده مناطق مشمولة باتفاق خفض التوتر في سوريا، منذ نحو 3 أسابيع، بظلاله على الجولة القادمة من مفاوضات جنيف في جولتها التاسعة المقررة عقدها في موعد لاحق من الشهر الجاري للوصول إلى حل ينهي الأزمة السورية.

ومع اقتراب موعد الاجتماع بين وفدي النظام والمعارضة برعاية الأمم المتحدة عبر ممثلها ستيفان ديمستورا، ترتفع حدة العمليات العسكرية والاستهداف المتبادل بين النظام والمعارضة، ما يشكل تهديدًا فعليًا لاستمرار المفاوضات.

ونجحت الأمم المتحدة لحد الآن في عقد 8 جولات سابقة منذ عام 2012، ورافق كل جولة من جولاته السابقة تصعيد عسكري وصعوبات كثيرة تسببت في تأخير عقد عدد من الجولات، لكن تلك العقبات لم تمنع المفاوضات من الاستمرار طوال السنوات الماضية ولحد الآن، فيما يبقى مصير الجولة التاسعة غامضًا.

تصعيد خطير

يكتسب التصعيد العسكري الحالي أهميته كون الأطراف الدولية التي تدعم طرفي الصراع تكاد تصطدم بشكل مباشر فيما بينها بالرغم من كون قوات سورية من النظام والمعارضة هي من تشتبك فعليًا على الأرض أو تنفذ هجمات جوية وبرية.

ويقول مراقبون إن التطورات السياسية المتلاحقة خلال الأيام القليلة الماضية ناجمة عن خطورة الوضع، وليس كما يرى البعض لسقوط عدد كبير من المدنيين في بلد سقط فيه قرابة نصف مليون قتيل في الحرب المستمرة منذ العام 2011 بين المدنيين.

واستدعت أنقرة سفيري موسكو وطهران لديها احتجاجًا على قصف النظام السوري مناطق مختلفة في محافظة إدلب في الأيام الماضية، قائلةً إن البلدين الحليفين لدمشق والضامنين للنظام السوري لا يمنعانه من الهجوم المخالف لاتفاق وقف التصعيد.

وترى موسكو أن الاتفاق لا يشمل فصائل المعارضة المصنفة “إرهابية” في الغوطة الشرقية وإدلب، في إشارة لجبهة النصرة التي تصنف بكونها الأقوى في مناطق واسعة من محافظة إدلب.

غضب روسي

بدت روسيا التي تعد اللاعب الأقوى في الساحة السورية غاضبة على غير عادتها بعد أن تعرّضت لهجوم بطائرات مسيرة تقول إن دفاعاتها الجوية تصدت لها، لكنها فتحت تحقيقًا موسعًا في الهجوم في إشارة لخطورته.

وجاء الهجوم بعد أيام من هجوم آخر لكن بقذائف الهاون على قاعدة حميميم العسكرية الجوية، تتكتم موسكو على حجم الخسائر التي خلّفها في طائراتها العسكرية الرابضة في القاعدة، ومكتفيةً بإعلان مقتل جنديين روسيين فقط في الهجوم، فيما تقول تقارير إعلامية من الداخل السوري إن الهجوم خلف خسائر كبيرة في الطائرات.

ويربط عدد من المحللين السياسيين، التصعيد الحاصل في مناطق خفض التوتر، بالهجومين، إذ اعتبرت روسيا أن أنقرة مسؤولة عن هجوم الطائرات المسيرة عن بعد بشكل أو بآخر، كونه انطلق من مناطق تسيطر عليها المعارضة المعتدلة في إدلب التي تعد تركيا بقواتها العسكرية المتمركزة في أربع نقاط ضامنًا لتلك القوات بمختلف فصائلها.

وتخشى تركيا فيما يبدو أن يتسع الرد الروسي على الهجوم، ومنح قوات النظام السوري وقوات إيرانية موالية لها صلاحيات أشمل وتغطية جوية أكبر لتنفيذ مزيد من الهجمات على مناطق محافظة إدلب التي تتواجد فيها قوات تركية، ما يهدد أيضًا بتقلص مساحة الأراضي الخاضعة لقوات المعارضة في إدلب وبدء موجة نزوح كبيرة للسكان نحو تركيا التي تكتظ حاليًا بأكثر من 3 ملايين لاجئ سوري.

التناقض التركي وتصعيد نظام الأسد

يرى محللون سياسيون مستقلون أن التناقض المستمر في السياسة التركية، والقساوة التي تتسم بها قوات النظام السوري في هجماتها، هما السبب الرئيس في التصعيد الذي تشهده البلاد في الأسابيع القليلة الماضية وخلّف عشرات الضحايا بين المدنيين، بمن فيهم أطفال قضوا تحت أنقاض منازل دمّرها قصف طيران قوات الأسد.

واتّسمت السياسة التركية في سوريا منذ بدء أزمتها في 2011 بالتناقض والتغير المستمر، ووصل عداؤها لدور موسكو في سوريا لإسقاط مقاتلة روسية كانت تشن هجومًا على قوات للمعارضة في 2015 قبل أن تتراجع أنقرة عن موقفها وتتفق مع الروس على عدة مبادرات وخطط مشتركة في سوريا، رغم بقاء الخلاف بين الطرفين حول مصير الرئيس بشار الأسد قائمًا في ظل تمسك أنقرة برحيله للوصول لحل الأزمة.

واتهم محللون سياسيون روس ووسائل إعلام كبرى تصدر في موسكو، أنقرة بعدم فعل ما هو مطلوب منها في إدلب رغم علاقة الأتراك الواسعة ونفوذهم على فصائل المعارضة السورية المختلفة.

كما تسببت هجمات النظام السوري الدموية على مناطق في إدلب والغوطة الشرقية بحجة استهداف جبهة النصرة المصنفة أمميًا كمنظمة إرهابية، في رد عسكري سريع وقوي من فصائل المعارضة السورية المنضوية تحت مسمى الجيش السوري الحر الذي عزا هجماته لإجبار النظام السوري على التوقف عن استهداف المدنيين الذين اجتاحت صورهم تحت الأنقاض مواقع التواصل الاجتماعي على مستوى العالم.

اتفاق دولي

رغم كل الغموض الذي يحيط بجولة المفاوضات القادمة في جنيف، فإن عقدها شبه مؤكد مع احتمال تغيير في موعد المؤتمر كما جرى في عدد من جولاته الثمانية السابقة التي تأثرت بالتطورات على الأرض ومواقف الدول الداعمة لطرفي الصراع دون أن يتم إلغاء أي منها نهائيًا.

وثمة إجماع أممي على ضرورة حل الأزمة السورية وفق قرار مجلس الأمن 2254 الذي يتجاهل مطالب طرفي الأزمة الشهيرة، سواء بإسقاط النظام، أو القضاء على المعارضة نهائيًا، ويركز على مرحلة انتقالية يتشارك فيها طرفا الحكم تمهيدًا لإجراء انتخابات ووضع دستور وإنهاء أزمة وصلت تداعياتها لمختلف دول العالم بما فيه أوروبا التي استقبلت مئات آلاف اللاجئين السوريين الفارين من الحرب.

تفاؤل

يقول مراقبون إن مسار جنيف الأممي مستمر مهما حاول طرفا الصراع العسكري، ومن خلفهم الدول الداعمة، عرقلته، وأن الإجماع الأممي يفرض نفسه على كل من يحاول وضع عراقيل للحل السياسي تلبية لمصالحه الخاصة أو لمصالح داعميه أو تبدّل مواقفهم.

وتكتسب تلك التحليلات المتفائلة بالوصول إلى حل عن طريق الحوار رغم التصعيد الحاصل، تكتسب قوتها من كون مسار مفاوضات جنيف يستند للقرار 2254 الذي صدر في أواخر العام 2015 بإجماع نادر للقوى العظمى ذات النفوذ على طرفي الأزمة السورية.

كما تكتسب تلك التحليلات قوتها من أن الرافضين أو المشككين في جدوى مؤتمرات حوار موازية تدعمها موسكو مثل مؤتمر “سوتشي” المزمع عقده لاحقًا أو مفاوضات “أستانة” السابقة في كازاخستان، يرفعون شعار المطالبة بالعودة لجنيف والحوار هناك على أساس القرار 2254.

ويخشى بعض المراقبين أن يلقي التصعيد العسكري في مناطق خفض التوتر بظلاله على مفاوضات جنيف القادمة، لا بإلغاء الجولة رقم 9، وإنما بعدم الخروج منها بنتائج جديدة لما وصلت إليه مفاوضات جنيف 8 التي انتهت الشهر الماضي، وعانت بدورها من التجاذبات السياسية بين طرفي الأزمة اللذين لا يمتلكان قرارًا مستقلًا بعيدًا عن داعميهم.

وبدت المؤشرات على تراجع مستوى التصعيد تظهر بشكل متتابع مع اقتراب عقد مفاوضات جنيف 9 أواخر الشهر الجاري، لاسيما تبرئة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركيا من الهجوم على قاعدتي طرطوس وحميميم، واتهام أطراف أخرى لم تكشف عنها موسكو بعد، بتدبير الهجوم من داخل مناطق خفض التوتر في إدلب.