بماذا تميزت الاحتجاجات الإيرانية الحالية عن سابقاتها؟

بماذا تميزت الاحتجاجات الإيرانية الحالية عن سابقاتها؟

المصدر: الأناضول

دخلت موجة الاحتجاجات الشعبية في إيران، أسبوعها الثاني، ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها شوارع إيران احتجاجات من هذا النوع لكنها تختلف عن كل ما سبقها.

وقد واجه النظام الثيوقراطي، الذي تحكم فيه طبقة من رجال الدين البلاد بطريقة استبدادية، مشكلة خطيرة تتعلق بشرعيته على مدار العقدين الماضيين.

ونتيجة لذلك، كان الإيرانيون دائمًا يبحثون عن فرص لتنفيث غضبهم، لكن المؤسسة الحاكمة على النقيض كانت تحاول خلق صمامات أمان، مثل إجراء انتخابات منتظمة، بغرض التخفيف من انزعاج المواطنين ويأسهم.

وقبل 7 أشهر فقط من اندلاع الانتفاضة، كانت إيران قد أجرت الانتخابات الرئاسية الثانية عشرة، التي تمخض عنها فوز حسن روحاني بأغلبية واضحة للمرة الثانية.

خيبة أمل

وقبل عامين، تجمعت أعداد من سكان العاصمة طوعًا فى مطار طهران لاستقبال وزير خارجية روحانى (جواد ظريف) لدى عودته من فيينا حيث أبرم اتفاقًا نوويًا مع المجتمع الدولي.

وكان الإيرانيون يملؤهم الأمل في أن يحقق الاتفاق النووي الرخاء للبلاد، وفي الواقع أيضًا، إلى جانب تخفيف العقوبات، تم الإفراج عن الملايين من الدولارات، التي كانت مجمدة في الخارج. ولكن هذا المال لم يعد إلى الشعب.

ويعتقد الإيرانيون أن تلك الأموال إما أنفقت على ”حزب الله“ في لبنان، وبشار الأسد في سوريا، والمسلحين الشيعة في العراق، والحوثيين في اليمن، أو تم إيداعها ببساطة في حسابات عدد من رجال الدين الأقوياء في ”قم“ بغرض النهوض بالمشروع الشيعي العالمي.. كل هذه الأمور أصبحت على نحو خطير جزءًا من حديث الشارع الإيراني.

بدأت المشكلة لأول مرة في 10 كانون الأول / ديسمبر 2017 عندما قدم روحاني مشروع ميزانيته السنوية إلى مجلس الشورى الإسلامي.

وفي الواقع، بدا مشروع الميزانية وكأنه تقرير إفلاس، لكنه فتّح أعين الإيرانيين على المسار الذي تسلكه ثرواتهم الوطنية.

فعلى سبيل المثال، فإن ميزانية جامعة المصطفى العالمية (وهي مؤسسة تعمل على نشر التشيع في جميع أنحاء العالم، من إندونيسيا إلى بوركينا فاسو والنيجر)، تزيد على حجم الميزانيات المشتركة لوزارة الطرق والتنمية الحضرية، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، والمنظمة الوطنية للغذاء والدواء. وقد عصف مشروع الميزانية بآخر بصيص أمل من شأنه تحسين مستوى معيشة الشعب.

وعلى الجانب الآخر، كان المحافظون غاضبون بالفعل من تصريحات روحاني قبل وبعد الانتخابات الرئاسية التي جرت مايو/أيار 2017. وكانوا يخططون أيضًا للاستفادة من الفشل الاقتصادي للرئيس من خلال استغلال الطبقات الضعيفة في المجتمع. وكانت مدينة مشهد مكانًا مثاليًا بشكل خاص لهذا الغرض لسببين بسيطين:

أولًا: هي مركز قوة إبراهيم رئيسي (منافس روحاني في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والقيّم على ”ضريح الإمام الرضا“)، وحماه (والد زوجته)، حجة الإسلام علم الهدى (خطيب الجمعة في مشهد، والحاكم الفعلي للمدينة).

ثانيًا: المدينة هي موطن عدد كبير من الفقراء. وعمومًا، تجذب المدن الدينية الفقراء الذين يعتمدون على الصدقات والتبرعات.

وفي السنوات الأخيرة، انخفض معدل التبرعات والصدقات بسبب تراجع الوضع الاقتصادي، وباتت حياة هؤلاء الأشخاص أكثر بؤسًا. وبالتالي أصبح من الأسهل استغلال مظالمهم.

حسابات خاطئة

وتوقع المحافظون أن تظل الاحتجاجات تحت السيطرة وأن توفر لهم ذريعة للضغط على الرئيس، لكن المتظاهرين سرعان ما أظهروا نواياهم الحقيقية عندما بدأوا يطالبون بنهاية ”الجمهورية الإسلامية“. وفي اليوم التالي امتدت الانتفاضة إلى عشرات المدن وخرجت عن السيطرة.

ومع ذلك، فإن القفز إلى أي استنتاج حول النتيجة المحتملة للانتفاضة قد يكون سابقًا لأوانه حتى الآن. لكن يمكننا أن نسأل بأريحية السؤال التالي: ما أهم جوانب هذه الانتفاضة وكيف تختلف عما سبقها؟.

وللإجابة عن هذا السؤال ذي الشقين، لا بد من تناول التركيبة الديمغرافية للمتظاهرين، وطبيعة الشعارات التي يرددونها، والتوزيع الجغرافي للانتفاضة.

في الواقع، تختلف هذه الانتفاضة المتواصلة في جميع الجوانب عن أي احتجاجات حدثت في السابق. فعلى سبيل المثال، خلال أعمال الشغب التي تلت الانتخابات الرئاسية لعام 2009، كان أغلب المتظاهرين من الطبقة فوق المتوسطة، وكان شعارهم الأساسي هو: ”أين صوتي؟“.

فقد كان هؤلاء يطالبون بحقوقهم المدنية، لكن في الانتفاضة الحالية، فإن غالبية المتظاهرين من طبقة ”حفاة الأقدام“، وهم الشريحة مهضومة الحقوق في المجتمع، وشعارهم هو ”أين نقودي؟“، وهو ما يعني مطالبتهم بأبسط الحقوق الأساسية.

أيضًا في الانتفاضة الحالية، ردد المتظاهرون شعارات من قبيل ”إصلاحي! صاحب مبادئ! المغامرة قد انتهت! ”، و“الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإيرانية!“. وهذا يعني أن المتظاهرين فقدوا ثقتهم في الإصلاحات السياسية من جانب المعسكر الإصلاحي داخل المؤسسة.

ويشير هذا إلى أن المتظاهرين لم يعودوا يرون حلًا داخل النظام لمشاكلهم، ويرون أن الحل ربما يأتي من خلال إعادة هيكلة كاملة للنظام السياسي.

أنواع الشعارات المختلفة، التي تتراوح بين مطالب ”توفير الحقوق الأساسية“، والمطالبة بإعادة هيكلة النظام السياسي برمته، تعني أن سقف المطالب مختلف هذه المرة. ولذلك، فإن الحركة تعددية في طبيعتها.

وبعبارة أخرى، فإن أُناسًا مختلفين ذوي مطالب مختلفة يحتجون جنبًا إلى جنب، والعامل الوحيد الذي يربطهم معًا هو مطالبتهم بالتغيير.

كما أن الانتفاضة الحالية واسعة الانتشار في كل ركن من أركان البلاد. والأهم من ذلك، على عكس الانتفاضات السابقة، ظهرت في هذه المرة المدن الصغيرة والنائية على سطح المشهد، لأن الناس في هذه المدن قد تأثروًا سلبيًا بسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويلاحظ أيضًا أن معظم المدن المضطربة تهيمن عليها جماعات عرقية غير فارسية مثل اللور والعرب والأكراد وغيرهم.

وتعد الانتفاضة الحالية هي الأكثر شمولية في الجمهورية الإسلامية حتى الآن، وهناك بعض القضايا الأساسية التي يمكن أن تلعب إما أدوارًا سلبية أو إيجابية في تحديد مسار الانتفاضة:

أولًا، الانتفاضة ليس لديها قائد. ويمكن أن يكون ذلك ميزة أو عيبًا. فيمكن للقادة إعطاء التوجيهات، وجمع المحتجين تحت راية مجموعة محددة من الأهداف وتزويدهم بخط عمل مستقبلي، ومع ذلك، وفي نظام مثل نظام إيران، فإن الأمر ينطوي أيضًا على مخاطر.

فيمكن أن يتم اعتقال قائد الاحتجاج بشكل قد يؤدي إلى كسر معنويات الحركة الاحتجاجية، كما حدث مع الحركة الخضراء عندما تم اعتقال قائديها (موسوي وكروبي).

ثانيًا، رغم انتشار الانتفاضة من حيث المساحة الجغرافية، فإن الطبقتين الوسطى والعليا لم تنضما إليها بشكل كبير. والسبب هو أن هذه الفئة لا تزال تعاني من الصدمة الناجمة عن انتخابات 2009، بالإضافة إلى شكوكهم في أصول هذا الاحتجاج، حيث يرونها مؤامرة يدبرها معسكر المحافظين للضغط على الرئيس روحاني.

ثالثًا، يمكن للمجتمع الدولي أيضًا أن يلعب دورًا مهمًا في تعزيز معنويات المتظاهرين. فخلال احتجاجات 2009، كان أحد الشعارات ”أوباما! أوباما! إما معهم أو معنا!“.

ولكن هذه المرة يستخدم خلفه دونالد ترامب وأعضاء حكومته وسائل التواصل الاجتماعي بشكل نشط، ويقدمون دعمًا معنويًا للمتظاهرين من خلال تلك القنوات. غير أن هذا الأمر يمد المؤسسة الحاكمة بذريعة لقمع المتظاهرين من خلال تصنيفهم بأنهم ”عملاء للولايات المتحدة“.

وسيحتاج المرء إلى الانتظار والوقوف على كيفية تعامل السلطات الإيرانية مع الانتفاضة. وحتى الآن تبدو المؤسسة مشوشة.

كما أنه لا يوجد توافق في الآراء بين النخبة الحاكمة حول كيفية التعامل مع هذه القضية بسبب التجاذبات الجارية بين مختلف الشخصيات والشرائح السياسية.

إدارة سيئة للغاية

ولا شك أن الجمهورية الإسلامية قوية بما يكفي لسحق الانتفاضة، ويمكن لنظام يتمتع بخبرة واسعة في إخماد الثورات في سوريا والعراق أن يقمع بسهولة انتفاضة داخل بلاده. لكن بينما تبدو المؤسسة الإيرانية جيدة جدًا في القمع، فإنها سيئة للغاية في الإدارة.

وهناك بالفعل دلائل على أنها غير مستعدة لمواجهة الواقع كما هو. إذ تزعم إيران أن المتظاهرين خرجوا إلى الشوارع بناء على دعوة من دول أجنبية.

وبالنظر إلى طبيعة الشعارات والطبيعة الديمغرافية للمتظاهرين والمساحة الجغرافية التي تنتشر فيها الانتفاضة، يمكن القول إنه حتى إذا لم تعمل الاضطرابات الحالية على إنهاء ”الجمهورية الإسلامية“، فإنها ستظل بالتأكيد تفرض تحديًا على النظام الحاكم، لأن الشعب قد خلص إلى نتيجة (نظريًا على الأقل) مفادها أن حل مشاكله ليس بيد النظام الحالي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com