بين الدوحة ودمشق.. الجيش الروسي ينزل إلى ساحات السياسة بضوء أخضر من بوتين

بين الدوحة ودمشق.. الجيش الروسي ينزل إلى ساحات السياسة بضوء أخضر من بوتين
FILE PHOTO: Russian President Vladimir Putin (R) and Defence Minister Sergei Shoigu attend the Victory Day parade, marking the 71st anniversary of the victory over Nazi Germany in World War Two, at Red Square in Moscow, Russia, May 9, 2016. REUTERS/Grigory Dukor/File Photo

المصدر: رويترز

بدأ وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، يظهر في أماكن غير متوقعة من دمشق إلى الدوحة، وذلك في مؤشر على تنامي نفوذ الجيش الروسي في عهد الرئيس فلاديمير بوتين.

ففي الشهور القليلة الماضية، أجرى شويغو محادثات مع الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق، ومع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب، كما استقبله أمير قطر في الدوحة، وكان في بعض المناسبات يرتدي زي العمليات العسكرية.

وبدأت الحواجب ترتفع تعبيرًا عن الدهشة في روسيا، لإقحام وزارة الدفاع نفسها في مجالات ظلّت لفترة طويلة حكرًا على وزارة الخارجية، حيث تقتضي المراسم بأن يُجري الوزراء في العادة محادثات مع نظرائهم المباشرين فقط في الدول الأجنبية.

وهكذا بدأ الجيش الروسي يحصد المغانم السياسية لما اعتبره الكرملين نجاحًا كبيرًا في شبه جزيرة القرم، التي ضمّتها روسيا من أوكرانيا بعد أن سيطر جنود روس يرتدون زيًا موحدًا ليس عليه علامات مميزة على شبه الجزيرة في عام 2014، وفي سوريا حيث ساعدت القوات الروسية في تحويل مسار الحرب لصالح الرئيس بشار الأسد.

وقال مسؤول روسي قديم يتعامل مع وزارة الدفاع، وطلب عدم نشر اسمه لأنه لا يملك سلطة التحدث لوسائل الإعلام: ”تُرجم ذلك إلى نفوذ أكبر على أعلى المستويات“.

ولم يرد الكرملين ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية على طلبات تفصيلية للتعليق في هذا التقرير. غير أن 3 مصادر مطلعة على عمل الوزارتين أكدت هذا الاتجاه.

وقد تسبب تنامي نفوذ الجيش الروسي في استياء بين بعض الدبلوماسيين الروس، وتوتر بين بعض المسؤولين الغربيين، لما يضفيه ذلك من سمة التشدد على السياسة الخارجية الروسية.

ويقول بعض المسؤولين الغربيين، إن رسم السياسة الخارجية الروسية اكتسب طابعًا حربيًا وازداد غموضًا، وإن ذلك يرجّح احتمال دخول روسيا في مغامرات عسكرية جديدة.

وقال مسؤول غربي طلب عدم نشر اسمه لحساسية الموضوع: ”إذا أنت سمحت لوزارة الدفاع بصلاحيات أكبر في السياسة الخارجية فستبحث عن المتاعب“.

كما أحيا الدور البارز الذي يلعبه شويغو حليف بوتين المخلص، ما يتردّد منذ مدة طويلة عن إمكانية ترشحه للرئاسة إذا ما اضطر بوتين، الذي يسعى للفوز بفترة رئاسية رابعة في الانتخابات خلال شهر مارس/ آذار المقبل، للتنحي فجأة وعجز عن إتمام فترة الرئاسة التي تبلغ مدتها 6 سنوات.

وليس لشويغو (62 عامًا) أي نشاط في الحياة الحزبية، غير أن استطلاعات الرأي كثيرًا ما تجعله ضمن أكثر 5 مرشحين شعبية لتولّي الرئاسة، كما أنه يأتي من حيث ثقة الشعب فيه في المرتبة الثانية بعد بوتين الذي نشرت له صور معه وهما في رحلة لصيد الأسماك خلال الصيف.

سوريا ميدان نفوذ شويغو

نفوذ الجيش على المستوى السياسي، وفي السياسة الخارجية، أوضح ما يكون في سوريا؛ فقد سافر شويغو إلى دمشق مرتين هذا العام لإجراء محادثات مع الأسد، وكان واقفًا بجوار بوتين هذا الأسبوع عندما توجّه إلى سوريا للقاء الزعيم السوري، ولم يقم وزير الخارجية سيرغي لافروف بزيارة سوريا خلال 2017.

وعلى غير المعتاد لوزير الدفاع، شارك شويغو في مساع دبلوماسية لإحلال السلام في سوريا، وفي هذا الدور شدد على أهمية صياغة دستور جديد للبلاد، واجتمع مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا، وأجرى مباحثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وقال مسؤول غربي أجرى اتصالات مباشرة مع وزارتي الخارجية والدفاع، إن الجيش الروسي له ثقل في دمشق ليس لوزارة الخارجية.

وقال المسؤول، إن ثمة ”ثقة قوية متبادلة“ بين الجيش الروسي وكبار المسؤولين في دمشق لأن ”الروس أنقذوهم والسوريون يحترمون ذلك“.

ولوزارة الخارجية خبراء لهم ثقلهم في شؤون الشرق الأوسط، ومازالت تلعب دورًا مهمًا في سوريا، إذ ساعدت في إجراء محادثات السلام التي تمّت في كازاخستان، غير أن مساعي لافروف للتوصل إلى اتفاق أمريكي روسي من أجل التعاون في سوريا، أظهرت مدى الاختلاف في التفكير أحيانًا بين وزارتي الخارجية والدفاع.

ولا يزال لافروف يعتبر دبلوماسيًا ذا قدرات هائلة ويثق فيه بوتين ويحترمه، غير أن المسؤولين الغربيين يقولون إنه لا يُستدعى لحضور كل الاجتماعات المهمة، ولا يتم إطلاعه على العمليات العسكرية الكبرى في سوريا.

تدخلات في السياسة

تقول وكالات مخابرات أمريكية، إن من التدخلات الأخرى للجيش الروسي في السياسة الخارجية، الدور الذي لعبه في ما تردّد عن التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية العام الماضي.

وتقول هذه الوكالات، إن وكالة المخابرات العسكرية الخارجية الروسية (جي.آر.يو) اخترقت حسابات البريد الإلكتروني التي تخص مسؤولين وساسة في الحزب الديمقراطي الأمريكي، ودبّرت تسريبها إلى وسائل الإعلام لمحاولة التأثير على الرأي العام، وإبعاده عن هيلاري كلينتون المنافسة الرئيسة لدونالد ترامب.

ومن التدخلات الأخرى في السياسة، ما حدث في إفادة صحفية في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015 عندما قالت وزارة الدفاع، إن لديها دليلاً على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعائلته يستفيدون من تهريب النفط من الأراضي الخاضغة لتنظيم داعش في سوريا والعراق.

وقال أردوغان، إن هذه الاتهامات قذف بحقه، وجاءت الاتهامات بعد أسبوع من إسقاط سلاح الجو التركي طائرة حربية روسية قرب الحدود السورية التركية.

وكان رد وزارة الدفاع الروسية على ذلك الحادث، أشد حدة من رد الدبلوماسيين الروس، وذلك في إطار سياسة إعلامية واسعة النطاق شملت انتقادات متكررة لوزارة الخارجية الأمريكية وسياسة واشنطن الخارجية.

ومن المناطق الأخرى التي أبدت وزارة الدفاع اهتمامها بها مصر والسودان وليبيا.

وشارك شويغو في محادثات بين بوتين والرئيس السوداني عمر حسن البشير في موسكو الشهر الماضي، واستضافت الوزارة قائد القوات الليبية في شرق ليبيا خليفة حفتر على متن حاملة الطائرات الوحيدة التابعة لها في يناير/ كانون الثاني، وخلال تلك الزيارة تحدث حفتر إلى شويغو عبر دائرة تلفزيونية عن محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط.

وقال مسؤول غربي، إن مثل هذه الأحداث تغذّي المخاوف من أن تكون روسيا بصدد التخطيط لتوسيع دورها فيما يتجاوز سوريا، حيث توجد لها قاعدة جوية وقاعدة بحرية ليشمل مناطق أخرى مثل اليمن والسودان وأفغانستان.

ويقول محللون روس ومسؤولون غربيون، إن نفوذ الجيش الروسي في رسم السياسات الداخلية توسع أيضًا، إذ يطلب بوتين معرفة رأيه في كل شيء من الاقتصاد الرقمي إلى الأمن الغذائي.

ويرجع ذلك في جانب منه إلى أن بوتين غيّر الطريقة التي يأخذ بها القرارات منذ ضم شبه جزيرة القرم، ووسّع نطاق ما يبحثه مجلس الأمن الروسي الذي يرأسه ليشمل الكثير من مسائل السياسة الداخلية.

وقالت تاتيانا ستانوفايا، رئيسة قسم التحليلات في مركز التكنولوجيا السياسية: ”أحياناً عندما يسود شعور بأن روسيا يتزايد من حولها الأعداء، يستشير بوتين أجهزة المخابرات والجيش بشكل أكبر عندما يأخذ كل القرارات، وهو يلتقي بهم طوال الوقت“.

وأضافت ستانوفايا، أن ذلك لا يعني أن الجيش يبادر بطرح الأفكار، بل إن بوتين يأخذ آراءه في الحسبان بدرجة أكبر مما كان يحدث في الماضي، وأن له الآن صوتًا مهمًا في مجالات السياسة الداخلية.

خلفية تاريخية

تقلّب نفوذ الجيش الروسي بين الصعود والهبوط في روسيا، وفي الاتحاد السوفيتي قبل ذلك؛ ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في الخمسينات، كان له نفوذ هائل بعد وفاة الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، وذلك عندما كان جورجي جوكوف أحد القادة الذين نسب لهم الفضل في هزيمة ألمانيا النازية، وزيرًا للدفاع.

غير أن هيبة الجيش انهارت بسبب الانسحاب السوفيتي ”المخزي“ من أفغانستان الذي اكتمل عام 1989 وحربين خاضتهما روسيا في الشيشان بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكذلك غرق الغواصة النووية ”كورسك“، وفقدان كل من كانوا على متنها وعددهم 118 فردًا عام 2000.

وعاود نجم الجيش الروسي الصعود في عهد بوتين، ضابط المخابرات السوفيتية السابق الذي تولى بصفته رئيسًا للبلاد منصب القائد العام للقوات المسلحة، وشهد اللإنفاق الدفاعي زيادة كبيرة وانتشر الجيش في جورجيا وأوكرانيا وسوريا واستغلّت السلطات تحركات الجيش في إثارة المشاعر الوطنية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com