أردوغان والتصدي للقضية الفلسطينية.. نوايا صادقة أم انتهازية سياسية؟

أردوغان والتصدي للقضية الفلسطينية.. نوايا صادقة أم انتهازية سياسية؟

المصدر: حنين الوعري – إرم نيوز

أثناء شن قوات الاحتلال الإسرائيلي هجمة دموية على قطاع غزة بنزاع مسلح غير متكافئ ضد الجناح العسكري لحركة حماس، عمل رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان على إبراز صورته كبطل إسلامي أمام القضية الفلسطينية.

وحينها انتقد أردوغان الرئيس الإسرائيلي آنذاك والمتحدث إلى جانبه شمعون بيريز، بعد أن أنهى وقته المخصص للدفاع عن التوغل الإسرائيلي، في مؤتمر دافوس السويسرية.

وقال أردوغان تعقيبًا على حديث بيريز: “ السيد بيريز أنت أكبر سنًا مني، أنت تتحدث بصوت عالٍ أكثر من اللازم. وعلو صوتك يجب أن يكون مرتبطًا بضمير المذنب.. أنتم تقتلون الناس… أنا أتذكر الأطفال الذين ماتوا على الشواطئ، وأذكر قيام اثنين من رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين بالقول إنهم سعيدون بدخول فلسطين بالدبابات“.

وكان ذلك نقطة تحولّ لأردوغان، إذ أدى المديح الذي حصل عليه من الشارع العربي والإسلامي ومنه تسمية الغزاويين أطفالهم ”رجب“ تيمنًا به، إلى إرشاده لوجهة واضحة وهي الدفاع عن العالم الإسلامي وقضاياه في كل فرصة متاحة.

وبعد قرابة 8 سنوات، عاد الرئيس أردوغان لقضية الفلسطينيين محاولًا امتلاك زمام رد العالم الإسلامي على قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

وكانت مبادرته الرئيسة تتمثل في الدعوة لعقد منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 عضوًا، وتتولى تركيا الآن رئاستها الدورية، اجتماعًا طارئًا في إسطنبول اليوم الأربعاء.

ولم يذكر أردوغان توقعاته من قمة منظمة التعاون الإسلامي، إلا أن نائب رئيس الوزراء التركي بكر بوزداغ اقترح خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن الإدانة فحسب لن تكون كافية، وأن هناك حاجة للقيام ”بالمزيد“.

إلا أن وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو أشار يوم الثلاثاء، إلى أنهم يعرضون الدعوة لفرض عقوبات، وأنهم سيطالبون بالاعتراف بفلسطين.

وقال تشاويش أوغلو لإذاعة تركية محلية خاصة: ”ما هي طبيعة العقوبات التي يمكن فرضها على الولايات المتحدة؟ نحن نتوقع من الولايات المتحدة تصحيح خطئها، نحن نعترف بالقدس الشرقية عاصمةً لفلسطين بحدود عام 1967، وسيكون ضمن طرح يوم الأربعاء“

السيد المشهور

يتوافق الدفاع عن قضايا العرب والإسلام مع المعتقدات الدينية لأردوغان، كما تتوافق أيضًا مع رغبته برؤية عودة أيام مجد الإمبراطورية العثمانية، واستعادة تركيا مكانتها كزعيمة العالم الإسلامي.

ودائمًا ما يسرع العالم الإسلامي والعربي الذي يعاني منذ عشرات السنين من مجموعة حكام تجاهلوا رغبات شعوبهم، بغض النظر عن توجهاتهم الإسلامية السياسية، لـ“تقديس“ أي شخص مستعد للتحدث علنًا نيابةً؛ عنهم حتى لو لم يؤد ذلك إلى اتخاذ إجراءات حازمة.

وسارعت حكومة أردوغان منذ مؤتمر دافوس إلى حشد الموارد التركية، وإرسال المساعدات إلى أماكن مختلفة، إذ أصبح المسلمون معرضين للخطر، سواء أكانوا مسلمي الصومال أم الروهينغيا في بورما. ويقول النقاد إن ”المساعدات القليلة هي استثمار بسيط تقدمه تركيا مقابل حصولها على عوائد سياسية عالية“.

وخلال فترة عضويتها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بين الأول من كانون الثاني/ يناير 2009 إلى الـ 31 من كانون الأول/ ديسمبر 2010،  عززت تركيا من النظرة للعالم الإسلامي في بضع جلسات شملت المنطقة.

وربما الأهم من ذلك هو أن دعم قضايا مسلمي العالم ساعد أردوغان على تعزيز سمعته بين أكبر شريحة ناخبين في بلده، وهم المسلمون المحافظون.

ويظهر الاستطلاع الأخير الذي أجراه مركز بيوPew  للأبحاث في الولايات المتحدة، أنه بالرغم من الآراء المتباينة لا يزال أردوغان الأفضل بكثير، من جهة الشعبية على مستوى المنطقة، مقارنة بالقادة الآخرين.

ومع ذلك فإنه يثير تساؤلًا حول ما إذا كان أردوغان صادقًا أم أنه مجرد سياسي محترف يستغل قضايا “ الشارع العربي والإسلامي“ للحصول على المديح والمكاسب السياسية المحلية المحتملة.

”الاستغلال العاطفي“

إلى ذلك، أشار المؤلف والصحفي والإسلامي السابق ليفنت جولتكين لموقع “ ميدل إيست آي“ إلى أن الحكم على مدى الصدق والإخلاص هو مهمة مستحيلة، لكن العالم الإسلامي بأكمله بما فيه أردوغان وتركيا منخرطون في حالة من ”النفاق“ على حد تعبيره. وقال موضحًا: “ إن العالم الإسلامي بأكمله ‘إن كان هذا المفهوم موجودًا‘ لا ينخرط سوى في الاستغلال العاطفي لشعبه، والآن هذا يتضمن تركيا أيضًا ”.

وأضاف: “ إن الصراخ بصوت عالٍ والتهديد دون تبني أي عمل حقيقي لا يكلف شيئاً. العرب والإيرانيون والأتراك جميعهم يقومون بالصراخ والقيام بالتهديدات نفسها منذ 50-60 عامًا دون أي نتائج على الإطلاق؛ هذا ليس إلا نفاقًا“.

من جانبها تعتقد يلدز رمضان أوغلو، وهي كاتبة محافظة، أن أردوغان صادق في غضبه على فلسطين والتطورات في العالم الإسلامي، وأن التصريحات المتناقضة مع المصالح السياسية وغيرها من المصالح تؤدي إلى الشكوك.

وقالت: ”أعتقد أن الرئيس صادق، لكن التصريحات المؤسفة المتناقضة تثير الشكوك. إن محنة الفلسطينيين منذ عام 1917 بارزة طوال الوقت. يجب وضع المصالح والاعتبارات الأخرى جانبًا. يجب على الحكومة أن تتخذ موقفًا حاسمًا مهما كان الثمن“.

كل ذلك، بينما تبدو المواقف متناقضة بشكل شائع في العديد من الأحداث بعد دافوس عام 2009، خصوصًا وأن التبادل التجاري التركي الإسرائيلي لم يتأثر عن كونه بمئات الملايين.

تصويبات وإيضاحات

وفي السياق ذاته، تعد مجزرة أسطول الحرية ”مافي مرمرة“ في عام 2010 مؤشرًا واضحًا على المواقف المتناقضة.

إذ قلّصت الحكومة التركية العلاقات مع إسرائيل، بعد أن استولت قوات الأخيرة على السفينة التركية داخل المياه الدولية وقتلت 10 مواطنين أتراك، وكانت سفينة ”مافي مرمرة“ السفينة القائدة في أسطول دولي مكون من 6 سفن تتطلع لخرق الحصار الإسرائيلي على غزة، وتقديم المساعدات التي اشتدت الحاجة لها.

وكان الجزء التركي من الحملة، نظّم تحت مظلة هيئة الإغاثة الإنسانية الإسلامية IHH، التي تأسست في إسطنبول، والتي يعتقد أنها تعمل بمباركة من أردوغان وحكومته، وأصيبت أسر الضحايا وإدارة الهيئة بالصدمة عام 2016، بعد إصلاح تركيا العلاقات مع إسرائيل.

وفي مقابل تعويض مالي قدره 20 مليون دولار، وافقت الحكومة التركية على عدم توجيه أي اتهامات ضد إسرائيل ومواطنيها المتورطين في الأحداث في أي مكان، وتم رفض القضايا المتعلقة بالحادثة في المحاكم التركية.

وسرعان ما غسل أردوغان يديه من القضية برمتها، وانتقد في خطاب له إسلاميين غاضبين وتساءل “ إن كانوا استشاروه قبل أن تبحر سفينة مافي مرمرة“. وحول هذا التساؤل قالت رمضان أوغلو: “ كانت هذه ملاحظة أخرى مؤسفة“.

سباقات للشعبية

ومن بين الشروط الأخرى التي طالبت بها تركيا كان رفع الحصار عن مدينة غزة، وهو مالم يحدث للآن، بموازاة استمرار العلاقات القوية بين تل أبيب وأنقرة حتى على صعيد التجارة العسكرية.

ولم يسمح لتركيا سوى إرسال المساعدات الخاضعة للرقابة عبر ميناء أشدود الإسرائيلي، وهو الشرط نفسه الذي كان مطبقًا قبل اعتداء قوات الاحتلال على سفينة ”مافي مرمرة“.

ويرى جولتيكن أن عدم القدرة على التصرف بواقعية هو سبب هذه التناقضات. وقال: “ تركيا وجميع هذه الدول الأخرى تظهر أن قيادتها غير قادرة على أن تكون واقعية. هم يلعبون على المشاعر فحسب للحفاظ على شعبيتهم“.

وأضاف: “ باستطاعتك الصراخ بوجه إسرائيل بأعلى صوت ترغبه، لكن لا يستطيع أحد منهم أن يكون مكافئًا لها عسكريًا أو تكنولوجيًا أو في أي مجال آخر. وهذا يظهر أن ادعاءات القيادة لا معنى لها“.

لكن ما يحتاجه الفلسطينيون، وإلى جانبهم العرب والمسلمون هو أفعال حقيقية يلمسونها؛ لردع الاحتلال عن وحشية انتهاكه للأراضي العربية وحقوق الشعب الفلسطيني الذي لم يجن ممن حوله سوى الخطابات الرنانة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة