البطريرك الماروني يشعل الخلاف في لبنان

البطريرك الماروني يشعل الخلاف في لبنان

الراعي يؤكد أن زيارته للأراضي المحتلة رعوية ولن يقابل فيها شخصيات إسرائيلية

بيروت- تثير زيارة بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق الكاردينال بشارة الراعي، إلى الأراضي المحتلة في فلسطين لمرافقة البابا فرنسيس الأول في زيارته إلى الأردن وإسرائيل التي تبدأ السبت وتنتهي الاثنين، جدلاً كبيراً في لبنان.

فبينما اعتبرها البعض ”خطوة تطبيعية“، شدد آخرون على أهميتها، إذ تعتبر الأولى من نوعها التي يقوم بها رأس الكنيسة المارونية منذ 1948، لدعم حق الفلسطينيين في أرضهم و“نافذة أمل“ لتثبيت الوجود المسيحي في الشرق.

الزيارة المرتقبة ليست الأولى المثيرة للجدل سياسياً وإعلامياً من قبل رأس الكنيسة المارونية في لبنان، بل سبقتها زيارة له إلى دمشق في شباط/ فبراير 2013، للمشاركة في حفل تنصيب بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر؛ ما أثار مواقف متناقضة تجاهها في ظل احتدام الصراع بين المؤيدين اللبنانيين لنظام الرئيس السوري بشار الأسد ومعارضيه.

واعتبر منتقدو الراعي أنه قام بما لم يفعله سلفه البطريرك نصرالله صفير، الذي رفض زيارة سوريا حتى بعد انسحابها من لبنان في العام 2005، كما رفض مرافقة البابا يوحنا بولس الثاني إلى إسرائيل في إطار جولته على المنطقة التي شملت لبنان في العام 1997.

فلم يسبق أن وطأت قدما رأس كنيسة لبنانية الأراضي المحتلة في فلسطين حتى لا تُحسب عليه اعترافاً بإسرائيل، أو نوعاً من التطبيع، ويعرف أن بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام الذي أمضى أكثر من ربع قرن في القدس مطراناً، تعهد على نفسه بعد أن أصبح بطريركاً، ألا يزور المدينة المقدسة إلا بعد تحريرها من محتليها، وهذا ما التزم به، وما يُسجّل له ولباقي بطاركة الشرق من مختلف المذاهب المسيحية.

وعلى الرغم من موجة الاعتراض الكبيرة التي أثيرت بعد الإعلان عن الزيارة، يفضّل القادة الموارنة، خصوصا المرشحين للانتخابات الرئاسية سواء من فريقي ”14 آذار“ المؤيد للثورة السورية، أو ”8 آذار“ الذي يقوده ”حزب الله“ ويدعم النظام السوري، عدم الدخول في سجال حول هذا الموضوع، مكتفين بما أعلنه الراعي الذي شدد على أن زيارته رعوية ولن يلتقي فيها أي مسؤول إسرائيلي.

وكان الناطق باسم الفاتيكان الأب فيديريكو لومباردي أعلن أن الراعي: ”ليس ضمن الوفد الرسمي المرافق للبابا إلى القدس؛ لكنه (الراعي) ذاهب بمبادرة شخصية منه“.

وكان وفد من ”حزب الله“ زار الراعي في مقره ببكركي الأسبوع الماضي وأبلغه ”مخاطر وسلبيات“ الزيارة التي يعتزم القيام بها.

وأكد رئيس المجلس السياسي في ”حزب الله“ إبراهيم أمين السيد بعد اللقاء، أن الوفد أبلغ البطريرك عن: ”المخاطر والسلبيات وتداعيات الزيارة على مستوى لبنان والكيان الصهيوني المحتل أو على مستوى المنطقة“، آملاً أن: ”يؤخذ موقفنا الذي طرحناه بالاعتبار“.

لكن الراعي استغرب مراراً الانتقاد ”المخزي والمعيب“ لزيارته، مؤكداً في أكثر من مناسبة: ”إنني ذاهب إلى بيتي وشعبي وإلى أرض مقدسة يتواجد فيها المسيحيون قبل أن تتواجد إسرائيل، فلدينا هناك رعايا وأبرشيات يجب أن نزورها مرة كل خمس سنوات وفق القانون الكنسي“.

وقال: ”أعلم جيدا أن اسرائيل دولة عدوّة، وأحترم القوانين اللبنانية، وليس لدينا لقاءات مع شخصيات إسرائيلية“.

من جانبه، اعتبر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قبّاني في حديث لوكالة أنّ : ”هذه الزيارة هي شأنٌ خاص بالبطريرك يتعلّق به وحده“.

ولكن النائب حكمت ديب في تكتل ”التغيير والإصلاح“ من فريق ”8 آذار“ أعرب عن خشيته من: ”استغلال إسرائيل الزيارة واعتبارها خطوة أولى وجبّارة من رأس الكنيسة المارونيّة باتجاه التطبيع والاعتراف بالدولة اليهوديّة“.

وتوافق كل من النائب في كتلة ”التنمية والتحرير“ ياسين جابر، المنضوية ضمن تكتل ”8 آذار“، وعضو المكتب السياسي في تيار ”المستقبل“ الذي يرأس فريق ”14 آذار“ النائب السابق مصطفى علوش في تعليقات منفصلة، على دعوة الراعي إلى إعادة تقييم هذه الزيارة ومفاعيلها سياسياً، والعدول عنها، تخوفا من أن تكون ”تطبيعية“ و“من دون مقابل“.

في المقابل، يرحّب جزء من اللبنانيين بهذه ”الخطوة الجريئة والتاريخية التي لم يجرؤ عليها منتقدو البطريرك اليوم“؛ بحسب ما أكد منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد.

ورأى سعيد أن الزيارة ”قد تسهم بكسر احتكار إسرائيل للقدس كمدينة لليهود فقط“، مشيراً إلى أن ذلك يجعلها ”مدينة عالمية“ ويفتح ”طريق الزيارة للمسلمين إلى المسجد الأقصى وللمسيحيين إلى كنيسة المهد“، مشددا على أنّ: ”موقف الكنيسة المارونية المعادي لإسرائيل لن يتغير بعد زيارة الراعي“.

ويتبع الموارنة الكنيسة الكاثوليكية في روما، ويتكوَّن الإكليروس (الهيئة الكنسية) الماروني في فلسطين من نائب بطريركي يقيم عادة في القدس منذ العام 1895، إضافة إلى رئيس أساقفة صور والأراضي المقدسة الذي يقيم في صور في جنوب لبنان، ويمثّل هذا الإكليروس أتباع الكنيسة المارونية من الفلسطينيين الذين يسكن معظمهم مدن الجليل وقراه في شمال فلسطين.

وتعيش في القدس 44 عائلة مارونية، تقيم داخل أسوار البلدة القديمة قرب باب الخليل. وينتشر الموارنة، وفق آخر إحصاء نشره مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، في المناطق الشمالية القريبة من الحدود اللبنانية، ويقارب عددهم نحو 7000، منهم 3500 نسمة في حيفا حيث أكبر حضور ماروني في فلسطين.

في هذا السياق، أكد النائب البطريركي العام المطران بولس صياح، وكان سابقاً مطراناً على أبرشية الأراضي المقدسة التي تشمل الأردن وأراضي السلطة الفلسطينية وإسرائيل لمدة 16 عاما، أن البطريرك الراعي، ورغم وجود رعيّة كبيرة تابعة له في الأراضي المقدّسة، ما كان ليتخذ قرار التوجّه الى هناك لو لم يكن البابا سيزورها.

وتساءل صياح، الذي سيرافق الراعي في زيارته إلى الأراضي المقدسة: ”هل يجوز أن يغيب صاحب البيت عن استقبال الحبر الأعظم الذي يزوره في بيته لخلافٍ مع جاره؟“، لافتاً إلى أن الراعي سيتوجه إلى الأراضي المقدسة لاستقبال البابا فرنسيس من طريق الأردن والأراضي الفلسطينية ومنها إلى القدس، وأنه لن يكون على متن الطائرة التي تنقل رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم والوفد المرافق له وستحط في مطار اللد الإسرائيلي.

وتتضمّن رحلة البابا ثلاث محطات هي العاصمة الأردنية عمان، بالإضافة إلى بيت لحم والقدس، لكن لا يمكنه دخول مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية في الضفة الغربية إلا عبر منافذ حدودية يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

وتقع مدينة بيت لحم، التي تعتبر مهد المسيح ومكان مولده، في الضفة الغربية، وتتبع لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، بينما تقع أبرز المقدسات المسيحية ككنيسة القيامة في القدس الشرقية التي احتلت في حزيران/يونيو 1967 وتعتبر بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي أراض محتلة خاضعة للاحتلال الإسرائيلي المباشر، وتمتنع الدول التي تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل عن افتتاح سفارات لها في القدس نتيجة ذلك.

ونفى صياح أن تكون إسرائيل وضعت ”أي شروط“ لزيارة الراعي، التي دافع عنها بالقول إنها: ”رعوية والراعي ليس ذاهباً لهدف سياسي أو للتطبيع مع إسرائيل“، مؤكدا أن: ”القدس وبيت لحم ليستا حكراً على إسرائيل بل هما لجميع المؤمنين في العالم، وهذا الأمر ينسحب على مسيحيّي لبنان ومسلميه“.

وكشف أن الراعي ”سيلتقي اللبنانيين المُبعَدين قسراً إلى إسرائيل منذ العام 2000 ومعظمهم من الطائفة المارونية“، وهؤلاء كانوا فروا مع عائلاتهم من الجنوب اللبناني بعد انسحاب إسرائيل في العام 2000، خوفاً من أعمال انتقامية ضدهم لكونهم كانوا عناصر في ميليشيا ”جيش لبنان الجنوبي“ المتحالفة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وينقسم اللبنانيون حول السماح لهؤلاء بالعودة الى البلاد، ويطالب التيار الوطني الحر بالسماح لهم بالعودة الى لبنان.

ولفت صياح إلى أن الراعي سيزور أبناء الأبرشية المارونية، الموزّعين بين إسرائيل وأراضي السلطة الفلسطينية، وعددهم نحو 12 ألف ماروني، بالإضافة إلى زيارة قرية كفر برعم المارونية، التي هجّرت إسرائيل سكانها المسيحيين منذ العام 1948، وتمنع عودتهم إلى بيوتهم حتى الآن.

ويمنع القانون اللبناني المواطنين اللبنانيين من زيارة إسرائيل، ويعرضهم ذلك للمحاكمة، كما يمنع على أي شخص يحمل جواز سفره ختما إسرائيليا دخول الأراضي اللبنانية.

لكن بحسب الخبير في القانون الدولي أنطوان صفير فإن موقف بكركي لا ينقضه القانون اللبناني.

وأوضح صفير أنه: ”على الرغم من أنه يحظر على أي لبناني زيارة إسرائيل تحت طائلة الملاحقة القانونية بتهمة التعامل مع العدو“، فإن: ”استثناءات تسري على رجال الدين ممن يزورون القدس الشرقية في إطار مهامهم الرعوية“.

وأكد أن ”رأس الكنيسة لا يحتاج إلى إذن من أحد لكي يذهب إلى حيث يشاء وتعدّ زيارته أورشليم (القدس) رعوية بامتياز وهذا واجبه“، مذكرا بـ ”الزيارة التي قام بها البابا يوحنا بولس الثاني إلى بلده بولونيا الذي كان تحت السلطة الشيوعية، وذلك على الرغم من مناهضته للشيوعيين“ في العام 1979.

وأوضح أن: ”القانون لا يحد من صلاحيات راعي ورأس الكنيسة، فيحق له ولكل الإكليروس، بلقاء كل الناس، حتى المجرمين منهم، أينما كانوا“.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس رحب بزيارة الراعي إلى القدس، مؤكدا للبطريرك الماروني في اتصال معه، أن: ”هذه الزيارة هي خدمة كبيرة للقضية الفلسطينية“.

من ناحيته، أكد البطريرك اللاتيني السابق في الأراضي المقدسة، ميشيل صباح أن معارضة زيارة الراعي انطلاقاً من أنها تطبيع مع اسرائيل، ”خطأ كبير“.

ورحب رئيس أساقفة حيفا والأراضي المقدسة للموارنة المطران موسى الحاج بزيارة الراعي، ووصفها بأنها ”نافذة أمل“ بالنسبة إلى الموارنة خصوصاً والمسيحيين عموماً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com