النظام السوري صامد ويتمدد

النظام السوري صامد ويتمدد

المصدر: شبكة إرم الإخبارية - عبدو حليمة

لم يكن أشد المتشائمين من معارضي وخصوم وأعداء الرئيس السوري بشار الأسد يتوقع بأن يكون حاله ماهو عليه اليوم والعام الخامس للثورة ضده يكاد يسلم الراية لعام جديد.

فالأسد مازال في دمشق يستقبل ضيوفه في قصر الشعب ويصدر المراسيم ويعقد الاتفاقيات والمعاهدات مع الأمم المتحدة ومع حلفائه على الأقل، بل يبدو أكثر ثقة في الآونة الأخيرة بعد أن نسي العالم عبارة الأيام المعدودة وراح يضغط بأقطابه الفاعلة على معارضيه للتفاوض معه وفق شروط أقل مايمكن وصفها بأنها دون سقف النقاط الخمسة لجنيف1 بكثير.

النظام اليوم أقوى ، نعم أقوى من أي وقت مضى، لأن الموضوع لم يعد مجرد نظام وإنما منظومة متكاملة مرتكزاتها طهران موسكو دمشق وتدير قواعد اللعبة كماتشتهي، في وقت تخاذل فيه معظم داعمي المعارضة وتراجعوا لصالح المد الروسي الإيراني تحت سقف الإرهاب المتمثل بداعش.

في الميدان من الواضح أن التدخل الروسي أحدث فرقا حقيقيا، حيث كان النظام في صيف العام الماضي بحالة تقلص متسارع على وقع ضربات جيش الفتح المكون من تحالف الفصائل الإسلامية مع جبهة النصرة ذراع القاعدة في بلاد الشام ، وخسر في غضون أسابيع قليلة مدنا هامة مثل إدلب وجسر الشغور، ووصلت المعارضة للمرة الأولى إلى معاقل النظام الديموغرافية في سهل الغاب وريف اللاذقية وهددت ضواحيه في دمشق وحماة، وسيطرت الفصائل في الجنوب على معبرنصيب الحدودي مع الأردن ومعظم ريف درعا والقنيطرة وريف دمشق الجنوبي.

ظن الجميع أن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يفاجئ بوتين العالم باستقباله الأسد في موسكو والمشاركة المباشرة إلى جانب النظام في المعارك جوا وبرا في بعض المناطق وإعادة تسليح الجيش السوري ورفده بعناصر إيرانية وعراقية ولبنانية وبعض الجنسيات الأخرى، لتنقلب سيرورة المعارك وينتقل النظام من حالة التقوقع إلى حالة المد وقضم الجغرافيا و استعاد مايقارب الثلاثمئة مدينة وقرية ومنطقة في معظم الجبهات ولم يخسر أي جغرافيا جديدة باستثناء تلك البعيدة في مدينة دير الزور النفطية على يد تنظيم داعش

وفي كل يوم تقريبا تسجّل الأخبار الواردة من دمشق إنجازا ميدانيا جديدا لجيش النظام مع تكثيف وتوسيع الغارات الروسية، بدءا من ريفي حلب الشرقي والجنوبي ، امتدادا إلى ريف اللاذقية الشمالي مرورا بريفي حمص ودمشق، وصولا إلى درعا جنوبا حيث كان آخر تلك الانجازات السيطرة على مدينة الشيخ مسكين الاستراتيجية والتي قد تشكل نقطة توسع جديد باتجاه مدن ريف درعا بأكمله مثل نوى وإبطع وداعل وصولا إلى أحياء مدينة درعا وربما إستعادة مركز نصيب مع الأردن، الأمر الذي قد يساعد في عودة الروح إلى هذا الخط التجاري الحيوي ويساهم في استعادة النظام بعضا من نشاطه الاقتصادي بمرور الشاحنات العابرة من لبنان إلى الأردن وبالعكس ودعم حركة الاستيراد والتصدير والشحن.

ومالم يحصل عليه النظام عسكريا حصل عليه بالاتفاق مع الفصائل المسلحة المعارضة في مناطق مثل الزبداني والقدم والحجر الأسود في دمشق وريفها، وحي الوعر في حمص وثمة مناطق أخرى تنتظر إبرام الاتفاقيات ناهيك عن مدن وقرى سقطت ناريا وأصبحت سيطرة النظام عليها مسألة وقت.

اقتصاديا نجد أن النظام استطاع تطويع الظروف على مقاس أزمته، فالسورييون يعيشون مفردات الفقر بكل تفاصيله على أنه اسلوب حياة وأمر واقع، يخترعون تجارة جديدة تتناسب مع الحاجة، فمن يتحمل يبقى، ومن لايستطع فعليه السفر والبحث عن مكان له في عداد اللاجئين. فاللاجئون الذين تجاوزوا السبعة ملايين حول العالم كانوا ورقة رابحة للنظام أيضا وشكلت عامل ضغط للعمل على حل الأزمة السورية بأي طريقة، بقي الأسد أم رحل، المهم أن لايرحل المزيد من السوريين نحو القارة العجوز.

أما بالنسبة للحلفاء فإن الأسد مطمئن جدا لكل من إيران وروسيا وحزب الله اللبناني، فهم تقاسموا الأدوار بشكل منظم يضمن مصالح كل طرف على عكس مايشاع بأن موسكو وطهران على خلاف، فقد كان من الواضح أن تتولى موسكو دعم الأسد بالسلاح النوعي والجديد وتقديم القمح الروسي لإبقاء رغيف الخبز بمتناول الأيدي في المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام، في حين تقوم طهران بدعم العنصر البشري بالتعاون مع حزب الله والفصائل الشيعية العراقية، والقيام بتمويل بعض الصفقات الأخرى ومد النظام بالمحروقات والدواء والسيولة اللازمة لدفع الرواتب والمستحقات، ومن المرجح أن تزيد وتيرة الدعم من الحليف المنتشي برفع العقوبات عن كاهل اقتصاده والإفراج عن المليارات التي كانت مجمدة.

نقاط القوة هذه ليست وحدها من تساعد النظام على الصمود، وإنما نقاط الضعف في معارضيه وخصومه لها الأثر الأكبر في استمراريته إلى الآن، أبرزها تشتت المعارضة وتشرذمها وخلافها الدائم على التفاصيل دون التركيز على الهدف بإسقاط النظام.

هذا التشرذم والتشتت يتمثل في المستويين العسكري والسياسي، فنجد الفصائل المسلحة تتقاتل فيما بينها وتخوّن بعضها البعض، بينما يكون النظام على بعد كيلو مترات قليلة تماما كما حدث بين النصرة واحرار الشام في سلقين بينما كان النظام يبسط سيطرته على بلدات ربيعة و سلمى في الطرف الآخر من الجبل.

وكذلك الأمر في الجنوب حيث أعلنت الفصائل الحرب على كتيبة المثنى بينما كان النظام يتوغل في مدينة الشيخ مسكين.

أما على المستوى السياسي فإن المعارضة لم تتفق يوما على وفد يمثلها بأي محادثات أو مفاوضات، بل ينشغلون بكيل الاتهامات فيما بينهم وكل طرف يصف الآخر بأنه عميل للنظام لمجرد معركة انتخابية لتولي منصب رئيس الائتلاف مدة شهرين لا أكثر، أو أن فلان يطمح بأن يكون مكان فلان في المقعد التفاوضي برعاية الأمم المتحدة.
ناهيك أن معظم المعارضين كانوا يوما من رموز النظام والذي يعرفهم جيدا ويبرع في إسقاطهم باللحظة التي يراها مناسبة بالتعاون مع حلفائه.

تراجع المشروع الإخواني المدعوم من قطر وتركيا وسقوطه المدوي في مصر ساهم أيضا في منح النظام السوري جرعة ثقة إضافية وهو يراقب عدو اليوم صديق الأمس في أنقرة يغرق بخلافاته مع محيطه وخاصة مع روسيا بعد أن صار بين أنقرة وموسكو ”طائرة ودم“
كما أن الإرهاب بات يتمدد في بلاد الأناضول، علاوة عن انشغال الجيش التركي بمحاربة الأكراد وخسائره اليومية التي تفضحها التقارير الإعلامية رغم التكتم.

خمس سنوات مرت تقريبا على بدء الثورة السورية، يعيش فيها النظام بمحددات الواقع،بينما نرى أن المعارضة تحلق بعيدا بأحلامها ، فالأسد الذي يدرك أنه بالنهاية أضعف من أحلام مؤيديه باستعادة السيطرة الكاملة والمطلقة على البلاد، كذلك فإنه يدرك أنه أقوى من أوهام معارضيه بأن يسقط ويرحل غدا وفق شروطهم،
فالنظام على الأقل سيبقى لفترة ليست بالقصيرة بعد أن خضعت واشنطن لرغبات موسكو وكذلك فعل الاتحاد الأوربي الذي يتعامل مع الأزمة السورية وفق براغماتية ضاغطة بعد أن أصبحت عواصمه حبلى باللاجئين، وقوائم استخباراته متخمة بالعائدين من ديار داعش لدخول الجنة من بوابة الانتحار على جدران برلين وشوارع باريس وحدائق بروكسل وأنفاق لندن.

وأيا تكن الأمنيات فإن نكران الواقع يؤدي حتما إلى نتائج وهمية، فالواقع اليوم يقول: إن الأسد ينتصر مالم تحدث مفاجأة تقلب الطاولة في عالم يخضع لمزاج السياسة وقادتها، فمن يدري لعل بوتين يقول غدا : إن الأسد عليه أن يرحل فورا، أو أننا قد نرى ساركوزي آخر في دمشق إيذانا بإخراج النظام من عزلته الدولية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com