أخبار

أين اختفت الهبات والقروض خلال حكم "النهضة" بتونس؟.. شبهات فساد وتحقيق رسمي
تاريخ النشر: 17 يوليو 2022 12:36 GMT
تاريخ التحديث: 17 يوليو 2022 14:10 GMT

أين اختفت الهبات والقروض خلال حكم "النهضة" بتونس؟.. شبهات فساد وتحقيق رسمي

يعتزم الرئيس التونسي، قيس سعيد فتح ملف القروض والهبات التي تحصلت عليها تونس خلال السنوات الأخيرة التي شهدت حكم حركة النهضة الإسلامية، وسط غموض حول مصيرها

+A -A
المصدر: تونس - إرم نيوز

يعتزم الرئيس التونسي، قيس سعيد فتح ملف القروض والهبات التي تحصلت عليها تونس خلال السنوات الأخيرة التي شهدت حكم حركة النهضة الإسلامية، وسط غموض حول مصيرها وتساؤلات حول مجالات إنفاقها.

وأكدت مصادر مطلعة لـ“إرم نيوز“، أن لجنة بوزارة المالية التونسية ”تعمل على جرد هذه القروض والهبات التي تحصلت عليها تونس وكيفية صرفها، وينتظر أن يتم الإعلان عن نتائج عملها خلال الأيام المقبلة ليتم تسليم تقرير بشأنها إلى الرئيس سعيد لاتخاذ الإجراءات والقرارات اللازمة“.

وقالت المصادر، إن الرئيس التونسي ”يولي اهتماما كبيرا بملف القروض والهبات التي تسلمتها الحكومات السابقة دون معرفة مصيرها، ودون أن يوجد أي أثر لها، ما يثير شكوكا واسعة حول شبهات فساد من الحجم الثقيل“.

وتحصلت تونس على امتداد السنوات العشر الماضية على عدد كبير من القروض والهبات لا تزال مجالات صرفها غامضة، ما دفع الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فتح تحقيق وتدقيق حول هذا الملف.

وألمح قيس سعيد مرارا في خطاباته، إلى ملف الأموال التي وصفها بالمنهوبة، ودعا إلى إحداث لجنة للتدقيق في الأموال الممنوحة إلى تونس خلال 10 سنوات، والتقصي في مصير هذه الأموال التي لم تستفد منها الدولة التونسية.

وكلف سعيد في وقت سابق، وزيرة المالية سهام بوغديري نمصية، بإجراء ”جرد شامل“ للهبات والقروض التي حصلت عليها تونس خلال فترة حكم حركة ”النهضة“ والحكومات التي تولت تسير دواليب الدولة حينها، وذلك للوقوف على إنفاق هذه الأموال ومآل القروض التي جاءت بصفة خاصة من الخارج.

ويأتي طرح هذا الملف تزامنا مع فتح القضاء تحقيقات مع رؤساء سابقين في الحكومة وقيادات في حركة ”النهضة“ بشبهة غسيل أموال إضافة إلى استئناف تونس المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للاتفاق حول برنامج دعم اقتصادي للبلاد.

وكان صندوق النقد الدولي، قد أعلن خلال 22 حزيران/ يونيو استعداده لبدء المفاوضات مع تونس التي تسعى إلى التوصل لاتفاق معه للحصول على حزمة إنقاذ بحوالي 4 مليارات دولار لاستكمال موازنتها لعام 2022، وذلك بعد أشهر من المناقشات.

270 اتفاقية

وكشف مرصد ”رقابة“ في دراسة له، أن عدد اتفاقيات الهبات والقروض التي تم إحصاؤها يناهز 270 اتفاقية.

وأوضح أن الرقم الإجمالي للقروض والهبات التي تحصلت عليها تونس منذ 2011 إلى 2020 بلغ 90 مليار دينار (حوالي 32 مليار دولار)، مضيفا أن هذه النسبة من الممكن أن تكون قد فاقت 100 مليار دينار (حوالي 35 مليار دولار) حاليا.

وأكد مرصد ”رقابة“ لـ“إرم نيوز“، أن قيمة القروض الخارجية التي أبرمتها الدولة التونسية في قطاع المياه للفترة الممتدة من سنة 2011 إلى سنة 2021 بلغت 6.5 مليار دينار (حوالي 2.3 مليار دولار) مشيرا إلى أرقام ”ضخمة جدا“ منها أكثر من 1.2 مليار دينار (حوالي 450 مليون دولار) تتعلق بتمويل برامج تزويد الوسط الريفي بالماء الصالح للشرب.

وأشار المرصد إلى أنه ”عند النظر في هذه الأرقام وفي الأزمة الهيكلية في مجال المياه الصالحة للشرب من ناحية ثانية، والتدهور الخطير لمستوى الخدمات في جهات عديدة من البلاد بشكل أصبحت فيه أعداد متزايدة من التونسيين مهددة بالعطش، ندرك أن القروض التي ستدفعها الأجيال القادمة لم تجلب للتونسيين وفرة وجودة المياه، ربما لضعف الدراسات وانعدام الرؤية الإستراتيجية أو لرداءة الإنجاز، وفي كل الحالات لغياب الرقابة والمتابعة“.

وأكد المرصد فتح ملف القروض والهبات التي تحصلت عليها الدولة التونسية خلال الفترة من 2010 إلى 2020، قائلا إن لديه وثائق ومعطيات تهم ما يقارب 300 اتفاقية قرض أو هبة مصادق عليها من السلطة التشريعية.

ويتابع المرصد مدى إنجاز المشاريع من طرف الحكومات، مشيرا إلى ”غياب الرقابة من طرف الحكومات المتعاقبة ومن طرف المانحين جعل الأرقام ”مفزعة“ من حيث نسبة الإنجاز“.

وتوصل المرصد إلى أنه ”تم تحويل وجهة نسبة كبيرة من القروض إما لدعم الموازنة وسد الثغرات في المالية العامة أو لوجهات غير معلومة“، منبها إلى أن ”التنمية لم تتحقق للأجيال الحالية والأجيال القادمة التي ورثت مديونية رهيبة تجاوزت عتبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي على عكس ما تذهب إليه أغلب التقديرات“.

”صرف غير قانوني“

من جانبه، قال رئيس الجمعية التونسية للشفافية المالية سامي الرمادي، إن ”الهبات والقروض التي تحصلت عليها تونس منذ الثورة كانت من الخارج وتم صرفها بشكل غير أخلاقي وغير قانوني“.

وأوضح الرمادي في تصريحات لـ“إرم نيوز“، أنه ”تم استغلال هذه الهبات والقروض لتوظيف عشرات الآلاف في الوظيفة العامة من المنتسبين إلى حركة النهضة“، ما أدّى إلى ارتفاع عدد الموظفين إلى 620 ألف موظف خلال سنة 2014، في حين أنه تم إغلاق ”المناظرات العامة“ في وجه العاطلين عن العمل.

وأكد أن ”هناك جزءا من القروض صرفت لبعض المتمتعين بالعفو العام والمعزولين عن وظائفهم، حيث تم إعادتهم إلى وظائفهم بعد الثورة وتعويضهم عن 23 سنة من التعطيل عن العمل (وهي فترة حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي) ما رفع الكلفة إلى ما يعدل 320 ألف دينار (حوالي 110 ألف دولار) للشخص الواحد“.

وأشار إلى أنه ”رغم أن الجمعية التونسية للشفافية المالية أثارت الملف إلا أنه لم يتم النظر فيه حينها من قبل القضاء الذي كان مواليا لحركة النهضة“ داعيا رئيس الجمهورية إلى التدقيق في الهبات والقروض.

ودعا الرمادي أيضا إلى ”استرجاع الأموال المنهوبة من الداخل التي تم صرفها لفائدة منتسبي حركة النهضة في الوظيفة العامة من خزينة الدولة وتبلغ مليوني دينار (حوالي 650 ألف دولار)“.

اختفاء غامض

وبلغ مجموع القروض والهبات التي تحصلت عليها تونس خلال الفترة من 2011 إلى 2020، نحو 100 مليار دينار (حوالي 35 مليار دولار) بحسب مرصد ”رقابة“.

وفي هذا السياق أكد سامي الرمادي أن ”الحكومة التي قادتها حركة النهضة العام 2014، تحصلت على قرض بقيمة 114 مليار دينار، لم يعرف مصيره إلى اليوم“.

وأضاف أنه ”حين عمل على ملف استرجاع الأموال المنهوبة من الخارج، تحصل على معلومات أكدت له أن هذه الأموال ستصرف كتعويضات للسجناء السياسيين في فترة النظام الأسبق وهو ما جعله ينسحب من هذا الملف؛ لأن هذه الأموال كان من الأجدر صرفها لفائدة الأطفال الذين يدرسون في المناطق الريفية“.

من جانبه قال النائب في البرلمان المنحل بدرالدين القمودي، إنه ”حين ترأس لجنة الحوكمة ومكافحة الفساد بالبرلمان راسل الحكومة حينها وطالب بجرد الهبات والقروض ولم يتوصل إلى رد لا من البنك المركزي ولا من وزارة المالية“.

ودعا القمودي القضاء ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى ”التدقيق في كيفية صرف هذه الأموال والهبات التي تمثل لغزا“، بحسب تعبيره.

وفي سياق متصل، أكد المحامي طيب بالصادق في تصريح لـ“إرم نيوز“، أن ملف الاستيلاء على الهبة الصينية من قبل صهر راشد الغنوشي، رفيق عبد السلام، تعهد به قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس، دون التوصل إلى إدانة عبد السلام، الذي شغل منصب وزير للخارجية في حكومة ”النهضة“.

وكانت النيابة العامة بالقطب القضائي المالي والاقتصادي، وّجهت تهم استغلال موّظف عمومي لصفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، والإضرار بالإدارة ومخالفة التراتيب المنطبقة على تلك العمليات لتحقيق الفائدة أو إلحاق الضرر المشار إليهما، وتصرف موظف دون وجه حق في أموال عامة.

صعوبة تتبع القروض

ووصف مهاب القروي، الرئيس السابق لمنظمة ”أنا يقظ“ وعضو المنظمة حاليا، في تصريح لـ“إرم نيوز“، ملف القروض والهبات بأنه ”تقني سياسي“، لافتا إلى أنه ”رغم دعوة رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى إجراء تدقيق مالي إلا أنه إلى حد اليوم لم يتم الإعلان عن النتائج“.

وأشار القروي إلى أن ”هناك قروضا تحصلت عليها تونس ولم يتم صرفها بسبب تعطيلات إدارية على مستوى تطبيق الأوامر والمشاريع الاستثمارية ولم تنجز بسبب هذه التعطيلات“.

وتابع عضو منظمة ”أنا يقظ“ أنه ”بخصوص الهبات تم دمجها في موازنة الدولة لذلك يصعب تتبعها“، وأكد أن ”وزارة المالية لديها إشكاليات في تتبع كيفية صرف هذه الهبات“، مشيرا أيضا إلى عدة قروض لم يعرف مصيرها إلى اليوم.

وأضاف مهاب القروي، ”اليوم مع غياب البرلمان أصبح رئيس الجمهورية هو المسؤول عن تحديد هذه الأوليات في صرف هذه الهبات والقروض، وبحسب المرسوم 117 هو المسؤول الأول عن تنفيذ السياسات العامة للدولة التونسية“.

ويرى الباحث الاقتصادي والأستاذ الجامعي رضا الشكندالي، في تصريح لـ“إرم نيوز“، أن ”القروض التي تحصلت عليها تونس سابقا صرفت في نفقات غير منتجة، ولو تم توجيه هذه الأموال نحو تمويل نفقات التنمية ودفع الاستثمار الخاص لكانت الأمور مختلفة تماما اليوم، ولكانت نسبة النمو عالية وساهمت في استمرار الديمقراطية التي لا تتعايش مع الإخفاق الاقتصادي الذي كان نتيجة سوء اختيار السياسات الاقتصادية“.

وتابع رضا الشكندالي، أن ”السياسات التي اتبعتها الحكومات السابقة لم تسهم في دفع الاستثمار الخاص، بل تسببت في تراجعه وتوجهت نحو سياسية نقدية مرنة أسهمت في تراجع الدينار التونسي وجعلت من نفقات الدولة استهلاكية وليست إنتاجية“.

وأكد الشنكدالي، أن ”هذه السياسيات الاقتصادية الخاطئة أسهمت في ارتفاع نسبة التداين العام خلال السنوات العشر الأخيرة، وتجاوزت هذه النسبة 100% بعد أن كانت في حدود 44% سنة 2010“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك