مسار إرساء المحكمة الدستورية يعيد جدل الصراع الأيديولوجي إلى الواجهة في تونس

مسار إرساء المحكمة الدستورية يعيد جدل الصراع الأيديولوجي إلى الواجهة في تونس

المصدر: محمد الخالدي - إرم نيوز

تشهد الجلسات المنعقدة في البرلمان التونسي لاستكمال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، خلافات حادة بين القوى السياسية والكتل البرلمانية، حول هوية المرشّحين وانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية، ما أعاد إلى الواجهة مسألة الصراع الأيديولوجي الذي عطّل من قبل ملفات كثيرة.

ومثّل طرح اسم الحقوقية سناء بن عاشور والمحامي العياشي الهمامي، خلافات كبيرة بين أطراف تدعم وأخرى تعارض، حيث تُواجه سناء بن عاشور برفض واسع من كتلة حركة ”النهضة“، دفعها إلى عدم تقديم ترشحها للمرة الرابعة، ما اعتبره كثيرون خسارة للمحكمة، بالنظر إلى كفاءتها العلمية وتاريخها النضالي.

وكشفت تصريحات نائب رئيس الحركة عبد الحميد الجلاصي، حول الناشطة الحقوقية بمنظمة ”النساء الديمقراطيات“ حجم هذا الرفض، حيث نعت الجلاصي سناء بن عاشور بأنها ”غير ديمقراطية“، وأنها ”كانت في وقت من الأوقات الوجه الآخر لتلميع الاستبداد، بقوة تعصب الأفكار والحداثة المشوّهة“، حسب قوله.

وفي المقابل، اعتبرت 13 منظمة وجمعية، مساء الخميس، هذه التصريحات ”مخزية وخطيرة ومجانبة للصواب ومحاولة منه لتبرير إقصائها من تركيبة المحكمة الدستورية بسبب الرفض الذي اتخذته (النهضة) ضدّها، الأمر الذي عطّل تركيز المحكمة المنتظرة وجعل عاشور ستكتنف عن تقديم ترشحها للمرة الرابعة، مما ضيّع على الشعب التونسي إمكانية تركيز محكمة تتوفر فيها شروط الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والموضوعية“، وفق ما جاء في بيان لهذه المنظمات.

واعتبرت المنظمات الموقعة على البيان أن ”تصريحات عبدالحميد الجلاصي التي تتناسى الدور النضالي لبن عاشور وتحاول تشويهها في سعي لتزييف التاريخ تنم عن حقد أيديولوجي أعمى لم يشفَ منه عدد من قيادات النهضة، كما أنها تكشف مرة أخرى المنهج الإقصائي لهذا الحزب في التعامل مع النخب الديمقراطية والحداثية في بلادنا، وهو الحزب الذي صالح وتحالف وتوافق مع مختلف رموز منظومة الاستبداد“.

من جانبه، يمثل العياشي الهمامي، محور خلاف كبير بين ”العلمانيين“ والإسلاميين، حيث جوبه برفض قطعي من كتلة  ”الحرة“ ونواب من حزب ”نداء تونس“، ويحظى في المقابل بدعم غير مشروط من حركة ”النهضة“ الإسلامية.

ويأخذ خصوم الهمامي عليه، قربه من الرئيس السابق المنصف المرزوقي ودفاعه عن الإسلاميين، ويمثّل تمسك الهمامي بالترشح لعضوية المحكمة الدستورية حجر عثرة أمام التوافق على شخصه، وبالتالي استكمال انتخاب أعضاء المحكمة، وفق مراقبين.

وأكّد المحلل السياسي محسن بن مصباح لـ ”إرم نيوز“، أنّ ما يسوء مسار إرساء المحكمة الدستورية أنّ منطلق هذه الخلافات ليس التشكيك في الكفاءة أو القدرة على القيام بالمهام الموكولة إلى أعضاء المحكمة، بقدر ما هو خلاف أيديولوجي بالأساس، فحركة ”النهضة“ الإسلامية ترفض سناء بن عاشور التي تعتبرها من رموز ”العلمانية“ والتيار الحداثي، والنواب الليبراليون يرفضون العياشي الهمامي ويعتبرونه ممثّلا لتيار إسلامي.

وأضاف بن مصباح، أنّ عودة الصراع الأيديولوجي في تونس تعيد الأمور إلى المربّع الأول، وتمثل مؤشرًا على أنّ ملف إرساء المحكمة الدستورية لا يزال مفتوحًا وسيتطلب كثيرًا من الوقت، لكنه أشار إلى خلافات مماثلة في مسار كتابة الدستور، انتهت بالتوافق وصياغة النص النهائي للدستور بعد ثلاث سنوات من العمل في صلب المجلس التأسيسي، ما يعني أن الاتفاق ممكن، لكنه يتطلب كثيرًا من الوقت، وهو ما لا يخدم المصلحة العليا للبلاد التي تحتاج لإرساء محكمة دستورية في أقرب الآجال.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com