سيناريوهات الأزمة الجزائرية.. أي دور ينتظر الجيش؟

سيناريوهات الأزمة الجزائرية.. أي دور ينتظر الجيش؟

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

كان لافتًا رفع الطلاب والمحامين الجزائريين في مظاهراتهم الثلاثاء الماضي، شعارات تنادي برحيل قائد أركان الجيش، الجنرال أحمد قايد صالح، فالرجل ظل محط احترام كبير في ما مضي من عمر الحراك الشعبي، لا سيما بعد دعوته إلى تفعيل المادة 102؛ وهي خطوة دفعت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الاستقالة بعد أن أدرك أن الجيش تخلى عنه.

لكن علاقة القايد صالح بالحراك بدأت تشهد بعض التوتر، بسبب معالم الطريق المنشود إلى التحول السياسي، فالقايد صالح لا ينفك يؤكد تمسكه بالطريق الدستوري الخالص؛ أي أن التحول المنشود يجب أن يجري حصرًا في الإطار الدستوري، على أن تُرحل المطالب الشعبية التي لا يُلبيها هذا الطريق إلى المرحلة اللاحقة بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد.

وبالمقابل ترى قوى الحراك أنَّ الحل يجب أن يمزج بين الإطار الدستوري وحلول سياسية توافقية تستدعيها المرحلة، وتضمن مسايرة الحراك الشعبي الذي شكل خروجه في حد ذاته حدثًا استثنائيًا.

ووفق هذا السيناريو فإنَّ معالجة وضع استثنائي بأدواتٍ وضعت لتأطير حالة دستورية وسياسية منتظمة، قد يدفع بالبلاد إلى هاوية الفراغ الدستوري وصراع سياسي مفتوح بين قوى الحراك والمؤسسة العسكرية.

تباين في المقاربات

ترى صحيفة “جون آفريك“ الناطقة بالفرنسية، في مقال لها تحت عنوان؛ ”هل احتل الجيش مكانًا أكبر من اللازم في التحول السياسي“، أن إرادة قايد صالح المعلنة في فرض إجراء رئاسيات يوليو/تموز قد تنتهي به إلى مواجهة مباشرة مع الشارع.

ويعتقد كاتب المقال أنَّ السبيل الوحيد أمام قايد صالح للخروج من هذه الأزمة سالمًا هو الانحياز للحراك، وخاصة بعد أن بدأت شعاراتٌ تشير إلى الرجل بالاسم وتنادي برحيله تُرفع في الاحتجاجات.

وتعتقد صحيفة ”لوبس“، الفرنسية، أنَّ الجيش يسعى لفرض رؤيته للانتقال السياسي، وتنقل عن ناشطين في الحراك، أنَّ اعتقال زعيمة حزب العمال، لويز هحنون، مؤشر مقلق على عزم الجيش إسكات كل أصوات الرفض والدفع باتجاه تنظيم الانتخابات الرئاسية.

وما زاد قلق هؤلاء الناشطين هو اتهام حنون بالتواطؤ ضد الدولة والجيش الجزائري، وهي تهمة عائمة يمكن تسليطها على أي شخصٍ تنظر إليه قيادة الجيش بعين السخط، كما يرى أصحاب هذا الرأي.

وهنا لا بد من التذكير بأن الحراك الشعبي يأخذ على قيادة الجيش اندفاعها الشديد في تفعيل المادة 102 وحرصها على “الحل الدستوري الخالص“، وهي الآن بدت غير متحمسة لتفعيل المادتين 7 و8 من الدستور المتعلقتين بالسلطة الشعبية.

ويرى مقال ”جون آفريك“، أنَّنا أمام مقاربتين؛ مقاربة شعبية تريد تأسيس التحول من الأسفل إلى أعلى، باقتلاع النظام وكل رموزه وخلق أرضية جديدة بالكامل، في حين يسعى القايد صالح إلى تحول فوقي يضمن “تشبيب“ النظام وخلق حالةٍ من التفاؤل في المستقبل دون أن يعني ذلك إحداث تحول جذري.

أولوياتٌ متناقضة

ما إن أخذ الحراك الشعبي مداه باستقالة الرئيس بوتفليقة، حتى تفاجأ الجزائريون بحملة اعتقالات طالت أركان النظام السابق تحت شعار “محاربة الفساد“، حيث أوقف واستجوب عشرات المسؤولين المدنيين وقادة عسكريين سابقين كان لهم دور مركزي في مسار الدولة الجزائرية خلال العقدين الأخيرين.

ورغم الترحيب الذي قابل به الحراك هذه الاعتقالات، فإنه سرعان ما أبدى توجسه من أن يكون دافع هذه الحملة هو صرف اهتمام الناس عن مطلب التحول السياسي الذي كان دافع خروجهم في بواكير الحراك الشعبي.

وتعاظمت مخاوف الحراك، وفق مقال صحيفة “لوبس“، مع تواتر حديث قايد صالح والرئيس المؤقت عبد القادر بنصالح عن استحالة تلبية المطالب الشعبية الآن، وترحيل أهمها إلى ما بعد الرئاسيات، بذريعة أنَّ الرئيس المنتخب ستكون له الصلاحيات الدستورية اللازمة لذلك.

كما أن توقيف زعيمة حزب العمال، لويزة حنون، كشف وفقًا لناشطي الحراك، نزعة من قيادة الجيش إلى فرض رأيها وإسكات كل الأصوات المناوئة مستعلمة سلاح القضاء، الذي وُجهت له اتهامات بأنه أصبح سلاحًا بيد قيادة الجيش تُصفي به الحسابات مع خصومها.

وهنا يُبرز أصحاب هذا الرأي الذي يرونه “تطفيفًا“من قبل العدالة في متابعة الضالعين في الفساد.

ويبدو الفريقان على طرفي نقيض، فالحراك يريد للمرحلة الراهنة أن تكون انتقالية تأسيسية وفق المرجعية الدستورية القائلة بأن الشعب هو مصدر كافة السلطات، وفي المقابل، تبدو قيادة الجيش مهتمة بهم واحد، هو الحفاظ على الإطار الدستوري القائم، والذي يعود جملة وتفصيلًا لحقبة بوتفليقة، ويصفه ناشطو الحراك بأنه على مقاس معين ولهدف واحد، وهو ألّا تشهد الحياة السياسية والدستورية الجزائرية أي تطور.

ماذا بعد؟

ومع استمرار الحراك في المطالبة بتحول سياسي، وإصرار الجيش على فرض أجندته، في ظل شغور منصب رئيس الجمهورية، يُبدي متابعون مخاوف من تدهور الأوضاع، لاسيما في ضوء تصريحات قائد الجيش والرئيس المؤقت المحذرة من انهيار الأوضاع ، ومن تربص “قوى أجنبية“ بالحراك والبلاد.

والواقع أن هذه التصريحات تعكس حقيقة أن المؤسسة العسكرية قدّمت ما تعتبره الحد الأقصى لتلبية مطالب الشارع؛ أي دفع بوتفليقة للاستقالة والدعوة لانتخابات مبكرة واعتقال أبرز رموز النظام السابق.

ولا ينفك ناشطو الحراك في المقابل يؤكدون أن الإشكال عميق، إذ يتعلق بأساليب الحكم وشكل النظام السياسي الذي تطمح إليه الأجيال القادمة من الجزائريين، فهم يطالبون بالتخلص من نمط الحكم السابق الذي ارتبط في أذهانهم، بالاستبداد والفساد وغياب التنمية وشيوع الفقر والجهل.

ومن أوجه جمود الطرفين كليهما على مواقفهما، تمسك المؤسسة العسكرية والسلطة الانتقالية بإجراء الرئاسيات المبكرة في الرابع من يوليو/ تموز القادم، وهنا يبرز إشكال دستوري، ففي حالة وجود جولة ثانية، وهو أمر وارد، فإنه سيجري بعد انقضاء مهلة التسعين يومًا، التي يحدد فيها الدستور مدة تولي الرئيس الانتقالي مهامه.

وفي هذا الصدد، تنقل “جون آفريك“ عن أحد قادة الحراك قوله، إن الأمر سيستدعي وجوبًا إجراء تعديل دستوري.

ويبدو الحديث عن الجولة الثانية مبكرًا نسبيًا إذا ما أخذنا في الحسبان الفتور الشديد الذي قابل به الشارع والطبقة السياسية الرئاسيات المبكرة، إذ تشير قرائن كثيرة إلى صعوبة قيامها في وقتها، وحتى إذا نَجحت السلطة في تنظيمها من الناحية الإجرائية، فإنها من الناحية السياسية ستكون غير ذات جدوى.

ويلف الغموض طبيعة التعديل الدستوري المنتظر، ويُخشى أن يُشكل تعثر هذه الخطوة ذريعة للجيش للاستيلاء على السلطة من منطلق الحرص على استمرارية الدولة.

ويحتفظ تاريخ الجزائر بسابقة مريرة في هذا الباب، فقد أدى استيلاء الجيش على السلطة، رفضًا لتولي الإسلاميين السلطة عقب تشريعيات 1991، إلى اندلاع عنف بالبلاد، قُتل فيه نحو ربع مليون جزائري، وألقى بظلال بالغة على اقتصاد البلاد.

وفي النهاية فإن السيناريو الأكثر قابلية للتطبيق لن يكون سوى باتفاق الجيش والشارع على تقديم تنازلات ليتمكنا من التلاقي على حل وسط يجمع بين الإطار الدستوري، الذي يتمسك به الجيش، والقدرة على مسايرة الحراك الشعبي المعبر عن تطلعات أجيال جديدة من الجزائريين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com