”الحريرة“.. وجبة رئيسة على موائد رمضان في المغرب

”الحريرة“.. وجبة رئيسة على موائد رمضان في المغرب

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

لا يُذكر رمضان في المغرب إلا ذُكرت ”الحريرة“، ذلك أن هذا الحساء الغني من جهة مكوناته هو الوجبة الرئيسة في مائدة الإفطار، بل إن الحريرة بالنسبة للبعض، تكاد تكون هي مائدة الإفطار ذاتها.

وهذا ما يُفسر انتشار محلات بيعها وازدهار نشاط هذه المحلات في شهر رمضان، رغم أنَّ المغاربة يقبلون على احتساء الحريرة في أغلب فترات السنة، خاصة في الفصول التي تتسم بالبرودة.

في محلها الصغير بمدخل السوق العتيق لطنجة، تنهمك فتيحة منذ ساعات الظهيرة الأولى، في إعداد قدرٍ كبير من “الحريرة“، قائلة إنه “يجب أن تكون الحريرة جاهزة قبل ساعةٍ من موعد الإفطار، لأن الزبائن يقدمون لاقتناء حاجتهم قبل موعد الإفطار“، في إشارة منها إلى طول الوقت الذي تحتاجه لإعداد ”الحريرة“، وما يتطلبه من إعداد للمكونات الأساسية للحساء.

أما زبائن بديعة فهم أصحاب المحال التجارية والباعة والمتجولون، الذين يفضلون الإفطار في السوق، حيث قال محمد، وهو شاب ثلاثيني ينحدر من تازة قرب فاس “أنا أسكن بعيدًا عن السوق، بالتالي لا تناسبني العودة إلى المنزل في وقت الإفطار ثم الرجوع إلى السوق لاحقًا، بالتالي فإن حريرة بديعة تجنبنا كل هذه المشقة“.

تؤكد بديعة أنَّها تبيع يوميًّا أكثر من 150 صحنًا (زلافة) من ”الحريرة“، وهو رقم كبير نظرًا لكثرة البائعات في السوق وحولها.

تقليد أصيل

لا تدخل بيتًا مغربيًّا إلا هبَّت عليك نسائم ”الحريرة“ الكثيفة والباعثة على الكسل.

في منزلها الواقع بحي بوخالف على أطراف طنجة، تبدأ فاطمة إعداد مائدة الإفطار بعد صلاة العصر، وقبل ذلك تكون قطعت أشواطًا في تحضير قدح الحريرة.

 وترى فاطمة أن “الحريرة هي مائدة الإفطار، فإذا وُفقت ربة البيت في تحضيرها على نحو جيد، فلا تهم جودة بقية وجبات المائدة، أما إذا لم تكن الحريرة مرضية فلا عبرة بغيرها“.

طريقة الإعداد

وتتكون الحريرة من شوربة طماطم تُخلط مع الحمص المنقوع في الماء والقزبور المعدنوس والبصل فضلًا عن اللحم أو الدجاج وصنوف من التوابل.

يُترك هذا الخليط على النار لأكثر من ساعة مع تحريكه بين الفينة والأخرى؛ وهنا سر نضج قدح الحريرة، فكيفية التحريك والفواصل الزمنية بين نوباته محددات أساسية في نضج الوجبة.

يقول محمد، زوج فاطمة “منذ أن بدأت صيام رمضان وأنا مراهق لا أذكر أنني أخلفت موعدي مع الحريرة يومًا واحدًا، لا أستطيع تناول الإفطار في غيابها، فالحريرة هي الإفطار“.

ورغم مركزية ”الحريرة“ في المطبخ المغربي عمومًا، والرمضاني منه خصوصًا، فإنَّ المداومة على تناولها تسبب نوبات شديدة من القبض وسوء الهضم وتحفز الفقاعات الهوائية في المعدة، وينصح الأطباء باعتماد تناوبٍ معين بين الحريرة والحساء المعد من الشعير والقمح ونحوهما.

تاريخ طويل وأصول أندلسية

يعتقد بعض الدارسين لتاريخ المطبخ المغربي، أن الحريرة دخيلة نسبيًّا على المطبخ المغربي، وأن أهل المغرب الأقصى لم يعرفوها إلا في نهاية القرن الثاني عشر، فأصل الحريرة أندلسي، حسب هؤلاء.

يقول أصحاب هذا الطرح إنَّ ملك قشتالة ألفونسو الثامن، أهدى والي قرطبة جارية قشتالية فائقة الجمال وعلى قدر كبير من العلم واتقان فنون الطبخ والغناء، وكل ما يحسن بربات البيوت إتقانه في ذلك الزمان.

وقع الوالي في حبائل الجارية الجميلة والمتعلمة، وصار يقيم عندها أيامًا زاهدًا في زوجته وعياله وشؤون الرعية.

وتقول هذه الرواية إنَّ الجارية القشتالية جعلت الملك يكتشف الحريرة ويُفتن بها ضمن مؤامرةٍ من القشتاليين. فقد كان القوم يضعون في الحريرة عشبا يبعثُ على الكسل الشديد، وهكذا صار الوالي لا يغادر خدرَ الجارية القشتالية فساءت أحوال أهله وأحوال الناس من جراء ذلك.

ومن هذه القصة، بات العقل الجمعي في المغرب يعتقد أنَّ “الحريرة تذهب الفطنة“ حالها حال البطنة، ويدللون على ذلك بتنوع وكثافة القيمة الغذائية لمكونات الحريرة، وإن كان الأمر غير مثبت من الناحية العلمية.

وإذا كانت مآلات الأمور في الأندلس ستنتهي إلى هزيمة العرب والمسلمين بعد ذلك بثلاثة قرون، فإنَّ باحثين مغاربة يتندرون بأنَّهم إذا كانوا فقدوا الأندلس فإنهم ظفروا بالحريرة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة