حراك الريف في المغرب.. مشكل سياسي عايشه ثلاثة ملوك – إرم نيوز‬‎

حراك الريف في المغرب.. مشكل سياسي عايشه ثلاثة ملوك

حراك الريف في المغرب.. مشكل سياسي عايشه ثلاثة ملوك

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

قررت السلطات المغربية، الأسبوع الماضي، نقل معتقلي حراك الريف إلى سجون بشمال البلاد بعد أن قضوا أشهرا في سجن عكاشة بالدار البيضاء، حيث جرت خلالها محاكمتهم والحكم على العشرات منهم بأحكام تراوحت بين السجن سنة و20 سنة.

واتهم المعتقلون بتهم منها التآمر على أمن الدولة، والمشاركة في مظاهرة غير مرخصة، وإهانة القوات العمومية وانتحال صفة.

وبررت مندوبية السجون قرارها بـ“الرغبة في جعل السجناء قريبين من أهلهم، والحفاظ على صلاتهم بأوساطهم الاجتماعية“.

وأثار قرار نقل المحكومين مجددا النقاش حول حراك الريف الذي انطلقت شرارته الأولى إثر وفاة بائع السمك، محسن فكري، بعد أن سحقته شاحنة للقمامة حين حاول منع إتلاف كميةٍ من السمك تعود ملكيتها له صادرتها السلطات بحجة أنها اقتناءها غير قانوني.

ووقعت الحادثة في الثامن والعشرين أكتوبر/تشرين الأول 2016، وتسببت في احتجاجات شعبية واسعة سرعان ما تحولت إلى مطالب عامة قوامها؛ الكرامة، والتنمية ورفض التهميش ستأخذ سريعا اسم “حراك الريف“

والواقع أن الحراك يُحيل على إشكال أكبر هو علاقة الريف بالدولة المغربية؛ وهي علاقة تميزت بالتوتر والتوجس منذ بواكير استقلال البلاد عام 1956.

مواجهة مبكرة

ودخلت الدولة المغربية في مواجهة مبكرة مع أهل الريف، فمنذ الاستقلال، ظل الريفيون يشعرون بالتهميش وعبرت عن ذلك شخصيات منهم سعت إلى تقديم عريضة من 18 مطلبا للملك الراحل، محمد الخامس.

وتراوحت هذه المطالب بالتنمية والتشغيل والتمثيل السياسي وصولا إلى عودة الزعيم عبد الكريم الخطابي من منفاه في مصر التي استقر بها قبل ذلك باثنتي عشرة سنة لدى نقل السلطات الفرنسية له من منفاه في جزيرة “لارينيوه“ إلى باريس.

وكانت السلطات الفرنسية اعتقلت الخطابي إثر ثورة الريف الشهيرة في عشرينيات القرن العشرين.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه الشخصيات، وبينها نجل الزعيم الخطابي، تقدم العريضة في الرباط، كانت الاحتجاجات قد بلغت ذروتها بحرق مقرات أحزابٍ سياسية والسيطرة على مراكز الأمن في “امزورن“ والحسيمة، وبدأت تأخذ شكل انتفاضة ضد النظام.

وبعث النظام المغربي بقوات عسكرية كبيرة قُدرت بــ30 ألف رجل، وقاد الملك الراحل الحسن الثاني -ويومها كان لا يزال ولي العهد مولاي الحسن- حملة قمع انتفاضة الريف، وكان يساعده في هذه المهمة الجنرال الشهير محمد أوفقير.

واتهم الريفيون قيادة سياسية مغربية بــ“الوشاية“ بهم لدى الملك والترويج لأنَّ الاحتجاجات إنما هي واجهة لحركة انفصالية.

ويرى الكاتب والإعلامي، نور الدين الحوثي، أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن عاملا واحد بعينه كان السبب في ”التوتر الموصول“ في علاقة الريف بالسلطة المركزية.

ويذهب الحوثي في تصريحات لـ“إرم نيوز“ أن من أسباب سوء الفهم المزمن “غياب التواصل المباشر بين المركز/العرش وأهالي هذا الامتداد الجغرافي؛ والاقتصار بدل ذلك على تواصل بالوساطة عهد في القيام به لشخصيات لها حسابات سياسية بل حتى قومية ضيقة للغاية“.

وسيتمكن “المخزن“ من سحق الاحتجاجات في الريف بحلول يناير/كانون الثاني 1959، وفُرضت تدابير أمنية وعسكرية صارمة بالريف لسنواتٍ طويلة لاحقة. لكن الأجوبة السياسية والتنموية غابت من مقاربة السلطات المغربية بشكل كامل، وترى بعض التأويلات التاريخية أنَّ الأمر كان متعمدا عقابا للإقليم وسكانه وردعا لأي محاولةٍ مماثلة في منطقة أخرى من المغرب؛ خاصة في الأطراف.

ويمكن فهم هذه القراءة بالنظر للسياق الخاص الذي كان يعيشه المغرب يومها؛ فالبلد الذي قطع الاستعمار الإسباني والحماية الفرنسية أوصاله كان يتلمس طريقه إلى لم شتاته، وكان قد استعاد لتوه مدينة “سيدي إفني“ ويطالب باستعادة الصحراء من إسبانيا وبإنهاء الوجود الأجنبيفي طنجة.

احتجاجات 1984 وخطاب الحسن الثاني

وعاد موضوع الريف إلى الواجهة مرة ثانية في عام 1984 مع اندلاع احتجاجات عارمة انخرط فيها تلاميذ المدارس بشكل واسع وعُرفت بـانتفاضة “الخبز“ و“الجوع“، وبلغت ذروتها في مدن الريف مثل الحسيمة والناظور فضلا عن تطوان والقصر الكبير ومراكش.

وأخذت الاحتجاجات طابعا اجتماعيا واقتصاديا واحتجت على الحالة الاقتصادية التي كانت تعيشها المملكة حينها بفعل تطبيق سياسات “التقويم الهيكلي“ التي يفرضها البنك وصندوق النقد الدوليان مقابل الحصول على التمويلات.

حُمَّل الريف النصيب الأوفر من “المسؤولية“ عن تلك الأحداث، وهو ما عكسه خطاب الملك، الحسن الثاني، الذي وصف فيه، ضمنيا، سكان الريف بــ“الأوباش“ متهما إياهم بتحريض التلاميذ، وبأنهم يعيشون من التهريب، بل إن الخطاب حمل تهديدا صريحا “يعرف سكان الشمال جيدا ولي العهد وليس في مصلحتهم أن يعرفوا الحسن الثاني“، حيث كان ذلك اعترافا صريحا من الملك بمسؤوليته عن قمع احتجاجات 1958.

ويرى الحوثي إن هذا اللفظ ظل ”المرجع في الرؤية والسلوك السياسي اللاحقين، وظل المخزن المغربي (بالمفهوم السياسي) لعقود؛ وهو يؤمن بقناعة وجود ”اطماع انفصالية“ لدى أهل الريف، وهو ما اعتبر الموجه البنيوي لعلاقة المركز بالريف إلى حدود العهد الجديد أي عهد الملك محمد السادس“.

ورغم أن عهد الملك محمد السادس اتسم بالانفتاح على المنطقة وإطلاق مسلسل المصالحة عبر إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة التي تولت البت في الانتهاكات الحقوقية، فإن مصير عدد من أبناء الريف، المختفين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ما يزال مجهولا.

هل يتحول حراك الريف إلى نزعة انفصالية؟

ويستبعد الصحفي، علي اللحياني، تحول الحراك إلى نزعة انفصالية رغم ما تعرض له ناشطوه من السجن، وما اتهمت به منابر إعلامية وجهات سياسية من تهم.

ويعتبر اللحياني في حديث لـ“إرم نيوز“ أن إلغاء إمكانية هذا التحول يتسند إلى “تشبث الريفيين -ورغم ما عانوه ماضيا وحاليا من سياسات التفقير والتهميش – بالوطن وثوابثه، وما الصورة التي تحاول الدولة وبعض الجهات تسويقه عن كون الحراك يقوده انفصاليون أو أن له أطماعا انفصالية أو أنه مدعوم من الخارج، إلا محاولات يائسة لصرف النظر عن المطالب وتسفيهها“، بحسب قوله.

ومع ذلك، فإن إمكانية ظهور حركات احتجاجية مشابهة أمر وارد، وقد شهدت منطقة “جرادة“، شرق المغرب، احتجاجات مماثلة كان عنوانها البارز التهميش وغياب التنمية.

 ويعتقد نور الحوثي أن “مناطق عدة في المغرب لا زالت تعيش خارج القرن الحادي والعشرين، والتفاوت المجالي بين الجهات والأقاليم من أكبر التحديات التي تواجه الدولة، وهذا نتاج عقود من السياسات الخاطئة… ما يحتاجه المواطنون حاليا في هذه المناطق هو أن يلمسوا رغبة حقيقية في إحداث تنمية شاملة عبر برامج واقعية ومدروسة، إلى جانب الابتعاد عن المقاربة الأمنية أو استعمال بعض الأطراف للغة التخوين“، وفق تعبيره.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com