بعد اتساع الإضراب العام بالجزائر.. جدل ومخاوف من الشروع في ”عصيان مدني“  

بعد اتساع الإضراب العام بالجزائر.. جدل ومخاوف من الشروع في ”عصيان مدني“  

المصدر: كمال بونوار– إرم نيوز 

احتدم الجدل في الجزائر، اليوم الأحد، حول الدعوات التي أطلقتها فعاليات محلية لتنفيذ ”عصيان مدني“ بعد اتساع رقعة الإضراب العام، بسبب مخاوف من ركوب قوى سياسية وتسلمها زمام السلطة على حساب الحراك الشعبي.

وخلافًا للإجماع التي حظيت به مظاهرات الحراك المستمر منذ 22 فبراير/ شباط الأخير ضد ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، أثارت مطالبات جهات مجهولة لتنفيذ ”عصيان مدني“ لغطًا عارمًا.

وحثت 12 منظمة نقابية في بيان لها على إضراب عام في جميع المجالات، يمتد لغاية الخميس المقبل في حال عدم عدول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن ترشحه هذا الأسبوع.

وأهابت منشورات غير معروفة المصادر، ملأت فضاء شبكات التواصل الاجتماعي، بالجزائريين لإعلان ”العصيان المدني“ عبر عدم الاكتفاء بالإضراب فحسب، بل ومقاطعة تسديد جميع فواتير الخدمات من ماء وكهرباء وغاز واتصالات، تحت شعار فضفاض ”نعيش أسيادًا في بلادنا فوق قوانينهم“.

بيد أنّ الناشط السياسي المعارض، ووزير الصناعة السابق، عبد المجيد مناصرة، حذّر مواطنيه من تبعات ”العصيان المدني“ واصفًا إياه بـ ”الوخيم“.

وقال مناصرة: ”توضيح لفخامة الشعب حول العصيان المدني، قبل أن تفكروا في هذا العصيان، فكروا في العواقب المترتبة عنه، فإغلاق جميع المحلات والمؤسسات سيسبّب ضررًا للمواطنين البسطاء فقط، أما السلطة فلا ضرر عليها“.

وتابع مناصرة: ”تخيّلوا أنّ العصيان يتم فيه تجويع عدد كبير من العائلات والرضّع والمرضى، وإغلاق محطات البنزين ووسائل النقل، كل هذا سيدفع ثمنه البسطاء فقط، أما هم فلن يستمعوا لأحد“.

ونبّه إلى أن ”العصيان المدني هدف السلطة لكي يجوع الشعب ويمرض، ثم يثور الشارع على بعضه البعض بين مؤيد ومعارض، ويذهب تعب المسيرات السلمية ويتلاشى التلاحم الشعبي“.

وفي تصريحات خاصة لـ ”إرم نيوز“، أيّد الخبير الاجتماعي، حبيب بوخليفة، رأي عبد المجيد مناصرة، جازمًا: أن ”الدوائر الفوقية تريد إعادة الأمور إلى نقطة الصفر، وكأنّ الشعب لم يثر ولم يطرح مطلب التغيير العميق“.

وقال بوخليفة، وهو أستاذ في جامعة الجزائر: ”يجب التفكير في حل آخر، غير العصيان المدني والحلول كثيرة، وعلى الجميع الإدراك أنّ سياسة العصيان المدني تستهدف الشعب البسيط فقط“.

انعكاسات في اتجاهين 

وبعيدًا عن التعريف الإجرائي للعصيان المدني كـ ”أداة لشلّ الحياة اليومية من حيث الالتزامات والواجبات بطريقة إرادية إلا على الضروريات مع رفع مطالب سياسية“، ركّز المختص الجزائري في العلوم السياسية، فارس فتح الله، على وجود انعكاسات في اتجاهين.

وأفاد بأن ”العصيان المدني يفرز ركودًا في السلع والخدمات، ويؤثر سلبًا على المؤسسات الاقتصادية لطبيعة المرحلة بعيدًا عن الحراك، التي تتميز بضعف القدرة الشرائية وقلة السيولة المالية، ما يضرّ بالموازنة المالية للمؤسسات إذا طالت مدة العصيان“.

وأبرز فتح الله تداعيات خطيرة ”إذا مسّ العصيان المدني القطاعات الاستراتيجية كالمحروقات والموانئ وغيرها، في ظل سياسة شح المداخيل“.

وفي الوقت نفسه، أسبغ فتح الله، طابعًا إيجابيًا على ”العصيان المدني“ في حالة ”عدم بلوغ مستوى العصيان حدّ الإضرار بالمؤسسات الاقتصادية الخاصة والعامة“، ما سينتج عن ترشيد الاستهلاك وادخار المال.

وقدّر فتح الله أنّ ”العصيان المدني سيضطر السلطة إلى المزيد من التنازل حتى تحقق مطالب الشعب، أو توضح أكثر فيما يخص المرحلة الانتقالية التي يريدها النظام في أسوأ الأحوال“.

وعلى النقيض، حذّر المتحدث من ”تأثير العصيان المدني سلبًا على دراسة التلاميذ، ما يشكّل هاجسًا لدى العائلات مع هشاشة المنظومة التربوية، وضعف نظام التعليم العالي من أصله“.

وتقاطع الإعلامي محند رضاوي مع فتح الله، في ”تأثير العصيان المدني إيجابًا على إعادة تلاحم المجتمع وتقاسم الأضرار والشعور المشترك، والعمل على تحقيق أهداف مشتركة“.

وفي مقابلة مع مراسل ”إرم نيوز“، اعتبر رضاوي، أنّ ”العصيان المدني يعيد ثقة الشعب في نفسه على أنه يملك خيارات ضغط، كما يربك العصيان المدني السلطة السياسية، ويراكم عليها الضغط للمزيد من التنازلات“.

قتل الحراك الشعبي 

وأشار كل من الناشط المعارض طاهر دزيري، والأكاديمية نور عميار، إلى الآثار السلبية لـ ”العصيان المدني“ على الحياة اليومية للجزائريين.

وقال دزيري: ”لا خيار أفضل من المسيرات المليونية“، بينما دعّمت عميار طرح فارس فتح الله بشأن ”استحالة التحكم في سلوكيات 40 مليون مواطن، وإمكانية قتل العصيان للحراك الشعبي الذي صنعته المسيرات“.

وسجّل فتح الله: ”المسيرات أحدثت أثرًا إيجابيًا في المجتمع، من حيث المشاركة السياسية والوعي الجماعي، لكن يمكن للعصيان المدني أن تكون مخرجاته سلبية وارتداداته عكسية على نفسية الناس“.

تذمر شعبي 

ولم يُخف عدد من المواطنين تذمرهم مما أفرزه الإضراب العام ودعوات ”العصيان المدني“.

وقال نسيم غاضبًا: ”الله يلعن من فكر في هذا العصيان، لا محلات، لا مقاهي، لا نقل“.

وعلّقت صليحة في استياء: ”هل أغلقوا مؤسسات المتنفذين، وحرموا المواطنين من النقل والخبز والغداء“.

من جهته، تساءل حليم: ”ما هذا الغباء أن تسجن نفسك بنفسك؟ افتحوا المحلات للشعب، وأرجعوا النقل للناس، عودوا للسلمية وسارعوا بالتأطير أولًا“.

وأوعز نصر الدين: ”هي خطة ماكرة، السلطة تسلّط العصيان على الحراك، والضحايا هم المساكين فقط.. حذاري أن يضربوكم بعضكم بعضًا، وتذهب ريحكم“.

وانتهت عجوز في السبعين إلى التساؤل بريبة: ”العصيان المدني!!؟؟ أتمنى ألا يكون خطوة نحو الفوضى، عندي إحساس أنه مؤامرة على الحراك والالتحام الشعبي.. الحذر مطلوب خصوصًا عندما أرى رجال الأمن يطالبون التجار بإغلاق محالهم التجارية“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com