محاكمة حامي الدين تفتح سجل سنوات ”العنف السياسي“ بالجامعات المغربية – إرم نيوز‬‎

محاكمة حامي الدين تفتح سجل سنوات ”العنف السياسي“ بالجامعات المغربية

محاكمة حامي الدين تفتح سجل سنوات ”العنف السياسي“ بالجامعات المغربية

المصدر: محمد نور- إرم نيوز

تثير إعادة محاكمة القيادي الإسلامي، عبد العالي حامي الدين، في قضية قتل الطالب اليساري ”بنعيسى آيت الجيد“ عام 1993، جدلًا محتدمًا بالمغرب منذ بداية هذه المعركة القضائية في 2012.

ويدفع الطرف المدني بوجاهة إعادة فتح القضية في ضوء معطياتٍ جديدة في الملف، أهمها شهادة أحد أهم الشهود، وهو الطالب الحديوي الخمار، الذي كان برفقة الطالب اليساري، آيت الجيد، يوم الواقعة.

وبالمقابل، يدفع حامي الدين ومحاموه بأنَّ دافع إثارة القضية سياسي، ويُشهرون أحكامًا نهائية صدرت في القضية بعد عامين من الوقائع، من ضمنها حكم بالسجن النافذ سنتين قضاهما القيادي الإسلامي كاملتين في السجن.

مثيرة للجدل

كانت الجموع حاشدة أمام محكمة الاستئناف بفاس يوم الأربعاء 25 ديسمبر/كانون الأول، لحضور فتح قضية القيادي في حزب العدالة والتنمية، عبد العالي حامي الدين، الذي يحاكم للمرة الثانية في قضية قتل طالب يساري عام 1993. وهي قضية لا تنفك تثير الجدل وتُذكر بشيوع ممارسة العنف في الجامعات المغربية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وفي هذا اليوم المشهود، اتخذت السلطات المغربية إجراءات أمنية مهمة في محيط محكمة الاستئناف بفاس، وربما كانت تخشى أن يُحاول بعض طلاب أقصى اليسار بجامعة فاس، وهم المعروفون بإثارة الشغب، أن يقوموا بتصرفٍ ما ردًا على التضامن الواسع من إسلاميي العدالة والتنمية مع المتهم، والذي ترجمه حضور قياداتٍ بارزة منها؛ رئيس الحكومة والأمين العام للحزب سابقًا عبد الإله بنكيران، الذي قطع “خلوته“ الإعلامية وابتعاده عن المشهد العام، ليسافر إلى فاس لدعم حامي الدين الذي يُعد عضوًا نافذًا في الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية.

مسار القضية

ومنذ السابع من ديسمبر/كانون الأول 2018، يتابع حامي الدين، للمرة الثانية، لضلوعه المفترض في مقتل الطالب اليساري محمد بنعيسى آيت الجيد عام 1993.

وفي يوم الخامس والعشرين فبراير/شباط من ذلك العام، وقعت مواجهات بين الطلاب اليساريين والإسلاميين بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وخلال تلك الأحداث تعرض آيت الجيد وصديقٌ له للضرب على يد مجموعة من الطلبة الإسلاميين ما أدى إلى مقتل الأول إثر ضربةٍ على الرأس.

وفي عام 1994، أدين حامي الدين، وشخصان آخران، بالسجن لمدة عامين بتهمة “المشاركة في مشاجرة جماعية استُخدم فيها عنف أدى إلى الموت“، وقضى حامي الدين عقوبته كاملة بين سجن (كادوس) قرب مدينة فاس، والسجن المحلي لمدينة الرشيدية جنوب غربي فاس.

ولاحقًا، تقدم حامي الدين بملف أمام هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أسسها الملك محمد السادس لتصفية الإرث الإنساني، وأقرت الهيئة بأنَّ حامي الدين تعرض للتعذيب وسوء المعاملة خلال اعتقاله.

ورغم ذلك، فإن القضية لم تنفك تلاحق الناشط الإسلامي، وتُشير بعض المصادر الإعلامية إلى أنَّ اسمه أُبعد من مشاورات تشكيل الحكومة في السنوات الماضية لهذا السبب.

الإسلاميون يتحدون مقابل يسارٍ منقسم

ويعود إحياء القضية لعامي 2012 و2013 حين تقدم أحد أقارب القتيل، آيت الجيد، بدعوتين قضائيتين ضد حامي الدين سرعان ما قرر القضاء حفظهما دون متابعة، لكن القضاء قبل دعوى ثالثة، أودعت نهاية 2017، وتقررت متابعة القيادي الإسلامي بتهمة “التواطؤ في القتل“.

واعتمدت هذه الدعاوى والإجراءات الأخيرة على شهادة الطالب، الحديوي الخمار، الذي كان يرافق آيت الجيد يوم مقتله، وأصيب خلال المشاجرة وهو ما كان سببًا في اتهامه في القضية عام 1993.

ويقول دفاع حامي الدين، ممثلًا بالمحامي عبد الصمد الإدريسي: “إنَّ شهادة الخمار ما انفكت تتبدل وتتغير منذ 1993، ويُذكر أنَّ إعادة فتح الملف في 2009 أدت إلى إدانة ناشط إسلامي آخر حضر المشاجرة المشهودة بالسجن النافذ 10 سنوات، كما فُتحت القضية مجددًا عام 2017 وأدين فيها شخصان آخران“.

ويستخلص المحامي الإدريسي من كل هذا، أنَّ القضية “سياسية“، وهو موقف مماثل لموقف مصطفى الرميد، وزير الدولة لحقوق الإنسان ووزير العدل سابقًا، والذي حمل بشدة على قرار قاضي التحقيق، كما نوقشت القضية في اجتماع للمكتب التنفيذي لحزب العدالة والتنمية تُوج ببيانٍ وقعه الأمين ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني.

ويعرف حامي بصفته واحدًا من الأصوات القوية والمستقلة داخل الحزب، وقد أثار الجدل في شهر يوليو/تموز الماضي، حين وصف في ندوة للحزب، الملكية في صيغتها الحالية، بـ“المعيقة لتنمية المغرب“.

ومن تجليات حساسية الملف، ما يُحدثه من انقسامات في صفوف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي هيئة بعض قادتها ناشطون طلاب يساريون سابقون.

فالرئيسة السابقة للجمعية، خديجة الرياضي، ترى أن حامي الدين يواجه قضية سياسية، وبالمقابل يتمسك أعضاء آخرون بضرورة كشف الحقيقة، وتسليط الضوء على حقبة بالغة الرمزية بالنسبة لهم.

سنوات العنف

تعيد قضية حامي الدين في الواقع، عهدًا كاملًا يتذكره المغاربة جيدًا، وهو عهد كان فيه الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) إطارًا طلابيًا قويًا وراسخ الوجود في الجامعات المغربية، رغم القمع الشديد الذي مارسته الدولة ضده.

وكانت أعمال العنف التي تعرفها الجامعات انعكاسًا للصراع السياسي بين مختلف التيارات، لاسيما بعد ظهور حركات أمازيغية وإسلامية في عقدي السبعينيات والثمانينات، ودخولها ساحة المنافسة مع اليساريين المهيمنين تقليديًا على الجامعة المغربية منذ الاستقلال.

وتفيد عدة مصادر، أن محاميًا مشهورًا ينتمي لحزب العدالة والتنمية كان يُثخن في خصومه اليساريين حين تندلع إحدى المشاجرات الكثيرة في الأحياء الجامعية، وهي مشاجرات غالبًا ما تُستعمل فيها الأسلحة البيضاء.

وكان هذا المحامي حينها عضوًا في الشبيبة الإسلامية التي ينحدر منها عدد كبير من قيادات العدالة والتنمية اليوم.

وفي الجهة المقابلة، نجد في أحزاب اليسار وأيضًا في حزب الأصالة والمعاصرة يساريين سابقين شاركوا بنشاط في حماية اتحاد الطلبة من نفوذ الإسلاميين؛ سواء بالمناورات السياسية، أو بممارسة العنف.

ورغم أن كل التيارات الحاضرة في الجامعة المغربية تُصنف بأنها “غير عنيفة“، فإنَّ المواجهات والمشاجرات كانت شبه يومية.

وبالتالي، فإن مقتل آيت الجيد، ليس المأساة الوحيدة في تلك الحقبة، ففي عام 2009 مثلًا، أفرج عن 11 عضوًا في جماعة “العدل والإحسان“، بعد أن قضوا 18 عامًا في السجن إثر إدانتهم بقتل طالب يساري في وجدة.

الناشطون القاعديون والأمازيغيون

وما تزال الجامعة المغربية مسرحًا للعنف السياسي، وقد أشار وزير الداخلية السابق، محمد حصاد، إلى هذه الحقيقة في عرض أمام البرلمان قبل 3 سنوات، وأشار بالخصوص إلى جامعات مراكش وأغادير وفاس.

ففي 2014، قتلت مجموعة من الناشطين “القاعديين؛ نسبة إلى اليسار القاعدي الماركسي“، الطالب الإسلامي عبد الرحيم حسناوي، العضو في منظمة التجديد الطلابي القريبة من العدالة والتنمية.

ويُشتهر التيار “القاعدي“ بعنفه الشديد، وبكونه يَكتتب أساسًا الطلاب القادمين من مناطق فقيرة ومعزولة، وله مطالب غير عقلانية فيما يتصل بزيادة المنح، كما أنَّ أعضاءه يشتهرون بحملهم الدائم لمختلف أنواع الأسلحة.

وقد لقي حسناوي مصرعه في الحي الجامعي “ظهر المهراز“ بفاس، ويبدو أن مشاركة عبد العالي حامي الدين، وشخصيات يسارية، في محاضرة حول “الإسلاميين واليسار“ بهذه الجامعة، كانت السبب في حدوث المواجهات التي دارت في ساحة الجامعة، حيث تنتشر صور للراحل بنعيسى آيت الجيد على الحيطان، كما هو الحال في جميع الجامعات المغربية.

وفي أتون قضية مقتل الطالب الإسلامي الحسناوي، لقي طالب يساري مصرعه بسبب إضرابه عن الطعام خلال اعتقاله الاحتياطي.

والواقع أنَّ العنف في الجامعات ليس من فعل الإسلاميين وحدهم؛ ففي 2007 قُتل طالبان “قاعديان“ على يد طلاب قريبين من الجناح المتطرف للحرة الأمازيغية في جامعتي مكناس والرشيدية.

وفي عام 2008، أججت قضية ”زهرة بودكور“ جدلًا واسعًا حول العنف الذي تمارسه أجهزة الأمن في الوسط الجامعي، فقد ظهرت زهرة، وهي طالبة منتمية لأقصى اليسار، في حالة يرثى لها بعد توقيفها من قبل الشرطة خلال مظاهرات عنيفة تنادي بزيادة المنحة شهدتها جامعة القاضي عياض بمراكش.

ورغم تأكيد دفاع زهرة، أنَّها جُردت من ملابسها، وكانت تنزف خلال ساعات طويلة من الاعتقال، فإن ذلك لم يشفع لها أمام القضاء، إذ أدينت بعامين سجنًا نافذًا.

وخلال الاحتجاجات نفسها، ألقى أفرادٌ من الشرطة طالبًا من نافذة أحد الطوابق.

وفي عام 2013، توفي طالب مقرب من التيار اليساري متأثرًا بإصابات بالغة تعرض لها إثر صدامات بين الطلاب والشرطة بفاس.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com