رعب ”الكوليرا“ يجتاح الجزائر.. حقيقة غائبة وارتباك حكومي – إرم نيوز‬‎

رعب ”الكوليرا“ يجتاح الجزائر.. حقيقة غائبة وارتباك حكومي

رعب ”الكوليرا“ يجتاح الجزائر.. حقيقة غائبة وارتباك حكومي

المصدر: جلال مناد ومريم حسين- إرم نيوز

هيمن الرعب على يوميات الجزائريين، وأضحى شبح ”الكوليرا“ يُلاحقهم في كل مكان، بينما تُحيط السلطات الملف بسرية وتكتّمٍ شديدين، وسط تهرّب وزراء 6 قطاعات حيوية من تحمل المسؤولية، عن تعاظم خطر الوباء، وفق منتقدين للموقف الحكومي.

وبلغت الحصيلة في ظرف قياسي أرقامًا مُخيفة، إذ تم تسجيل حالتي وفاة ونحو 290 إصابة، بينما يقول نشطاء إن الأرقام الرسمية ”غير حقيقية“ لأن السلطات برأيهم تتحرّج من كشف الحقيقة.

 وأعلن مسؤول المستشفى المتخصص في مكافحة الأمراض الوبائية في ضاحية ”بوفاريك“ بالبليدة وسط الجزائر، اليوم السبت، أن عدد الحالات المشتبه بها ارتفع إلى 117 حالة، (57 امرأة) و(28 رجلًا) و(32 طفلًا)، لكن نشطاء شككوا في ذلك.

وفي محافظات أخرى، سجلت مستشفيات أخرى حالات مماثلة، لإصابات يشتبه في تعرض أصحابها لداء الكوليرا، الذي يعود إلى الواجهة بعد 20 عامًا من آخر ظهور له في الجزائر.

غموض

وتكتنف هذا الملف الصحي الحساس حالة من الغموض الحكومي، والصمت غير المبرر لوزراء القطاعات المعنية، وهم وزير الصحة والإسكان، ووزير المياه، ووزيرة البيئة، ووزير الزراعة والصيد البحري، ووزير التجارة، ووزير العدل.

وانتقد نشطاء سياسيون ومدنيون بشدة، عدم تدخل السلطات الحكومية بالشكل الذي يضع حدًّا للإشاعات، التي أدخلت الرعب في نفوس الجزائريين، وجعلتهم ينفرون من مياه الحنفيات العمومية.

واستغلت الشركات الناشطة في مجال المياه المعدنية إعلان السلطات الجزائرية إصابة العشرات بداء الكوليرا، للترويج لإشاعات مفادها أن مياه الحنفيات من الأسباب الرئيسة التي تقف وراء انتشار الداء.

ومباشرة عقب سيل من الأنباء التي تحذر من شرب ماء الحنفية، ارتفعت أسعار المياه المعدنية في أسواق الجملة والتجزئة، بشكل ملحوظ، ما أربك الحكومة أمام هول الإشاعات.

وارتفعت حدة النقاش في الجزائر لدرجة التشكيك في مصدر مياه سقي منتجات زراعية (خضار وفواكه)، في سهل متيجة الذي يحيط بعاصمة البلد ومحافظاتها المجاورة، وإن كان المزارعون فعلًا يقومون بسقيها بمياه الصرف الصحي والقاذورات.

 ونشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي لقطات مصورة لمزارع تعتمد على مياه الصرف الصحي والقاذورات، في سقي الفواكه والخضار المسوقة للجزائريين على غرار العنب والبطيخ، وهما من أكثر الفواكه استهلاكًا في موسم الصيف.

تطمين

وقالت مسؤولة الإعلام في وزارة المياه الجزائرية، نصيرة مدبدب، إنّ ”كافة التحاليل المخبرية لمياه الحنفيات خالية من كل شبهة أو تلوث، وبالتالي فسلامة الماء الشروب مضمونة ولا مجال للتشكيك فيها“.

وتابعت مدبدب، في تصريحات لــ“إرم نيوز“، أنّ وزارة المياه تأكدت من أنّ وباء الكوليرا لا علاقة له بتناول ماء الحنفية، ولو وجدنا شبهة لتمّ قطع المياه فورًا، لأن سلامة الصحة العامة للمواطنين هي أولوية الأولويات للدولة“.

وأوضحت المسؤولة ذاتها أن ”كافة محطات معالجة المياه، التي يفوق عددها 90 محطة عبر أرجاء البلاد، تتوفر على مخبر يُتابع كل مراحل المعالجة، وبهذا لا تضخ المياه في الشبكات إلا بعد التأكد من سلامتها“.

”استقالة“ البرلمان 

وندد نشطاء بغياب دور مجلس النواب في ”الكارثة الوبائية“، التي حلت بالجزائر دون سابق إنذار، وقد كان الأمر يستوجب بحسبهم تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق.

ويُجيز القانون الجزائري لنواب البرلمان الحق في تشكيل لجان تحقيق في قضايا الساعة، والأحداث التي تشغل الرأي العام وتراعي مصلحته العامة.

وسبق للبرلمان الجزائري أن فتح تحقيقات في قضايا عديدة سابقًا، بينها ملف ”26 مليارًا“ سنة 1987، وملف ”تزوير الانتخابات“ سنة 1997، وكان آخرها عام 2011 حول ”أحداث الزيت والسكر“.

وقال البرلماني المعارض، لخضر بن خلاف، في تصريحات لــ“إرم نيوز“، إنه من المؤسف حقًّا أن التشريع الحالي لا يُتيح للنواب مساءلة الحكومة أو تشكيل لجنة تقصي حقائق، لأن البرلمان ”بحالة عطلة سنوية“.

وتساءل بن خلاف، وهو يقود كتلة ”النهضة والعدالة والبناء“، بقوله: ”هل هناك رابط بين وباء الكوليرا وانتهاء عقد شركة ”سيال“ الفرنسية لخدمات المياه بإقليم العاصمة الجزائرية وضواحيها (موطن الوباء)، أواخر شهر أغسطس/آب الجاري؟“.

غياب القضاء

ويوضح القانوني الجزائري عبد الغني بادي، في تصريحات لــ“إرم نيوز“، أنه يحقّ للمدعي العام تحريك دعوى قضائية عمومية (باسم الشعب الجزائري)، للبحث في مسببات الكارثة الوبائية، وتحديد المسؤوليات.

ويتابع بادي أنه بعد تحرك المدعي العام، تتلقى الشرطة القضائية (الأمن والدرك) الأوامر، لفتح تحقيق ابتدائي يُمهد لتحقيق قضائي، يحدد المراكز القانونية في القضية بين شاهد ومتهم وضحية.

ويشدد بادي، وهو محامٍ وناشط حقوقي بارز، على أنه لا جدال حول الإجراء القانوني المفترض، في حالات جرائم يكون مصدرها في الغالب مجهولًا، متأسّفًا لأن النتائج في الغالب تكون غير مرضية ولا مقنعة ولا تكشف كل الحقيقة.

ويبرر المحامي ذاته موقفه بكون المسألة ”متعلقة إما بصعوبة الوصول إلى المعلومة، أو بحماية المجرمين أو أحدهم من طرف مُتنفّذين يعتقدون بأنهم أقوى من سلطان القانون“.

وفي خضم الجدل القائم حول داء الكوليرا الذي شغل الرأي العام، عاد الحديث عن تعديل حكومي مرتقب، قد يطيح برئيس الوزراء الجزائري، أحمد أويحيى، بينما تتجه أصابع الاتهام لوزراء قطاعات بارزة، ومنهم متنفذون مكثوا في السلطة منذ مجيء الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، إلى الحكم في العام 1999.

 وتوقعت مصادر سياسية، تواصلت معها ”إرم نيوز“، أن يضطرَّ الرئيس الجزائري إلى إجراء تغيير وزاري في بداية شهر سبتمبر/أيلول القادم، لامتصاص غضب الشارع وضخ دماء جديدة في الطاقم الحكومي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com