أحدهم رهن هاتفه وآخر يصنع الطوب.. أساتذة الجامعات في اليمن واقع مرير يزداد تدهورًا

أحدهم رهن هاتفه وآخر يصنع الطوب.. أساتذة الجامعات في اليمن واقع مرير يزداد تدهورًا

المصدر: صنعاء - إرم نيوز

أحدهم رهن هاتفه ليسدد ديونه، وآخر عمل في صناعة الطوب ليكسب قوت يومه، فيما لم يجد الأستاذ الثالث الأموال لعلاج أحد أبنائه.

ثلاث قصص تعكس واقعاً أليماً يعيشه أساتذة الجامعات باليمن في ظل الظروف المالية الطاحنة التي يمرون بها بعد انقطاع رواتبهم، لينهش الفقر كافة الفئات في هذا البلد الذي يئن تحت وطأة حرب مستمرة منذ أكثر من عامين.

”صبري العزعزي“، طالب بجامعة صنعاء، يروي قصة مأساوية تتحدث عن أستاذه في كلية العلوم الذي يعاني وضعاً ماديا صعبا جعله يعجز عن شراء العلاج لابنه، في حالة تتكرر كثيراً لهذه الفئة.

وينقل ”العزعزي“ عن أستاذه – الذي لا يرغب في ذكر اسمه – كيف امتنع صاحب البقالة عن بيعه رغيف خبز ليشبع جوع أطفاله، مقابل 250 ريال يمني (دولار أمريكي)، لأن ديونه تجاوزت الحد المسموح به.

أستاذ الفلسفة بجامعة صنعاء الدكتور ”جميل عون“، مثال آخر لتدهور أوضاع أساتذة الجامعات في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات الحوثي وحلفاؤها من أنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

”عون“ أجبرته الظروف على ترك مهنته السامية والعمل في أحد مصانع الطوب الإسمنتي، من أجل توفير لقمة العيش لأطفاله. ويَعتبر ”عون“ إقدامه على تلك الخطوة ”ضروريا من أجل إيجاد مصدر دخل له ولأسرته.

ويضيف الأستاذ الجامعي“نحن موظفون ونعتمد بشكل أساسي على الراتب الحكومي، وبعد أربعة أشهر من انعدام الدخل، استنفذنا كل الحلول، واستخدمنا مدّخراتنا، ووصل الأمر إلى بيع المجوهرات الخاصة بزوجاتنا“.

وبعد يومين من العمل في مصنع الطوب، تم تسريح ”عون“ من وظيفته الجديدة بسبب قلة الطلب على المنتج الذي امتهن صناعته حديثا.

ونتيجة للوضع المتردي الذي بات سائدا اليوم، يطالب الأستاذ الجامعي، الحكومة الشرعية برئاسة الرئيس عبدربه منصور هادي بالتدخل، وصرف رواتب أساتذة الجامعات الحكومية باعتبار أن ”الراتب حياة“.

ووسط حزن تكسوه لهجة استهجان يقول عون ”استغرب من الأطراف اليمنية تجاهل هذه الأزمة التي بدأت تهدد النسيج الاجتماعي وتساهم في تفشي ظواهر مخيفة مثل السرقة والسلب والنهب، حتى على المستوى النفسي، كيف سنعمل في ظل ظروف صعبة علينا؟“.

‎وتمتنع ميليشيات الحوثي في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، عن صرف الرواتب للموظفين الحكوميين، معللة ذلك بانعدام السيولة المالية، ونقل البنك المركزي من صنعاء إلى مدينة عدن.

وفاقمت تلك الخطوة من انتشار الفقر في أوساط المواطنين من ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، وبات الآلاف منهم دون أية موارد مالية، وهذا ما انعكس على وضعهم المعيشي، لتنضم تلك الشريحة إلى 21 مليون يمني (80% من السكان) من الذين هم بحاجة ماسة إلى مساعدات، وفق أرقام أممية.

ومنذ نحو شهرين احتج أكاديميون بالجامعات الحكومية، وطالبوا ميلشيات الحوثي التي تسيطر على العاصمة بدفع رواتبهم، خلال أسرع وقت ممكن، لكن تلك المطالب قوبلت بتجاهل مطلق من قبل الميليشيات الانقلابية.

وبشكل متسلسل، صعّد أعضاء هيئة التدريس من مطالبهم، وبدأوا في عقد لقاءات من شأنها الضغط على جماعة الحوثي لدفع الرواتب، إلا أن تلك الخطوة أثارت غضب الجماعة.

ففي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، اعتدى أحد المسلحين الحوثيين، أمام عدد من الصحفيين، بسكين، على رئيس نقابة هيئة التدريس بجامعة صنعاء محمد الظاهري، في محاولة لمنعه من عقد اجتماع للنقابة.

وعقب ذلك، هدد الأكاديميون في الجامعة بالتنسيق مع زملائهم في سبع جامعات حكومية بمحافظات أخرى، بالإضراب العام وإيقاف الدراسة، في محاولة جديدة منهم للضغط على ميليشيات الحوثي لدفع الرواتب.

الرد من الحوثيين، جاء سريعاً هذه المرة، ”إذا ما أضربتم عن العمل ستُسجنون لأنكم عملاء“، وفق ما قال عضو الهيئة الإدارية للنقابة عبدالله العزعزي في لقاء موسع مع أعضاء النقابة، مطلع الأسبوع الجاري.

وأضاف العزعزي في اللقاء الذي حضره صحفيون ”التهديدات لن تثنينا عن المطالبة بحقوقنا المشروعة“.

وفي اجتماع لنقابة هيئة التدريس بجامعة الحديدة الأربعاء قبل الماضي، وقف الدكتور ”أمين عباس“ أمام زملائه وبالكاد تمكن من مواصلة حديثه عن وضعه المادي المتدهور.

و قال عباس ”منذ عام 1995 وأنا أعمل أستاذا في هذه الجامعة، والآن يتهمونني بالعمالة وبأنني لست وطنيا، هل الوطنية أن أنظر إلى أطفالي وهم يموتون؟!“.

وكغيره من أساتذة الجامعة، اشتكى الدكتور في كلية الآداب من انقطاع راتبه للشهر الرابع على التوالي.

وفي ذات اللقاء الذي عقده أعضاء نقابة هيئة التدريس بجامعة صنعاء، قال أمين عام النقابة ”عبدالحميد البكري“، إنهم تلقوا تهديدات واضحة خلال لقائهم القائم بأعمال رئيس جهاز الأمن القومي ”عبدالرب صالح جرفان“، ورئيس ما يُسمى بـ“المجلس السياسي“ الذي يُدير المحافظات الخاضعة للحوثيين ”صالح الصماد“.

وأشار إلى أنه جرى اتهام أعضاء الهيئة ”بالعمالة للمملكة العربية السعودية التي تقود تحالفاً عربياً لإضفاء الشرعية في اليمن وأن تحركاتنا تأتي تنفيذاً لأجندة حزبية خارجية“.

وتابع ”الرد كان جاهزاً لدى الحوثيين.. نحن نواجه حرباً من 11 دولة ومواقفكم تضعكم في خانة الخونة والعملاء، لماذا أنتم تحتجون في حين أن باقي مؤسسات الدولة صامتة ولم تحتج؟“.

وكان رئيس الجامعة المُعين من قبل الحوثيين ”فوزي الصغير“، صرح بأن مشكلة تأخر صرف الرواتب هي مشكلة تواجهها جماعة ”أنصار الله“ وحلفاؤها وليست مقتصرة على الجامعة، وسببها ”الحصار وقرار هادي بنقل مقر البنك المركزي من صنعاء لعدن“.

وأعلن ”الصغير“ عن وجود نحو 520 ألف دولار أمريكي، كفائض مالي ضمن موازنة الجامعة لهذا العام، لكنه قال إن هذه المبالغ لم تعد متاحة لرئاسة الجامعة، دون أن يوضح الأسباب.

ويتهم أساتذة الجامعات، الحوثيين بتوريد إيرادات الجامعة لدعم نفقاتهم الحربية والعسكرية.

ومنتصف الأسبوع الجاري، أصدرت نقابة هيئة التدريس بجامعة صنعاء تعميماً لجميع أساتذة الجامعات بعدم تسليم أسئلة امتحانات الفصل الدراسي الأول للعام الجامعي حتى يتم صرف رواتبهم.

وطالبت النقابة الحوثيين بـ“تحقيق المطالب المشروعة في المهلة المحددة قبل موعد الإضراب والمقرر في الأول من يناير القادم“.

ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد أساتذة الجامعات في المحافظات التي يسيطر عليها الحوثيون، في ظل انهيار مؤسسات الدولة.

وتتسع رقعة الفقر في المدن اليمنية، فبعد أن كانت مدن محافظة الحديدة (غرب) هي الأكثر تضررا، انضمت إليها مدن جديدة شمال وشرق ووسط وجنوب غربي البلاد، حتى بات بعض اليمنيين يبيتون دون طعام، فيما يتناول غيرهم أوراق الشجر، وفق وكالة الأناضول.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com