بعد مرور 8 أشهر على تحريرها.. عدن مدينة مشلولة

بعد مرور 8 أشهر على تحريرها.. عدن مدينة مشلولة

المصدر: عدن - إرم نيوز

الزائر لمدينة عدن جنوبي اليمن، اليوم لا يرى فيها مدينة محررة، كما لا يلمس في نواحيها طبيعة الحياة وانتعاشها، التي كانت تدب في أرجائها، لا يكاد المرء يلبث فيها كثيراً حتى يحاول أن يغادرها بعدما كان سابقاً يتمنى المكوث فيها طويلاً .

بهذه العبارات، تفوه إسحاق حسن محمود، العدني المغترب في السعودية، الذي عاد الى عدن قبل نحو أسبوعين، و ترقرقت عيناه بالدموع، حينما كان يتحدث لمراسل ”إرم نيوز“، عن حال عدن، وما وصلت اليه مدينته اليوم .

ويضيف إسحاق، إنه اشتاق كثيراً لمدينة عدن، خاصة وانه غادرها في العام 2012 وكان ينوي زيارتها في رمضان 2015، لكن الحرب أجلت سفره، في انتظار أن تتحرر مدينته وتعود الحياة فيها كما كانت، مشيراً إلى أن الحياة عادت جزئياً وإن كانت معظم مناحي الحياة ومجالاتها لازالت مشلولة، حتى بعد ثمانية اشهر على تحرير المدينة .

وأوضح، أنه كان يتوقع أن يعود اليوم بعد أكثر من نصف عام على تحرير المدينة، وقد عادت عدن لما كانت عليه، ولفت أنه كان يتمنى أن تكون عدن أفضل، لاسيما وأن دول التحالف اليوم هي من تدعم عدن وتزودها بكل ما تحتاجه الحياة.

مرافق معدومة

 عاد أهالي عدن إلى منازلهم في اغسطس / آب الماضي، بعد ثلاثة أشهر على خروجهم منها قسراً بسبب الحرب الأخيرة، وقبل عودتهم قدمت دولة الإمارات كل ما يلزم لمؤسسات عدن الخدمية كالكهرباء والمياه لإعادة هذه الخدمتين الى المديريات الأربع، التي كانت تحت سيطرة الميليشيا المتمردة .

وخلال الاشهر التالية، دعمت الإمارات وبعض دول التحالف جميع القطاعات الحيوية في مدينة عدن، في إطار جهودها الرامية الى إعادة تطبيع الحياة فيها، وكانت اهم القطاعات التي لاقت دعماً واسعاً هي الكهرباء والمياه والنظافة والصحة والتربية والتعليم، فيما تكفلت الإمارات بسداد مرتبات عمال مؤسستي الكهرباء والمياه حتى نهاية العام 2015 .

وبعد مرور ثمانية أشهر على تحرير المدينة، لازالت تعيش معظم القطاعات الحيوية في عدن تردياً واضحاً في خدماتها، بل وباتت الحياة مشلولة في جميع مجالاتها وخدماتها الضرورية .

ويقول المحلل السياسي اليمني، منصور صالح، في حديث خاص لـ“إرم نيوز“، إن الكثير من القضايا التي مازالت تؤرق حياة الناس في عدن، كانت قابلة للمعالجة والحل فيما لو توافرت الإرادة السياسية لذلك، لكن لا يبدو أن هذه الإرادة موجودة بسبب الفساد المستشري، الذي يكبل مؤسسات السلطة الشرعية، ويبطء عملها، وخاصة البطانة المحيطة بالرئيس هادي، التي جعلته يبدو وكأنه عاجز عن القيام بأي عمل رغم ما يحظى به من دعم كبير، إضافة الى الضعف الكبير الذي يعتري أداء الحكومة وعدم قدرتها على النهوض بمهامها.

الملف الأمني

يشكل الجانب الأمني، حجر الزاوية في استقرار الأوضاع في عدن، التي ما زالت تعيش في أجواء انفلات أمني ممنهج، عكر صفو الحياة في المدينة، وبات أحد أهم الأسباب الرئيسة، الذي حال بدرجة كبيرة دون تطبيع الحياة في عدن .

ويقول المحلل السياسي اليمني والنقابي البارز خالد أمان، في حديث خص به “ إرم نيوز“، أدت حالة الانفلات الأمني المتعمدة في عدن من قبل بعض الأطراف في السلطة، وهي في اعتقادي لازالت لها اتصال بالانقلابين ممثلين بالمخلوع صالح والحوثيين، وهي ورقة يراهنون عليها اليوم في عدم قدرة الشرعية على تولي زمام الأمور وتثبيت الأمن من خلال إرباكها بعمليات الاغتيالات، التي تهدف الى التخلص من الكثير من القيادات العسكرية الجنوبية، وفي نفس الوقت خلق نوع من الفوضى والانفلات الأمني لشل الحركة في عدن، بالإضافة الى التفجيرات بالسيارات المفخخة في مختلف مديريات المدينة .

وأضاف أمان، ”لقد أخذت هذه العمليات مؤخراً منحى آخر، يستهدف تحديدا رجال المقاومة الجنوبية الموجودين في عدد من نقاط التفتيش المتفرقة في المدينة؛ ما سبب كثيرا من الإرباك والغضب بين ابناء المجتمع العدني لإشغاله عن أمور حياتية كثيرة وعرقلة تطبيع الحياة في المدينة .

دمج المقاومة

واجهت المقاومة الشعبية الجنوبية، منذ تحرير عدن من الانقلابين في يوليو/تموز الماضي، هجوماً عنيفاً من أطراف عدة، وهو ما أربك وضعها في إعادة ترتيب أمورها بعد الحرب مباشرة، في تلك الفترة التي كان فيها عدم الاستقرار في مختلف مناحي الحياة وحالة الفوضى والسلب والنهب تقف حائلاً دون تمكينها من ذلك، مما هيئ الفرصة أمام بعض الأطراف لتشويه صورتها في المجتمع العدني، بعد تحقيقها لانتصارات عظيمة في مراحل الحرب المختلفة.

ويقول خالد أمان، إن المقاومة الجنوبية اضطرت في بداية الأمر الى عدم التجاوب في عملية دمجها في الجيش الوطني ظناً منها أن تلك تعد مؤامرة لتفكيكها، أو احتوائها، ولكن سرعان ما تداركت قيادات المقاومة، أهمية أن تكون في إطار أكثر تنظيماً واوسع من حيث الإمكانيات، فعملت على المطالبة بدمج عناصرها بالجيش الوطني بناء على قرار رئاسي بهذا الشأن .

ولفت أمان، أنه لابد من الإشارة والتوضيح إلى  أن هناك أطرافا خفية، تعمل على عرقلة عملية الدمج بشتى الوسائل وتفتعل المشكلات المتعلقة برواتب المقاومة وتأخيرها، وفي بعض الاحيان عدم تسليمها لأكثر من شهرين أو ثلاثة، الى جانب تجاهل مطالبهم بشكل واضح وتنفيذ الوعود بدمجهم وإبقاءهم لساعات وأيام طويلة عند بوابات المعسكرات للتسجيل دون أن يحصل على شيء، مما يؤدي الى انصراف البعض منهم والعودة الى مواقع حراساتهم في النقاط والمنشآت الحيوية الهامة في المدينة التي سبق وأن تم الاتفاقي على تسليمها للسلطات الشرعية، وبذلك تكون المشكلة قائمة ولم تحل بل وتتفاقم .

ويرى منصور صالح، أن دمج المقاومة الجنوبية بالمؤسسة العسكرية والأمنية، تحول للأسف الى ملف يراد من خلاله القضاء على المقاومة، إما بالمماطلة في عملية الدمج بما يدفعها إلى التمرد او التحول الى جماعة عنف او الارتماء في احضان كيانات أخرى.

وأشار إلى أن هناك محاولات لتحويل هذا التوجه الى مؤامرة، تستهدف ابتلاع المقاومة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الفاسدة، وليس استيعابها وجعلها هي الركيزة أو النواة الأساسية لهذه المؤسسات، باعتبارها هي من فرضت أحقيتها وجدارتها في مثل هكذا مهمة.

أسر الشهداء والجرحى

ويعد ملف جرحى المقاومة ورعاية أسر الشهداء، أحد أهم الملفات الهامة التي تتحمل مسؤوليتها السلطات الشرعية ودول التحالف العربي، لكن المقاومة ترى بأنه لا توجد أية جدية من السلطات تجاه هذا الملف المهم، لاسيما وان الكثير من الجرحى الذين يحتاجون للسفر الى الخارج لازالوا متواجدين في مستشفيات عدن، التي تفتقر للكثير من الأجهزة والمعدات الطبية .

تشهد عدن منذ اشهر عمليات احتجاج وقطع طرقات من قبل أسر الجرحى، الذين يطالبون بتسفير أبناءهم للخارج لتلقي العلاج بناءً على تقارير طبية من مستشفيات عدن، وتسببت تلك الاحتجاجات في توقف حركة السير في طرق رئيسة حيوية منها ما يتم في مديرية البريقة غرب عدن، والتي تحتوي أهم منشأة حيوية وهي مصافي عدن، التي تزود مرافق ومؤسسات ومحطات المدينة بالمشتقات النفطية .

وقبل يومين اندلعت اشتباكات عنيفة بالقرب من منطقة معاشيق بكريتر بين المقاومة الجنوبية والحرس الرئاسي لذات السبب، الأمر الذي يشكل تهديداً وتحدياً كبيراً أمام السلطات الشرعية لتحمل مسؤولياتها تجاه مقاومتها الشعبية .

ويقول مراقبون، إن ملف الجرحى والشهداء يمثل نقطة سوداء في سجل السلطات الرسمية، التي تسبب فسادها في نهب المليارات من أموال الدعم الخليجي، وتقاعست عن تقديم العلاج لمن ضحوا بدمائهم وأرواحهم في سبيل بقاء هذه السلطة في كراسي الحكم.

الكهرباء والمياه

لازالت عناصر من أتباع المخلوع صالح والحوثيين، تتحكم في كثير من المؤسسات والمنشآت الخدماتية في عدن، وتتخذ منها وسيلة أو سلاحا لإرباك الحياة وشلها نهائياً ومنها الكهرباء والمياه، التي اصبحت مثار جدل واسع لما يدور في دهاليزها وأروقتها ومحطاتها المختلفة، حيث شكلت مؤسستي المياه والكهرباء لغزا يصعب حله، حتى أن كثيرين لا يعزون سبب ذلك الى الفساد الموجود فيهما فحسب، بل والى ايادي خفية تتحكم في استخدامهما لشل الحركة في عدن وخلق صعوبات وعراقيل أمام السلطة المحلية، التي تسعى جاهدة وبإمكانياتها الشحيحة جدا لإعادة الأوضاع الى طبيعتها .

ويقول سكان عدن، إن مؤسسة الكهرباء هي أكثر استهدافاً لتطبيع الحياة؛ لأن الأجواء الحارة تساعد الأطراف التي تتحكم بالكهرباء على الوصول الى أهدافها في زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع العدني، والدليل أن الانقطاعات في الكهرباء التي شهدتها عدن خلال فصل الشتاء، تؤكد أنه لا يوجد اي مبرر يتصل بجوانب فنية أو قدراتية تؤدي الى الانقطاعات بقدر ما هو مخطط له.

قناة عدن وصحيفة 14 اكتوبر

رغم مرور ثمانية أشهر على تحرير مدينة عدن وعودة الرئيس وحكومته اليها، لازالت قناة عدن الفضائية وإذاعتها العريقتين، بالإضافة الى صحيفة 14 أكتوبر الحكومية متوقفة حتى اليوم، ولا توجد أسباب واضحة لهذا التوقف الذي مثل عقبة جديدة لإعادة الحياة وتطبيعها في المدينة.

ويرى متابعون، أن أوضاع مؤسسة 14 أكتوبر واذاعة وتلفزيون عدن، تكشف عن حالة عدم الثقة بالمقاومة الجنوبية، و الحرص على عدم تمكينها من امتلاك مؤسسات اعلامية تتبعها، كما تكشف عن حالة فساد مهول في أعلى هرم وزارة الاعلام، التي تستأثر بكم هائل من الدعم الخليجي لقطاع الاعلام، يتم التصرف به بطريقة ارتجالية وعشوائية ودون ادنى معايير تخدم تجويد العمل في المؤسسات التابعة للوزارة.

وأضاف هؤلاء، إنه لا يوجد ما يمنع من عودة قناة عدن للبث من عدن، بعد اعادة تأهيل الأجهزة وفحصها واستعادة جاهزيتها للعمل، سوى انه لا توجد إرادة لعودة هذه القناة لحسابات سياسية بحتة.

مرتبات الموظفين

الجانب المالي هو الأكثر تعقيدا، وهو الملف الأكثر صعوبة أمام الشرعية بعد الحرب، وبخاصة في المحافظات المحررة ومنها العاصمة عدن، حيث لازالت الموارد المالية المختلفة التي يتم تحصيلها في عدن تورد الى البنك المركزي بصنعاء، وهي موارد حددت وفقاً لقانون السلطة المحلية وصنفت الى ثلاثة موارد محلية وعامة مشتركة ومركزية وكلها يتم تحصيلها في عدن، ناهيك عن الموارد السيادية كموارد الميناء والمصافي والضرائب وغيرها؛ ما جعل مسألة رواتب العمال والموظفين في القطاع العام مرتبطاً بالبنك المركزي بصنعاء، التي لازالت محتلة من قبل الحوثيين والمخلوع صالح.

ويرى سكان عدن، أنه كان على الحكومة أن تعمل على ايجاد الحلول الناجعة لتفعيل دور البنك المركزي في عدن كعاصمة مؤقتة، وبالتالي التمكن من الايفاء بالتزاماتها عبر صرف معاشات الموظفين دون الرجوع الى صنعاء.

ويعتقد مواطنون جنوبيون، أن قضية معاشات المتقاعدين تظل مرتبطة بفساد مكاتب البريد التي تتاجر بمعاناة الناس، معتبرين أن حكومة بحاح فشلت فشلا ذريعا في ادارة هذا الجانب، وعجزت عن تأمين مصدر معيشة المواطن، بل إن وزراء في هذه الحكومة مازالوا يتسلمون معاشاتهم من البنك المركزي بصنعاء .

إعادة إعمار عدن

تنقسم عملية إعادة الإعمار في عدن الى قسمين، الأول إعمار مساكن المواطنين، التي تهدمت جراء الحرب أو تلك التي تضررت جزئياً، والقسم الأخر يتعلق بإعمار المؤسسات والمرافق والمنشآت الحكومية.

وبعد مرور أكثر من ثمانية اشهر تقريباً، كان يتوقع أن تكون عملية الإعمار  أنجزت، وهو ما لم يحدث إذ اقتصرت مشاريع الإعمار، على تجهيزات بعض المجمعات والمستشفيات والمدارس .

ويتساءل الكثيرون، عن أسباب ذلك، هل تتصل بتقصير من قبل دول التحالف أم بعراقيل من أطراف معينة في الحكومة أو غيرها؟ أم بتأخير وتلاعب بأموال قد صرفت فعلاً من السعودية والإمارات لحكومة بحاح؟ في الوقت الذي لايزال كثير من المواطنين الذين تضررت مساكنهم بشكل كامل، يعيشون في اماكن إيوائية غير مناسبة للسكن حتى اليوم، وآخرون في مساكن بالإيجار الذي يدفع من مرتباتهم الشحيحة .

هذه العوامل جعلت مدينة عدن في نظر مواطنيها، وكأنها ما زالت غير محررة طالما أن كل مفاصل الدولة مشلولة ومرافقها موصدة الأبواب.

مطار عدن الدولي

نال مطار عدن الدولي نصيب الأسد من التدمير خلال الحرب الأخيرة، وبعد تحرير عدن تكفلت الإمارات بإعادة تأهيله وتشغيله، وكان المطار لا يلبث أن يفتح أبوابه خلال الأشهر الماضية حتى يغلق مرة أخرى، لأسباب قد لا تكون مفهومة، إلا أن مسؤولين فيه يقولون، إن اغلاقه يأتي لأسباب أمنية .

وما يشكل حالة من الغرابة أن مطار صنعاء مفتوح أمام الرحلات الجوية، ويشهد رحلات يومية على مدار الأسبوع، رغم أن المدينة التي لازالت محتلة من الحوثيين وقوات صالح، تشهد قصفاً عنيفاً من مقاتلات التحالف بشكل يومي تقريباً، فيما تشهد أطرافها حربا برية منذ أسابيع مع المقاومة والجيش الوطني .

ويقول البعض، إن تأمين مطار عدن مرتبط بتأمين المدينة كاملة، فالمطار ليس المربع الذي تهبط فيه الطائرات، وإنما هو كل مساحة المدينة وأجوائها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com