بعد 5 أشهر حصار.. تعز سجن إجباري مع ”المرض والموت“

بعد 5 أشهر حصار.. تعز سجن إجباري مع ”المرض والموت“

عدن – لا يكاد سكان تعز، وسط اليمن، يمسون حزناً على حصار مدينتهم، أو فراق عزيز راح ضحية اقتتال فرقاء الوطن الواحد، حتى يفيقون على فاجعة حلّت.

فالمدينة التي تعتبر خاصرة الجنوب اليمني، لا تزال تئن تحت حصار الحوثيين وقوات المخلوع، علي عبدالله صالح، منذ خمسة أشهر، الأمر الذي جعلها ساحة للمعارك بين هذه الأطراف من جهة، والقوات الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي، المسنودة من طيران التحالف العربي، من جهة أخرى، في محاولة لتحريرها، أسوة بمحافظات جنوبية.

وفي منتصف أغسطس/آب الماضي، حققت ”المقاومة الشعبية“ الموالية لهادي، انتصارات نوعية على الأرض، بسيطرتها على مبنى المحافظة (التي تحمل اسم المدينة نفسه)، وقلعة القاهرة الأثرية، ومبنى المخابرات، وجبل صبر، وإخراج الحوثيين إلى أطراف المحافظة.

وبسبب الخسائر التي تلقوها الأرض، لجأ الحوثيون وقوات صالح إلى محاصرة المدينة، وشن قصف مدفعي طال الأحياء السكنية، بحسب مراسل الأناضول.

ومنذ ذلك التاريخ، باتت ”المقاومة الشعبية“، تسيطر على قلب مدينة تعز، والذي يضم مديريات القاهرة، وأجزاء من مديريتي المظفر وصالة، فيما يسيطر الآخرون على أطراف تعز في مديرتي المظفر والقاهرة، والتي تضم أيضاً مرتفعات جبلية نصبوا فيها دبابات ومدافع.

ويقول سكان محليون إن ”مداخل المدينة تحولت إلى ما يشبه المعابر الموجودة في فلسطين (في إشارة لمعبر رفح، التي تغلقه السلطات المصرية، ومعابر أخرى إسرائيلية)، يغلقها الحوثيون متى يشاؤون، ويفتحونها أمام المارة متى أرادوا، و يتم تفتيش المشاة بشكل دقيق وفردي“.

ووفق ما تحدث به هشام الشرعبي، أحد سكان حي عصيفرة، فإن ”الحوثيين يتعمدون إذلال المدنيين، بغرض تكوين نقمة على المقاومة الشعبية، ويقومون بعمليات تفتيش تطال حتى الأدوية الشخصية“.

وأضاف: ”المدينة تحولت إلى سجن إجباري منذ حصار الحوثيين لها“.

وبمجرد النظر إلى الأرقام والبيانات المحلية والدولية، تظهر للعيان، نتائج هذا الحصار المطبق على المدينة، منذ أغسطس/آب الماضي، من انهيار حاد للخدمات الصحية، والبنى التحتية، فضلاً عن انتشار بعض الأمراض، وسوء الأحوال المعيشية للسكان.

وفي أحدث بيان له، قال برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة ، نهاية الشهر الماضي، إنه لم يتمكن من الوصول إلى معظم الأشخاص المحاصرين في مدينة تعز، مناشداً أطراف النزاع في هذا البلد، السماح بمرور المساعدات.

وأضاف بيانه الذي نشره على موقعه الإلكتروني أن ”الوضع غير المستقر في تعز، يعيق جهود برنامج الأغذية العالمي للوصول إلى الفقراء المعوزين، خاصة هؤلاء في المناطق المحاصرة بالمدينة، الذين لم تكن لديهم إمكانية الحصول على الغذاء لعدة أسابيع“.

‎وبحسب البرنامج الأممي، فتعز هي واحدة من المحافظات العشرة – من إجمالي 22 محافظة في اليمن- التي تعاني انعدام الأمن الغذائي الشديد الذي وصل إلى مستوى ”الطوارئ“ – وهو المستوى الذي يسبق ”المجاعة“ مباشرة، وذلك وفقاً لمقياس مكون من خمس نقاط في اﻠﺘﺼﻨﻴﻒ اﻟﻤﺮﺣﻠﻲ اﻟﻤﺘﻜﺎﻣﻞ ﻟﺤﺎﻟﺔ اﻷﻣﻦ اﻟﻐﺬاﺋﻲ (IPC).

وإلى مستشفيات المدينة، حيث تسببت الحرب المندلعة منذ مارس/آذار الماضي، إلى جانب الحصار، في خروج 16 مستشفى من أصل 20 عن الخدمة جراء انعدام المواد الطبية والمشتقات النفطية مع اختفاء التيار الكهربائي منذ أبريل/ نيسان من العام نفسه.

منظمة الصحة العاليمة، وفي تقرير لها، قالت إن ”سكان تعز يرزحون تحت حصار فعلي، وأن عدداً من المستشفيات الرئيسية اضطرت لإغلاق أبوابها نتيجة انعدام المشتقات النفطية ”.

وتسبب توقف هذه المؤسسات الصحية، بانتشار أمراض ”حمى الضنك“، والكوليرا، والملاريا، في أوساط المواطنين، حيث أعربت سيسيل بويلي، المتحدثة باسم مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الانسان، في سبتمبر/أيلول الماضي، عن ”القلق البالغ إزاء الأوضاع الأمنية المتدهورة في تعز، وتفشي حمى الضنك هناك“.

وشكّل حصار تعز، محوراً أساسياً، في مشاورات سويسرا التي انعقدت، منتصف ديسمبر/كانون أول الماضي، حيث اشترطت الحكومة رفع الحصار عن هذه المدينة قبل الدخول في أية مباحثات، فيما اشترط الحوثيون وحزب صالح، رفع الحصار البحري أولاً، وفقاً لمصادر سياسية مقربة من تلك المشاورات.

وفي حديث له مع الأناضول، قال الطبيب الإغاثي، عبدالرحيم السامعي: ”لم يصل المدينة أية مساعدات منذ أشهر، فالحوثيين انتقلوا الآن إلى وضع خطير في تشديد حصارهم، وذلك باستخدام تصاريح دخول وخروج للمواطنين“.

وفقا للتحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ائتلاف منظمات مجتمع مدني، ارتفع عدد ضحايا القصف العشوائي الذي يشنه الحوثيون وقوات صالح، على الأحياء المدنية بتعز إلى 1277 قتيلاً، بينهم 133 طفلاً، 65 امرأة ، إلى جانب إصابة 7626 شخصاً، منذ بداية المعارك في أبريل/نيسان 2015 وحتى نهاية العام الماضي.

ولا يتوقف الأمر في تعز، على القصف، وانهيار الخدمات الصحية، وسوء الأحوال الإنسانية، فقط، بل تعرضت البنية التحتية لدمار غير مسبوق، نتيجة القصف الذي شنه الحوثيون وقوات صالح من جهة، والغارات التي ينفذها طيران التحالف العربي ضد هذين الطرفين، من جهة أخرى.

كما شهدت المدينة، انعداماً في مياه الشرب، حيث لجأ السكان خلال الفترة الماضية، لشرب مياه الأمطار، ناهيك عن شبة انعدام للمواد الغذائية والخضروات، بسبب لجوء بعض التجار لتهريب هذه السلع من الوعرة على ظهور الحمير.

وبحسب التقرير الحقوقي نفسه، تسبب القصف الحوثي في تدمير 172 منشأة حكومية، بينها 55 تعليمية، و21 صحية، بالإضافة إلى تدمير أكثر من 1778 من الممتلكات الخاصة بينها 1561 منزلاً، فضلاً عن نزوح أكثر من 9500 أسرة.

ولم يتسن الحصول على تعقيب فوري من قبل جماعة ”أنصار الله“ (الحوثي)، بشأن ما يجري في تعز، وما جاء على لسان المتحدثين في التقرير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com