نزع الحجاب وقطع الرقاب

نزع الحجاب وقطع الرقاب

المصدر: تاج الدين عبد الحق

أثارت الدعوة، التي أطلقها ناشطون لتنظيم مليونيه لنزع الحجاب، لغطا وجدلا يعكسان المدى الذي تدنت إليه هموم الناس واهتماماتهم، سواء كانوا مؤيدين لنزع الحجاب أو متمسكين به.

ومع أنني لست من المؤيدين لفرض الحجاب أو نزعه، وأعتبر الأمر برمته تقزيما للأزمة الكبرى، وتسطيحا لها، إلا أنني أتفق مع من يقول: إن الحجاب هو جزء من الحرية الشخصية التي لا يجوز التدخل فيها، والمساس بها، لا بالتحريض ولا بالإغواء، وأعتبر أن الآراء بشأن هذه القضية، تأييدا أو رفضا، هي نوع من التطرف المرفوض، وهي في أحسن الأحوال جزء من حالة عامة تطبع سلوكنا، وتجعله خاضعا لمنطق الحلال دون سند، والحرام دون بينة.

الذين يطالبون، اليوم، بنزع الحجاب، لا يفعلون ذلك دفاعا عن الحرية الشخصية، كما يزعمون، فهم في دعواهم ليسوا أكثر من صدى باهت لحالة سياسية راهنة، قائمة على مبدأ تصفية الحسابات، وتشويه الخصوم. وهم، باختيارالحجاب موضوعا،لا يعبرون عن رأي، بقدر ما يعكسون رغبة في المماحكة والاستفزاز من خلال استخدام قضية مثيرة للجدل والنقاش.

أما الذين يقفون في وجه هذه المطالبة، فإنهم لا يفعلون ذلك من باب الغيرة على الدين، أو حرصا عليه، بل متاجرة به، ومصادرة له، ذلك أننا لو وضعنا قضية الحجاب في سياقها الصحيح، وبعيدا عن الجدل الدائر الآن، لوجدنا أنها من التفاصيل الهامشية التي انشغل بها تجار الدين واتكأوا عليها لتحقيق أغراض سياسية ومنافع حزبية. وكان الأولى، بدل أن ننهمك بهذه الجزئية، أن نتصدى لمئات الخرافات والأباطيل التي سممت العقول باسم الدين، وقست القلوب باسم الدفاع عنه، وقادتنا إلى ما نحن فيه من تمزق وهوان، وتركتنا نهبا للخرافات، وضحايا لفتاوى القتل والسحل.

الحجاب، بغض النظر عما قيل ويقال فيه من آراء واجتهادات، لايشكل، بمعايير التأصيل، ركنا من أركان العقيدة، وهوشأنه شأن كثير من قضايانا الدينية، التي كان فيها الحلال والحرام أمرا نسبيا، ومسألة تقديرية تختلف باختلاف المذاهب الفقهية والمدارس الدينية، والأغراض السياسية.

هذه الخلافات لم تبدأ بالحجاب ولن تتوقف عنده، فإلى جانب الخلافات النظرية الكبرى، التي بدأت مع الخلافة الراشدة الأولى واستمرت بأشكال مختلفة وصور متعددة، خضعت حياتنا الاجتماعية والفكرية لمنطق حدي ضيق في التفسير والتأويل، وحُصرنا ضمن منطق الحرام والحلال، وجعلنا من خلافات فقهية، لا تقدم ولا تؤخر، سببا لحروب وفتن لا تتوقف، ووقفنا عند اجتهادات، تحتمل الخطأ أكثر مما تحتمل الصواب، حيارى نجتر نفس المقولات ونعيد نفس التفسير وكأن الزمن لا يتغير ولا يتبدل، نخضع الحاضر، بكل ما فيه من أدلة مادية واضحة وبراهين عملية صارخة، لمنطق الماضي بكل ما فيه من شكوك وأوهام، غير آبهين بما يجره ذلك من ويلات ومصائب، وما يثيره من تعصب وتطرف.

الأزمة، أمس واليوم وغدا، أكبر من الحجاب، وأكثر تعقيدا من النقاب. والحل ليس الانتصار بمعركة الحجاب بل الانتصار في الحرب على الإرهاب، ووقف مسلسل قطع الرقاب، والتصدي لكل من يحاول اختطاف الدين وتوظيفه على هواه إما استنادا إلى أحاديث فاسدة أو قصص تافهة أو روايات كاذبة.

لقد كشف جوجل كل هؤلاء، وتكفي جولة على موقع اليوتيوب، لنرى، بالصوت والصورة والكلمة، مئات الآلاف من الفتاوى والخطب والمواد الدالة على فساد أولئك الذين يتصدون اليوم للدعوة إلى نزع الحجاب، وكأنه مبتدأ الدين وخبره. تابعوا ما يقوله هؤلاء من أخبار عن الجنة والنار وكأنهم سدنتها وحاملو مفاتيحها وحراس أبوابها. انظروا ما يقولونه عن ضرب المرأة وعن جهاد النكاح وزواج القاصرات وتحريم الموسيقى والاعتداء على الآثار باعتبارها أصناما وكيف يكفرون لمجرد اختلاف المذهب واختلاف الاجتهاد.

خلاف هؤلاء ليس مع الذين يطالبون بنزع الحجاب بل خلافهم الأكبر والأعمق مع بعضهم بعضا، بين متطرف ومعتدل، بين وسطي ومغال، بين من هم محسوبون على السلطة ومن هم محسوبون على المعارضة وقبل ذلك وفوقه، خلاف بين هذا المذهب أوذاك.

قبل أن نفتح معركة نزع الحجاب، علينا أن ندعو الذين جعلوا من أنفسهم حراسا للدين ومفسرين حصريين له، أن يتفقوا فيما بينهم على حدود الحلال ودرجة الحرام، فمثل هذا الاتفاق يعني بالضرورة تجديد الخطاب الديني والابتعاد به عن روح التعصب ومنطق الاقصاء، كما أنه يعني تخليصه من الذين هيمنوا عليه وشوهوه أو استغلوه وتاجروا به، قصدا في أكثر الأحيان، أو جهلا في غفلة من الزمان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com