من خوجة للطريفي مرورا بالراشد

من خوجة للطريفي مرورا بالراشد

تاج الدين عبد الحق

بتولي عادل الطريفي وزارة الثقافة والإعلام، تكون السعودية قد دخلت نادي الدول العربية التي تفسح مكانا لرموزها الصحفية لتولي حقائب وزارية. فالطريفي وجه معروف في الساحة الإعلامية العربية منذ أن ترأس تحرير مجلة ”المجلة“ التي كانت تصدرها الشركة السعودية للأبحاث في لندن، وبعد أن انتقل لرئاسة تحرير ”الشرق الأوسط“ في لندن أيضا، قبل أن يستقر لشهور معدودة كمدير عام لقناة ”العربية“ في دبي، خلفا لمديرها السابق عبد الرحمن الراشد.

الذين فوجئوا بتعيين الطريفي وزيرا للثقافة والإعلام، هم الذين كانوا يتوقعون أن يكون عبد الرحمن الراشد هو الوزير المنتظر، خاصة أن استقالته من ”العربية“ جاءت بعد إعفاء الوزير المثير للجدل عبد العزيز خوجة.

وحده عبد الرحمن الراشد الذي كان يستبعد – حتى لا نقول يستنكر – تلك التوقعات، رغم المعطيات العديدة المرجحة لها.

ولا أعتقد أن التواضع هو ما جعل الراشد ينفي ما تداوله البعض عن مسعى توزيره، بعد استقالته من ”العربية“ . كما لا أظن أنه يفتقر للقدرات المهنية والإدارية، التي تبحث عنها القيادة السعودية في من يتولى هذه المسؤولية، لكن من الواضح أن اختيار الطريفي للمنصب، لم يكن قفزا على الراشد أو تفضيلا له بقدر ما كان موازنة بين عدة معطيات يمكن التكهن بها.

أول هذه المعطيات هي أن المنصب الوزاري ربما عرض على الراشد في مرحلة ما، وحتى قبل التغيير الأخير، إلا أن هذا المنصب، لم يكن يشكل إغراءً كبيرا له، خاصة أنه عاش معظم حياته في الخارج وفي أجواء تخلو من القيود الرسمية التي يفرضها المنصب الوزاري. هذا بخلاف أن الراشد كان رئيسا أو صديقا شخصيا، لعدد من وزراء الإعلام العرب للدرجة التي فقد فيها هذا المنصب الهالة النفسية التي يشكلها عند بعض المستوزرين.

ثاني المعطيات أن الراشد ربما يكون ليبراليا أكثر من اللازم بالنسبة لقطاع عريض من السعوديين، الذين يستذكرون ما كانت تتعرض له كتاباته من نقد، والمؤسسات التي ترأسها من حملات تحريضية وصلت إلى منابر المساجد في بعض الأحيان. وبالتالي فإن مجيئه للوزارة قد يثير الجدل والتكهنات، وقد يكون سببا في استفزازالقوى المحافظة التي تنظر بعين الريبة والشك إلى التغيرات التي يحملها التعديل الوزاري السعودي الجديد.

ثالث المعطيات أن الراشد ككاتب سعودي مرموق قادر على التعبير عن الموقف السعودي بنضج ومسؤولية، يشكل رصيدا إعلاميا ثمينا للقيادة السعودية لا يمكن التضحية به، حتى مقابل الاستفادة من ميزات يتمتع بها ويمكن أن تستفيد منها أي تشكيله وزارية.

مجىء الدكتور عادل الطريفي كان حلا. ومزاوجة بين الحاجة إلى وجه إعلامي محترف، وصوت عقلاني منفتح . والطريفي، بغض النظر عن الخصوصيات التي يتمتع بها، من نفس المدرسة التي تربى وعاش فيها الراشد، ويتقاسم معه نفس الهواجس والهموم، وله نفس القاعدة الرسمية التي جعلته في المناصب التي شغلها قريبا من صانع القرار. لكن الطريفي يختلف عن الراشد في كونه شابا، وأوراقه بهذا المعنى ليست محروقة. فالقوى المحافظة التي كانت تستمريء مهاجمة الراشد، ستجد يدها مغلولة إزاء الوزير الجديد الذي لا يوجد في سجله المهني ما يجعله عرضة لمثل تلك الهجمات.

وبغض النظر عن اسم من تولى الوزارة فإننا أمام مرحلة إعلامية سعودية جديدة. فالإعلام السعودي المغترب والمتمثل في المؤسسات الإعلامية الناجحة التي أنشأتها المملكة في الخارج، لم يعد الإبن الضال، وهو يعود اليوم ممثلاً بشخص الوزير الجديد، لا ليثبت المشروعية التي أنكرتها عليه بعض القوى المحافظة، زمنا طويلا، بل لقيادة الدفة، وإدارة العملية الإعلامية السعودية برمتها، بما في ذلك لجم وتحجيم الدور الذي تلعبه بعض المؤسسات الإعلامية التي تدار وتمول بأموال وإمكانيات، تجعل منها قوى تحريض ناعمة في يد قوى متطرفة.

ما يواجهه الدكتور عادل الطريفي في منصبه الوزاري الجديد، سيكون من جنس المواجهة التي أطاحت بالوزير السابق عبد العزيز خوجة، الذي حاول لجم بعض القنوات الفضائية، ومنع تحولها إلى منابر للتحريض الطائفي والمذهبي، فضلا عن التحشيد والتجنيد للقوى المتطرفة التي تشكل التحدي الأول الذي تواجهه المملكة الآن، والذي يهدد أمنها واستقرارها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة