اليمن.. بوادر حرب أهلية بعد إطاحة الحوثيين بالحرس القديم

اليمن.. بوادر حرب أهلية بعد إطاحة الحوثيين بالحرس القديم

صنعاء ـ يتعين على المتمردين الحوثيين الذين أذهلوا العالم العربي باستيلائهم المفاجيء على العاصمة اليمنية أن يبذلوا جهودا مضنية لتدعيم سلطتهم في مواجهة منافسين مسلحين جيدا في اختبار قوة يمكن أن يزج بالدولة المضطربة إلى المزيد من القلاقل.

التفجير الانتحاري الذي أوقع 47 قتيلا يوم الخميس الماضي في صنعاء نموذج للتكتيكات العشوائية التي يخشى اليمنيون أن يكون بعض الجماعات المسلحة مستعد لتطبيقها لوقف صعود الحركة الشيعية التي اجتاحت المدينة يوم 21 سبتمبر أيلول.

وأعلن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب مسؤوليته عن التفجير فيما بدا أنه تعبير عن غضب عارم تجاه قدرة المقاتلين الحوثيين على الاستيلاء على الدولة اليمنية الهشة وإملاء الشروط على رئيسها عبد ربه منصور هادي الذي تحاصره المشاكل.

وفي الوقت الحالي تحاصر مشاعر التوجس العاصمة صنعاء.

وقال محمد صالح وهو سائق سيارة أجرة نقل الركاب بعيدا عن مكان الانفجار ”هذه مجرد البداية.“ وأضاف ”إنها الآن حرب بين القاعدة والحوثيين.. وأكثر من سيلحق بهم الأذى هم الناس العاديون.“

ويتسق توقعه مع تكهنات محللين يخشون من أن يكون التفجير -وهو من بين أكثر من عشرة هجمات خلفت مئة قتيل في البلاد منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء- تنشيطا لحملة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ضد الحكومة في اليمن الأمر الذي يزيد بدوره من حدة النعرة الطائفية.

قال مسؤول يمني طلب ألا ينشر اسمه نظرا لحساسية الموضوع ”الوضع خطير للغاية.“ وأضاف ”لا نريد حربا أهلية لكن كل البوادر تشير في هذا الاتجاه.“

وليست القاعدة وحدها هي المنزعجة من واحد من أكثر تغييرات السلطة غرابة في الشرق الأوسط منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011.

فصعود نجم الحوثيين أدى الى اختلاط الحابل بالنابل بشأن فرص تكون طائفة من القوى السياسية من بينها حرس قديم مكون من أصحاب النفوذ القبليين والدينيين والعسكريين علاوة على الانفصاليين الجنوبيين الساعين إلى الانفصال عن الشطر الشمالي من البلاد.

كان تهميش الحوثيين لحكومة الرئيس هادي الضعيفة والمنقسمة على نفسها ذورة صعود مشهود لجماعة تصدرت المشهد الوطني بعد ان كانت في وقت ما مغمورة وتنحدر من المناطق الشمالية النائية في اليمن.

الجميع يكابدون كي يدركوا مغزى صعود جماعة متحالفة مع إيران خصم السعودية جعلت من نفسها زعيمة للشيعة الزيديين الذين يشكلون نحو 20 في المئة من اليمنيين.

يقول دبلوماسيون إن ما يمكن أن يكون الجانب الأكثر إثارة للدهشة هو احتمال أن الاستيلاء على العاصمة تحقق من خلال تحالف بين الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان في وقت من الأوقات خصمهم اللدود.

وإذا ما صح هذا فإنه يمثل تناقضا شديدا : فالحركة ترى في نفسها باعثة للحياة في انتفاضة 2011 التي أوحى بها الربيع العربي وقامت ضد ما رأى المحتجون أنه استبداد وفساد حكم صالح الذي استمر 33 عاما.

وأثار سقوط صنعاء مخاوف السعودية التي تخشى من أن تكون إيران تشرع في فتح جبهة جديدة في حربها الباردة معها في الشرق الأوسط. وكان من شأن سقوط العاصمة أيضا إثارة البلبلة بشأن عملية انتقالية تساندها الأمم المتحدة وتمولها دول خليجية مانحة لنقل اليمن إلى مرحلة تعددية حزبية بعد سنوات من الحكم الدكتاتوري.

وفي خطوة حدت قليلا من التوتر عين هادي يوم الاثنين سفير اليمن لدى الأمم المتحدة خالد بحاح رئيسا للحكومة ضمن اتفاق يقضي بعودة سلطة الدولة وانسحاب المقاتلين الحوثيين من صنعاء.

لكن التعيين يبرز أيضا مدى نفوذ الحوثيين لأن بحاح كان أحد ثلاثة أسماء طرحها الحوثيون انفسهم لشغل المنصب بعد أن رفضوا علنا وباستماتة قرار هادي الاسبوع الماضي تعيين مدير مكتبه أحمد عوض بن مبارك رئيسا للحكومة.

ويتساءل اليمنيون : هل يطلب الحوثيون الآن من مقاتليهم الانسحاب من الشوارع؟ ويقول سكان إن وجود المقاتلين في الشوارع اضطر يمنيين كثيرين لمغادرة المدينة. وتسبب ذلك في أضرار لانشطة الاعمال وتعميق الإحساس بعدم وضوح الرؤية.

قال محمد علي (20 عاما) وهو بائع عطور متجول يحمل بضاعته في كيس من البلاستيك ”أريد أن يترك الناس بنادقهم في البيوت لكن الآن نرى الآلاف منها (البنادق) حولنا“ في إشارة إلى المقاتلين الحوثيين.

من الأسئلة التي تدور حولها المناقشات في صنعاء: كيف استولى الحوثيون على مدينة يسكنها مليونا نسمة بالحد الادنى من إراقة الدماء؟ وماذا سيفعلون بالسلطة التي غنموها حديثا؟

يقول الدبلوماسيون إن الإجابة على كل من السؤالين تكمن في مزيج من الأيديولوجية الشعبوية والتنظيم الجيد وسياسات الحكم.

يرى الحوثيون في أنفسهم أنهم أطاحوا بشرذمة من أصحاب النفوذ القبلي والديني والعسكري الذين يقولون عنهم إنهم وأدوا انتفاضة 2011 تحت ركام من التنازلات والفساد والرضوخ للقوى الأجنبية.

ظهر الحوثيون في الشمال في التسعينات مطالبين بإنهاء تهميش الشيعة الزيديين وخاضوا حربا حدودية قصيرة مع السعودية في عامي 2009 و2010.

ويعتقد بعض اليمنيين أن الحوثيين يحلمون بإحياء الإمامة الزيدية التي حكمت اليمن ألف عام والتي توارث السلطة فيها قادة شيعة يقولون إنهم من نسل النبي محمد. وانتهت الإمامة بانقلاب عسكري عام 1962.

لعبة تحالفات

متشددو القاعدة السنة يعتبرون الحوثيين مرتدين. وتصفهم السعودية بأنهم إرهابيون.

لكن رسالتهم التي تقوم على التحرر من أفكار المؤسسة الحاكمة تجد صدى طيبا لدى سكان صنعاء الشيعة الزيديين وعددهم كبير ويمثلون قاعدة تأييد طبيعية للحوثيين في المدينة. وتنجذب جماعات أخرى لتفكيرهم الاقتصادي الشعبوي. فالجماعة مدافع صلب عن الدعم الذي تقدمه الدولة للوقود على سبيل المثال.

والعقيدة السياسية مجرد جانب واحد من القصة.

يقول محللون إن علاقتين تقفان وراء صعود الحوثيين إلى السلطة هما تحالف تكتيكي مع الرجل القوي المخضرم علي عبد الله صالح الذي تنحى عن منصب الرئيس في 2012 وارتباط أكثر استراتيجية مع القوة الشيعية إيران.

تخشى السعودية من أن يسعى الحوثيون لتكرار استراتيجية حزب الله المتحالف مع إيران في لبنان وأن يستغل التأييد الشعبي بين الشيعة المقترن بوجود عسكري قوي من أجل الهيمنة على السياسة وإظهار قوة إيران.

واتهم هادي إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية لليمن من خلال مساندة جماعات مسلحة لم يحددها. وتنفي إيران تدخلها في الشؤون السياسية اليمنية. لكن مسؤولا إيرانيا قال لرويترز إن بلاده ساندت الحوثيين دائما.

نفوذ في الجيش

يعترف الحوثيون بأن علاقات ودية تربطهم بإيران وأنهم يشاركونها أيديولوجيتها المناوئة للغرب لكنهم ينفون الحصول على تدريب عسكري أو أسلحة من الجمهورية الإسلامية.

قال المسؤول اليمني إنه بينما كان الحوثيون يتقدمون صوب صنعاء في الأيام التي سبقت استيلاءهم عليها طلبت الحكومة اليمنية من إبران عبر وسطاء عمانيين توظيف نفوذها لدى الحوثيين لإقناعهم بالامتناع عن غزو المدينة.

وقال المسؤول إن الجواب لم يكن مشجعا. وقال ”الرد الإيراني شابه على نحو كبير رد الحوثيين.“

وقال إبراهيم شرقية وهو خبير بالشؤون اليمنية في معهد بروكنجز الدوحة لرويترز إن الحوثيين سعوا لمحاكاة حزب الله. وأضاف ”يريدون أن يقرروا من يحكم اليمن. لكنهم لا يريدون أن يحكموا بأنفسهم.“

لكن العلاقة التي مكنت الحوثيين من دخول صنعاء هي تحالف تكتيكي مع الرئيس السابق صالح الذي لا يزال يحتفظ بنفوذ في الجيش.

ويقول بعض الدبلوماسيين إنه استخدم هذا النفوذ في جعل وحدات الجيش الموالية له تقف بعيدا وتترك الحوثيين يستولون على المدينة.

خصومات سياسية

يعتقد دبلوماسيون أن دوافع صالح لهذا الارتباط تنبع من الخصومات السياسية اليمنية. فالاستيلاء على صنعاء هزيمة لعلي محسن وهو عسكري بارز يتمتع بقوة سياسية وكان قد انشق باستعمال العنف على صالح عام 2011 وحاولت قواته دون ان تكلل بالنجاح منع الحوثيين من الاستيلاء على صنعاء في سبتمبر أيلول.

قال شرقية ”ما تغير هو عقد تحالف بينهم وبين صالح. كل من الجانبين أراد الانتقام من علي محسن. علي محسن كان العدو المشترك.“

ويبدو أن كثيرا من اللجان الشعبية التي شكلها الحوثيون للإشراف على أعمال الحكومة تضم من أنصار صالح أكثر مما تضم من الحوثيين.

في نقطة تفتيش لجنة شعبية تعلوها لافتة حوثية في حي بير ابو شملة في صنعاء وهو معقل لمؤيدي صالح قال علي لطف إنه انضم إلى اللجان الشعبية يوم 21 سبتمبر أيلول عندما دخل الحوثيون صنعاء.

وقال إن صالح ”أحسن رئيس رأيناه.“ ويؤيد لطف حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يقوده صالح. وقال إنه يؤيد الحوثيين أيضا لأنهم ”لديهم نفس الأهداف.“

من جانبه ينفى صالح التعاون مع الحوثيين. ولم يناقش الحوثيون الموضوع مباشرة لكنهم يقولون إنهم لا توجد مشكلة مع الرئيس السابق.

إلى متى يدوم زواج المصلحة هذا؟ إجابة هذا السؤال موضع تكهن في صنعاء.

هل صالح -وهو لاعب سياسة حصيف- قد عثر على نده في القوة؟

قال المسؤول اليمني ”الحوثيون هم الجماعة الوحيدة القوية في البلاد. وأضاف ”لديهم رؤية. منضبطون جيدا. ومنظمون جيدا. جميع الجماعات الأخرى… مهلهلة.“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com