اليمن.. لجان أبين الشعبية تستبدل وجود الدولة

اليمن.. لجان أبين الشعبية تستبدل وجود الدولة

المصدر: أبين- من عبد اللاه سُميح

لا تكاد تتلاشى ملامح إحدى قرى المناطق الوسطى بمحافظة أبين جنوب اليمن، إلا ويستوقفك شبان مسلحون منخرطون في التشكيلات القبيلة والأهلية المسماة ”اللجان الشعبية“، يطل أحدهم من نافذة السيارة بحثاً عن شيء قد يُخل بأمن واستقرار مناطقهم التي سيطر عليها تنظيم القاعدة خلال عامي 2011 و 2012 وشهدت حربا تسببت بأضرار جسيمة في البنية التحتية للمحافظة.

وكان تنظيم القاعدة سيطر على محافظة أبين منتصف 2011، وتمكن من إعلانها إمارة إسلامية وسط استمرار حربه مع القوات الحكومية لمدة عام، قبل أن يلجأ أهالي بلدات أبين إلى تشكيل لجان شعبية ساهمت بدرجة كبيرة في إخلاء مناطق أبين من عناصر القاعدة في منتصف العام التالي.

وبعد مرور أكثر من عامين على ذلك، ما تزال ”اللجان الشعبية“ المسلحة تسيطر على أجزاء كبيرة من أبين، في ظل غياب ملحوظ للأجهزة الأمنية أو صلاحيات محدودة لأقسام الشرطة الموجودة فيها، في حين تمددت هذه التشكيلات القبلية المناهضة للقاعدة إلى محافظات أخرى مجاورة تشهد معارك كرّ وفرّ بين الجيش ومسلحي القاعدة.

وينتشر مسلحو اللجان الشعبية بكثافة على طرقات بلدات أبين العامة والفرعية وعلى مداخل ومخارج المناطق السكنية، وتفوق أعدادهم ثلاثة آلاف مقاتل، ويتلقون مخصصات مالية مقدمة من وزارة الدفاع اليمنية التي وعدت بضمهم إلى السلك العسكري في قوات الأمن والجيش.

ودفعت ”اللجان الشعبية“ ثمن تأمين مناطقها من القاعدة ومساندتها لقوات الجيش، حيث قتل العشرات من أفرادها خلال هجمات انتحارية دأب التنظيم على شنها خلال السنوات التي أعقبت الحرب كنوع من الانتقام.

ويقول منصور العلهي، المتحدث الرسمي للجان الشعبية بمديرية مودية، إن ”فكرة تأسيس اللجان الشعبية جاءت بعد أن تخلت الدولة عن مهامها في الحفاظ على الأمن وحماية مؤسساتها الخدمية ومشاريعها التنموية المحدودة إبان عام 2011، لتصبح اللجان الشعبية هي الحامي لأمن المواطن واستقراره والمحافظة على المنشآت الحكومية في مناطقها، ووسعت أنشطتها لاحقاً إلى مساعدة مدراء المرافق الحكومية في تسيير الأعمال الخدمية كالمياه والكهرباء وحل المشكلات الاجتماعية“.

وأشار العلهي في حديث خاص لـ“إرم“ إلى ”عدم وجود أي دور فعلي للأجهزة الأمنية قبل إنشاء اللجان الشعبية باستثناء تواجد محدود لقوة من الأمن الخاص -سابقا- انسحبت من موقعها في بلدة مودية أثناء ظهور عناصر القاعدة“.

وأضاف: ”خلال الآونة الأخيرة، أصبحنا نعمل بالتنسيق مع مدراء أمن المديريات، وغالبا ما نحل المشكلات بالتشاور معهم، وفي حال ضبطنا أي مخل بالسلم المجتمعي، نسلمه إلى إدارة أمن المديرية، وأصبح الوضع الأمني الآن أكثر استقرارا، بعد أن كانت مناطقنا تُفجع من حين لآخر بعمليات العناصر الإرهابية ضد أفراد اللجان الشعبية“.

وعن إمكانية تحول هذه التشكيلات القبلية المسلحة إلى مشكلة مستقبلية للدولة خصوصا بعد حيازتها على أسلحة متعددة وامتلاكها معلومات أمنية، قال العلهي إن ”الهدف الرئيسي من إنشاء اللجان الشعبية هو حفظ الأمن للمواطن، ولن تكون بإذن الله مشكلة لا في مستقبل الدولة ولا في ماضيها، وهي تسعى لمصلحة المواطن ولن تؤثر على السلم الاجتماعي في المنطقة بأي شكل من الأشكال“.

من جانبه، يشيد الناشط الإعلامي عثمان الحسني بدور اللجان الشعبية بمودية في ”درء فتن تنظيم القاعدة، لكنه يعيب الأداء المتفاوت في حماية مصالح المواطنين العامة والخاصة، فيما تتميز بلدات أخرى بصرامة اللجان الشعبية وتسييرها لكافة أمور حياة المواطنين“.

وأكد الحسني في تصريح خاص لشبكة ”إرم“ أن التواجد الفعلي للدولة سابقاً ”كان سبباً في اضطراب البلدة، حيث أن الأجهزة الأمنية كانت غالبا ما تفتعل الأزمات والمشاكل للأهالي باستمرار“، داعيا قيادة اللجان إلى ”الاضطلاع بدورها في استتباب المنطقة في كافة مجالات الحياة وعدم اقتصار دورها على الجانب الأمني فقط“.

على الجانب الآخر، يرى مراقبون أن ”ثمة مخاطر تزرعها هذه التكوينات المسلحة، حيث تتسبب في إضعاف هيبة المؤسسة العسكرية، وتستنزف موارد الدولة الشحيحة، كما تعمل على تفكيك المجتمع من خلال استحواذ أفرادها على النفوذ والسيطرة والقيادة والمنصب“.

ويقول الباحث والمحلل السياسي، عبد الناصر المودع، إن هذه الجماعات ”ستعمل على عدم تطبيع الحياة الأمنية والسياسية في المناطق التي تسيطر عليها أو تتواجد فيها، لأن من مصلحتها ما دامت أُنشِئت تحت حُجة مكافحة الإرهاب؛ إبقاء الإرهاب ليكون مصدر بقائها ومعيشتها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com