بين السعودية وروسيا.. حرب في أسعار النفط الجديدة

بين السعودية وروسيا.. حرب في أسعار النفط الجديدة

المصدر: محمود صالح - إرم نيوز

من المحتمل أن تتجه أسواق النفط العالمية نحو حرب جديدة، حيث يتنافس منتجو منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك والدول غير الأعضاء في المنظمة على زيادة حصصهم من الإنتاج.

وبحسب صحيفة ”بيزنس إنسايدر“ الأمريكية، فقد أدى التعاون غير المتوقع بين الدول الأعضاء بأوبك وغير الأعضاء والمدعوم من قبل السعودية العضو في أوبك وروسيا غير العضو، إلى تحقيق بعض الاستقرار في أسواق النفط الخام لمدة نصف عام تقريبًا.

وقد تم تجنب أزمة أسعار النفط الخام المتوقعة، ما يترك مجالاً كافيًا لانتعاش السوق في الأشهر المقبلة، وطالما أن السعودية وروسيا وبعض المنتجين الرئيسيين الآخرين كالإمارات والكويت يدعمون تمديد تقليل إنتاج النفط، ستشهد البيانات المالية بعض الضوء في نهاية النفق.

آثار الثورة النفطية الصخرية الثانية، كما ذكر البعض، تم تخفيفها إلى حد كبير من خلال الامتثال العالي بشكل معقول من جانب أعضاء منظمة أوبك والدول غير الأعضاء في المنظمة إلى التخفيضات المتفق عليها، في حين أن القضايا الجيوسياسية والأمنية قد منعت ليبيا والعراق وفنزويلا ونيجيريا من الالتزام بتخفيض الإنتاج.

والاستقرار في سوق النفط الخام، كما هو الحال دائمًا، تتحكم فيه مصالح جيوسياسية ووطنية، ويمكن أن تشكل المصالح الوطنية التهديد الرئيسي للتمديد الناجح لتخفيضات إنتاج الأوبك في الأشهر المقبلة.

وتزداد المخاوف من أن المنتج الرئيسي لمنظمة أوبك، المملكة العربية السعودية، لم تعد سعيدة بالآثار التي تعود عليها من  تحمل وطأة تخفيضات الإنتاج، في الوقت الذي يريد فيه أعضاء آخرون في منظمة أوبك مثل إيران والعراق زيادة الإنتاج.

 كما أن المنافس الرئيسي الآخر للسعودية وهي روسيا  لا تتخذ نفس الموقف، وحتى لو كانت موسكو لا تزال بعيدة تمامًا عن خفض الإنتاج الرسمي، فإن شركات النفط الروسية تتقاتل بقوة من أجل الحصول على حصة إضافية في أسواق العملاء الرئيسيين للنفط السعودي وهم الصين والهند واليابان، وعلى عكس ما كان متوقعًا، قامت العراق وإيران بخفض حصتهما بالنسبة للسوق  الأوروبي.

والسعودية التي تهدد اتفاقها الناجح لتخفيض إنتاج النفط، تشعر الآن بالضغط من جميع الجوانب، ويرى بعض المحللين أن السعودية سوف تواجه السيناريو الأسوأ، حيث من الممكن أن تفقد الرياض قبضتها على أكبر أسواق النفط، في حين أن النفط الصخري الأمريكي يزيد من حصته في السوق، مع إمكانية تلبية الاحتياجات الأوروبية.

وتحاول كل من روسيا وإيران والعراق الحصول على حصة في السوق الآسيوية، وفي الوقت نفسه الاستحواذ على حصة السعودية في أوروبا حتى الآن، ولم يعرب المسؤولون السعوديون، مثل وزير البترول خالد الفالح وأمين الناصر رئيس شركة أرامكو، عن استيائهم ولم تعلن المملكة حتى الآن عن أي موقف حقيقي متشدد، ولكن هذا قد يتغير بشكل كبير إذا كانت المؤشرات الأخيرة صحيحة.

وفي خطوة غير متوقعة، ذكرت السعودية أنها ستحاول استعادة بعض حصتها في السوق في واحدة من الأسواق الرئيسية السابقة لها وهي أوروبا، ومن أجل زيادة الطلب على النفط الخام السعودي، تعتزم المملكة وضع خطط لتغيير الطريقة التي تحدد بها أسعار النفط لأوروبا بدءًا من يوليو/تموز القادم.

ويمكن أن تدخل الخطة حيز التنفيذ اعتبارًا من 1 يوليو/تموز القادم، وذلك لزيادة الطلب على النفط الخام السعودي من خلال تسهيل التعامل مع العملاء.

وذكرت مصادر إعلامية، أن أرامكو ستعرض سعر صادراتها الأوروبية مقابل تسوية أيس لمؤشر برنت، بعد سنوات من تسعير النفط مقابل المتوسط ​​المرجح لخام برنت.

وتشكل مراجعة السعر جزءًا من مؤشر برنت المستخدم في تسعير معظم أسعار النفط الخام في العالم، وقامت أرامكو أيضًا بتخفيض الأسعار لدول الأبيض المتوسط ​​وبعض العملاء الآسيويين، ولكن عملاء الولايات المتحدة سوف يواجهون أسعارًا مرتفعة.

وبنظرة عامة للوضع الحالي، فإن الخطوة السعودية يمكن أن تشير إلى نهج سوق جديد في الأشهر أو السنوات المقبلة.

وبعد التركيز الكامل على الأسواق الآسيوية والفرص الاستثمارية المتاحة هناك، كما هو واضح من خلال الزيارة الطويلة للملك سلمان بن عبد العزيز إلى آسيا، وإنفاقات أرامكو التي تبلغ مليارات الدولارات، يبدو أن هناك إعادة توجيه مفاجئ لجزء من نهج الشركة المستقبلي.

وتحتل روسيا دائمًا وضعًا مريحًا جدًا في أسواق النفط الأوروبية، حيث إنها أكبر مورد بنسبة حوالي 32% في العام 2016.

ولا يمكن إنكار هيمنة موسكو على الطاقة الأوروبية، ولكن قد تتعرض موسكو للضغط إذا دخلت أرامكو، بالإضافة إلى العراق وإيران بطريقة جادة في السوق الأوروبية.

وفي سوق النفط الأكثر استقرارًا، لن يكون لهذا تأثير مباشر على سيناريوهات الأسعار، ولكن بالنظر إلى التقلب الحالي، فإن المواجهة بين روسيا والسعودية في أوروبا من الممكن أن لا تزعزع استقرار السوق فحسب، بل تؤدي أيضًا إلى حرب أسعار جديدة.

وحتى العام 2015، كانت إمدادات النفط الروسية تسيطر على الأسواق الأوروبية، حيث إن معظم منتجي أوبك لم يكن لديهم اهتمام بالطلب الأوروبي على النفط، وفي ضوء وجود لاعبين جدد في الأسواق الآسيوية، وانخفاض الطلب في الولايات المتحدة، فإن النفط السعودي يبحث الآن عن مواجهة محتملة.

وتشير خطوة أرامكو إلى أن الأوقات تتغير، ويمكن أن تكون أوروبا أول ”ساحة قتال“ جديدة،  فالمملكة لديها الكثير لتحقيق مكاسب من حيث الحجم والحصة، حيث إنها تحتل الآن المرتبة 4 في الدول المصدرة لإمدادات المواد الخام إلى بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي الأوروبي OECD  في العام 2016، بعد الاتحاد السوفييتي السابق والنرويج والعراق.

وتم التخطيط بالفعل للحرب النفطية الروسية السعودية ويتم تنفيذها جزئيًا، كما أشارت عملاقة الصناعة النفطية الروسية روسنفت في العام 2015، التي اتهمت أرامكو بإلقاء النفط في أوروبا، وكانت الحاجة إلى تحقيق الاستقرار في السوق في عامي 2015 و2016، والطرح العام الأولي لأسهم شركة أرامكو، سببين لتراجع النزاع.

وأشارت روسنفت مؤخرًا إلى أن حرب الأسعار لجذب السوق الأوروبية قد تجبر الأطراف على عدم تمديد اتفاقية خفض الإنتاج لمدة 6 أشهر أخرى.

والصراع قائم، ولكن لم يكشف على العلن بعد، إلا أن التحركات الأولى التي قامت بها أرامكو السعودية لدخول أوروبا مرة أخرى تؤكد بوضوح أنها ليست على استعداد للسماح بتواجد للآخرين، في حين أن السعودية تستحوذ الآن على السوق الآسيوي، وأوروبا السوق المستقر الذي يزيد من الطلب على النفط الخام بطريقة مثيرة للدهشة، هي الآن ساحة محتملة لسيناريو حرب الأسعار، إلا أن قرار الرياض بتغيير الأسعار الأوروبية هو إشارة واضحة إلى وجود خط أحمر لنفط المملكة، وأن أي محاولة لفقدان حصة في السوق سوف تواجه برد  فعل أكثر قوة من جانب أرامكو.

كلا الطرفين الرئيسيين روسيا والسعودية، غير مستعد للخطر الناجم عن حرب أسعار حقيقية وسيتقرر مستقبل بوتين في السنة القادمة، حيث موعد الانتخابات، في حين يعتمد مستقبل النخبة السعودية الشابة على الطرح العام الأولي لأسهم شركة أرامكو.

وباتخاذ نهج يتسم بالذكاء، يمكن لكلتا الدولتين إعادة توجيه استراتيجيات السوق العدوانية ضد اللاعبين الجدد في أوروبا، وكانت العراق وإيران أكثر ذكاءً حين حاولتا الحصول على حصص في السوق الأوروبية من الجانبين.

وبالجمع بين قوة موسكو والرياض، ستكون حرب الأسعار ضد المحور الإيراني – العراقي أكثر استدامة وإمكانية، ومن شأن العراق أن تكون له ميزة إضافية تتمثل في عدم تهديد إنتاج دول منظمة أوبك المصدرة للنفط والدول غير الأعضاء في المنظمة.