السعودية تتحول بهدوء لقِبلة فنية عالمية

السعودية تتحول بهدوء لقِبلة فنية عالمية

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

جلس مئات الرجال السعوديين والأجانب، بجانب زوجاتهم في حديقة ”جمان“ بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، مساء ”الجمعة“ الماضي، لتناول العشاء، بينما يعزف الموسيقار المصري العالمي عمر خيرت مع فرقته معزوفات شهيرة على مسرح أعد خصيصاً لهذه المناسبة النادرة في بلد غابت عنه الحفلات الفنية لعقود طويلة، بسبب معارضة رجال الدين ذوي النفوذ.

ويأتي الحفل النادر الذي حضرته العائلات للمرة الأولى منذ سنوات، بعد أن كان حضور النشاطات الفنية المتواضعة التي شهدتها السعودية في الماضي مقصوراً على الرجال، أو الجنسين بعد وضع جدار عازل بينهما.

نشاطات فنية قادمة

وتحفل قائمة نشاطات هيئة الترفيه الحكومية التي تقود عملية تغيير جذري في المجتمع السعودي المحافظ بعد أقل من عام على تأسيسها، بقائمة كبيرة من الفنانين العالميين ومشاهير الإعلام والمجتمع الذين سيزورون المملكة.

فخلال الفترة المقبلة على سبيل المثال، ستستقبل المملكة الموسيقار اليوناني العالمي ياني، وعازف العود العراقي الشهير نصير شمة، والإعلامية الأمريكية ذائعة الصيت، أوبرا وينفري، والممثل الأمريكي الشهير آل باتشينو، ونجومًا وفنانين آخرين.

وحضور مثل تلك الأسماء إلى أكبر بلد خليجي، وتقديمهم لنشاطات فنية وثقافية وترفيهية، كان أمراً يصعب حتى تخيله قبل نحو عام تقريباً، عندما كان لصوت رجال الدين صدى يسمع في أروقة القرار الرسمي للمملكة.

لكن السعودية التي يقودها الملك سلمان منذ نحو عامين بمساعدة جيل من الأحفاد الشباب للملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، وفي مقدمتهم ولي عهده الأمير محمد بن نايف، وولي ولي عهده، الأمير محمد بن سلمان، اتخذت قرارات تغيير جذرية لم يكن أكثر المتفائلين بحدوث تغيير محلي يتوقعها.

حتمية التغيير

ويقول مراقبون، إن ”قرار التغيير في السعودية كان حتمياً، بعد انهيار أسعار النفط الذي يشكل المورد الرئيس لأكبر بلد مصدر للنفط في العالم، وبعد تزايد نفوذ رجال الدين وتأييد البعض منهم لجماعات مسلحة تقاتل في الخارج وتعتبرها المملكة إرهابية“.

كما أن المملكة تتعرض لانتقادات دولية واسعة بسبب آراء أولئك العلماء في كثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية من منظور ديني يستند إلى تفسيرهم الذي يختلفون فيما بينهم عليه، إضافة لكونه الأكثر محافظة مقارنة بالتفسيرات المتبعة في غالبية الدول الإسلامية الأخرى.ورغم أن عدداً من علماء الدين، يعارض بشكل علني التغيير الذي يجري في المملكة، لا سيما في شقيه الاجتماعي والثقافي، فإن قادة المملكة ماضون على ما يبدو في خطوات عديدة تضمنتها خطة طموحة للتغيير تحمل رؤية ”السعودية 2030“ وتشمل أغلب مناحي الحياة في المملكة.

وكتب الإعلامي السعودي البارز، عبدالرحمن الراشد معلقاً على ذلك التغيير: ”رفض التحديث والاحتجاج ضده، الذي غالباً ما يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي، يعبر عن جيوب تخشى رياح التغيير، وهذه الاعتراضات المتشنجة، في الحقيقة، هي شهادة للحكومة السعودية دولياً على أنها تكافح في سبيل تحسين وضع المرأة، وضد التطرف الديني، ومع الانفتاح الاجتماعي، وتريد الطلاق من الاعتماد الكامل على موارد النفط“.

وأضاف الراشد في أحدث مقالاته: ”الشأن السعودي الداخلي يتجاوز حدودها، كدولة إقليمية فاعلة ودولياً مؤثرة، وهذا ما لا يدركه البعض الذي يظن أن ما يجري في السعودية يبقى في السعودية، وهو ليس صحيحاً، خاصة في هذا الزمن الذي تحكمه معايير دولية وليست محلية“.

ازدياد المؤيدين

ووجد الإصرار الرسمي على مواصلة عملية التغيير التي خضعت لدراسات مستفيضة قبل إقرارها، صداه في المجتمع بشكل سريع بالفعل، إذا تخبو الأصوات المعارضة بشكل ملحوظ بينما ترتفع أصوات المؤيدين.

ويتركز نقاش السعوديين اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعد الساحة الأوسع لتبادل المعلومات والآراء، حول ضرورة خفض أسعار بطاقات الدخول للفعاليات الفنية التي تشهدها المملكة، بدل النقاش حول مشروعية تلك الفعاليات كما كان يحدث في الماضي، عندما ينجح المعارضون بإلغاء فعاليات فنية عبر حملات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي تستجيب لها السلطات.

ويقول الإعلامي السعودي ورئيس التحرير السابق لصحيفة ”الشرق الأوسط“ سلمان الدوسري: ”جدل صحي تعيشه المجالس السعودية ووسائل التواصل الاجتماعي، جل النقاشات والاعتراضات والتأييد والرفض وما بينهما تتحدث عن مفهوم حضر في كل بلاد الدنيا وتأخر عن بلادهم عقوداً، نعم، إنه الترفيه الذي غاب عن دولة يشكل فيها الشباب 70 %  من المكون الاجتماعي لها“.

وأضاف الدوسري في مقال له: ”كعادة أي تغيير حقيقي في المجتمعات ينقسم الناس ما بين مؤيد ومتحمس ومتحفظ ورافض، وثمة آخرون يترقبون مزيداً من الوقت لتحديد مواقفهم، فرؤية 2030 تعترف ضمناً بأن نوعية الحياة في المدن السعودية تغلب عليها الرتابة وتسبب الضجر، بل إن السعوديين أنفسهم ما فتئوا يشتكون من غياب الترفيه عن بلادهم“.

وتلقى نشاطات هيئة الترفيه بالفعل تأييداً متزايداً مع التزامها بمعايير أساسية مستمدة من الشريعة الإسلامية المطبقة في المملكة، وتجاهلها لمعايير أخرى تستند إلى فتاوى خلافية بين علماء المملكة.

وفي كثير من الفعاليات التي شهدتها المملكة خلال الفترة القصيرة الماضية، ألزمت هيئة الترفيه الجهات المنظمة للحفلات والفعاليات الثقافية والفنية بتحقيق فصل بين الجنسين في بعض الفعاليات التي يحضرها جمهور كبير بالآلاف، ومداخل خاصة للرجال وأخرى للنساء، وأماكن لإقامة الصلاة.

وسمحت بتواجد الجنسين في حفلة عمر خيرت التي لم يتجاوز عدد حضورها 850 شخصاً جلسوا أمام طاولات في حديقة كبيرة للاستماع للموسيقى التي عزفها الرجال فقط بعد أن رفضت هيئة الترفيه السماح للعازفات بالمشاركة ما لم يغطين شعورهن بالحجاب.

ويحمل تركيز هيئة الترفيه على استضافة الأسماء العالمية اللامعة، دلالات واضحة على رغبة المسؤولين عن الهيئة في تجاوز عقود طويلة من غياب الفن بأسرع ما يمكن وتحويل المملكة لقبلة فنية في منطقة تستقطب دولها ملايين السياح الباحثين عن الترفيه.