هيئة الترفيه تبدأ أكبر عملية تغيير جذري في المجتمع السعودي

هيئة الترفيه تبدأ أكبر عملية تغيير جذري في المجتمع السعودي

المصدر: قحطان العبوش -  إرم نيوز

من المقرر أن تعلن هيئة الترفيه السعودية، يوم غد الثلاثاء، عن روزنامة فعالياتها للعام الجاري 2017، وهي أول روزنامة للهيئة الحكومية التي شكلتها المملكة منتصف العام الماضي، ويتوقع أن تقود تغييرًا جذريًا غير مسبوق في المجتمع السعودي المحافظ.

وتترقب النخب الثقافية والدينية السعودية بشقيها، المحافظ والليبرالي، الروزنامة الجديدة وما تتضمنه من فعاليات قادمة، وما تحمله من تغييرات تعتزم المملكة إجراءها في الجانب الثقافي والترفيهي للبلاد، التي ظلت صورتها لعقود طويلة مرتبطةً بنظرة رجال الدين ذوي النفوذ، وتفسيراتهم للشريعة الإسلامية المطبقة في المملكة.

ويقول مراقبون إن برنامج عمل الهيئة للعام الجاري سيكون اختبارًا حقيقيًا لإمكانية إحداث تغيير جذري، في مجتمع ظل لسنوات طويلة محرومًا من عدة نشاطات ثقافية وترفيهية، بسبب تحريم عدد من رجال الدين لها.

واستبقت الهيئة إعلان الروزنامة، بإقامة بعض النشاطات هذا العام، بينها إقامة حفل فني جماهيري حضره آلاف السعوديين في مدينة جدة الساحلية قبل أيام، واعتبره البعض مؤشرًا على احتواء الروزنامة لفعاليات مماثلة كثيرة، ظلت غائبةً عن المملكة سنوات طويلة.

كما أن بعض الفعاليات التي أعلنت عنها الهيئة قبل أيام وستتضمنها الروزنامة، كشفت عن عزم بعض الشركات، التي تعاقدت معها الهيئة للعمل في مجال الثقافة والترفيه داخل المملكة، استضافة فرق فنية ومشاهير من دول غربية كالولايات المتحدة الأمريكية لإقامة عروض ولقاءات مع الجمهور داخل السعودية.

والسينما والمسرح والغناء والموسيقى والفن التشكيلي ومعارض الرسم بشكل عام والأمسيات الشعرية والفرق الاستعراضية والمتاحف الأثرية، سواء كان أبطالها سعوديين أم من خارج المملكة بما فيها دول الغرب، هي قضايا خلافية شهيرة في المملكة، وظلت غائبةً بشكل كبير عن أكبر بلد خليجي بسبب نفوذ رجال الدين مقارنةً بقدرة نخب التيار الليبرالي على التأثير في قادة المملكة ومسؤوليها لتنشيط تلك الفعاليات.

لكن خطةً حكوميةً سعوديةً لإحداث تغيير اقتصادي واجتماعي واسع، تحمل عنوان ”رؤية السعودية 2030″، تضمنت بشكل واضح عند إطلاقها في أبريل/نيسان الماضي، تحقيق هدف يتمثل بارتفاع إنفاق الأسر في المملكة على الثقافة والترفيه من 2.9 بالمئة إلى 6 بالمئة عند انتهاء تنفيذ الخطة، من خلال زيادة الأنشطة الثقافية والترفيهية.

وفي آخر تعليق على قضايا الترفيه والثقافة في المملكة، بدا مفتي السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، أرفع هيئة دينية في السعودية، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، أقل رفضًا مما عُرف عنه لمثل تلك المواضيع، وأجاب أحد السائلين في برنامجه التلفزيوني المعروف ”مع المفتي“ على قناة ”المجد“ الحكومية، ”هذه الأمور ستعالج بحكمة إن شاء الله“.

وتقول تقارير محلية وغربية تتابع بدقة قضية التغيير الثقافي والاجتماعي في المملكة، إن هيئة الترفيه ستعتمد على التدرج في فعالياتها، بحيث تعمل على تحقيق أهدافها المتمثلة بإحياء وتنشيط القطاعين الثقافي والترفيهي من جهة، وعدم إغضاب رجال الدين من خلال إلغاء فعاليات أخرى، بدا واضحًا أن دور عرض السينما ستكون من بينها هذا العام.

وتعد قضية الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة من أشهر المحظورات في السعودية، وبسببها ألغيت كثير من الفعاليات والبرامج في الماضي، لكن هيئة الترفيه قد تستعين هذا العام بالحواجز الفاصلة في الصالات، كما يجري في بعض الفعاليات حاليًا، في حين لا يتوقع أن يستمر ذلك للأعوام القادمة التي ستشهد إقامة مسارح ومتاحف.

وقبل أيام قليلة، نظم مركز الملك فهد الثقافي في العاصمة الرياض، حفلًا فنيًا نادرًا حضره الرجال والنساء، وتم تخصيص الطابق العلوي من المسرح للنساء، كحل وسط يرضي طرفين لم تتوقف سجالاتهما واتهاماتهما المتبادلة منذ سنوات في المملكة، وهما تيارا المحافظين والليبراليين.

ويعتبر بعض المتابعين للشأن الداخلي السعودي، وبينهم كتاب ومفكرون سعوديون معروفون، أن قرار المملكة بتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، العام الماضي، ومنع أعضائها من العمل الميداني وتوقيف الأشخاص كما كان سائدًا لسنوات، يعتبر مؤشرًا على عزم المملكة إحداث تغيير في بنية المجتمع وعاداته.

ويقول خبراء اقتصاديون كثر: إن التغيير الاقتصادي الذي أجبرت عليه المملكة بعد تراجع أسعار النفط الذي يعد بيعه المورد الرئيس للبلاد، لن ينجح ما لم يتزامن مع تغيير اجتماعي يجعل من المملكة مكانًا جاذبًا للاستثمارات الخارجية، لا بل ويشجع المستثمرين السعوديين أنفسهم على الاستثمار الداخلي بدل استثماراتهم العملاقة في الخارج.

ومع غياب رجال هيئة الأمر بالمعروف، الذين عطلوا في الماضي كثيرًا من الفعاليات الثقافية والترفيهية، بحجة أنها مخالفة لتفسير الشريعة الإسلامية المتبع في المملكة، ستبقى الاعتراضات على روزنامة الهيئة من قبل أنصار التيار المحافظ في حدود مواقع التواصل الاجتماعي التي تحوّلت لأكبر ساحة نقاش بين السعوديين حول مختلف القضايا.

ويتمسك أنصار التيار الليبرالي السعودي، بتفسيرات أخرى للشريعة الإسلامية مغايرة للتفسير المطبق في المملكة، في حين يعتبر أنصار التيار المحافظ  بأن تفسير المملكة السلفي الذي أسسه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، هو الأكثر  مطابقة للدين الإسلامي الذي نشأ قبل أكثر من 14 قرنًا.

ووسط  تشاؤم واضح من أبرز مفكري ومنظري ومناصري التيار المحافظ في المملكة، تأمل نخب التيار الليبرالي السعودي أن تتحول بلادهم إلى مكان لا يبدو فيه إقامة عرض مسرحي أو حفل فني يحضره جمهور كبير من الجنسين، أمرًا نادرًا وغريبًا يتم الحديث عنه في صفحات كبريات وسائل الإعلام العربية والعالمية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com